الخزانة العاشرة..
فقه عظمة الله ﷻ:
قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
متفقٌ عليه.
هذا القلب لابد أن يعرف العظيم ليعظّمه، ويعرف الكبير ليكبره، ويعرف الكريم ليشكره، ويعرف القادر ليستعين به، ويعرف الرحمن ليسترحمه، ويعرف الغفور ليطلب المغفرة منه، فالله ﷻ هو العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، الرحمن الذي لا أرحم منه.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
واسم الله العظيم من أسماء الله الحسنى التي ظهر أثرها في هذا الكون العظيم.
والعظيم اسمٌ يطلق على أمرين:
الأول: عظمة الذوات والأجسام المحسوسة كالسماء والأرض، والجبال والبحار.
الثاني: يطلق ويراد به عالي القدر والمنزلة والشأن، ومنه عظيم القوم الذي حكمهم فلا يقدرون على مخالفته.
والله ﷻ هو العظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن عظمة الله العلي الكبير أن السماوات والأرض في قبضة الرحمن أصغر من الخردلة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فلا إله إلا الله العلي العظيم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والعرش العظيم محيطٌ بالكرسي الكريم، والكرسي محيطٌ بالسماوات السبع، والسماوات السبع محيطةٌ بالأراضين السبع.
كما قال النبي ﷺ: «آيَةُ الْكُرْسِيُّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ».
أخرجه ابن أبي شيبة وابن حبان.
فإذا كانت هذه عظمة السماوات والأرض، وعظمة الكرسي والعرش، وهي من مخلوقات الله العظيم، فكيف بعظمة العظيم الذي خلقها وأمسكها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
فهذه عظمة ذاته ﷻ وهو العظيم في صفاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فهو العظيم في كل شيء، عظيمٌ في قدره وشأنه، عظيمٌ في كبريائه، عظيمٌ في علوه، عظيمٌ في علمه، عظيمٌ في رحمته، عظيمٌ في قدرته، عظيمٌ في حلمه، عظيمٌ في عطائه وإحسانه، عظيمٌ في عقوبته وانتقامه، عظيمٌ في جلاله، عظيمٌ في جماله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وهو سبحانه العظيم في أفعاله، وله المثل الأعلى في كل شيء، وأفعاله في غاية الحكمة والعدل والرحمة والإحسان، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويبسط ويقبض، ويعطي ويمنع، ويخلق ويرزق، ويحيي ويميت: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء:﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧].
هو العظيم وحده لا شريك له، عظيم الرزق، عظيم العطاء، عظيم الأجر، عظيم الثواب: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥].
هو العظيم الغني عن كل ما سواه، بيده كل شيء، ولا يحتاج إلى أحد، بل يحتاج إليه كل أحد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا:﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
هو سبحانه العظيم في ملكه وسلطانه، العظيم في خلقه وأمره، العظيم الذي لا تتعاظم عليه المسائل مهما كبرت وعظمت وكثرت، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العظيم الذي لا يعطي إلا العطاء العظيم لأنه يعطي على قدر شأنه:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال النبي ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ».
أخرجه مسلم.
هو العظيم الموصوف بصفات الكمال، الذي نزه نفسه عن كل صفة نقصٍ وعيب وعجز، وقدس نفسه عن المثيل والشبيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو العظيم في علوه، العظيم في عظمته، له العلو بأنواعه، وله العظمة بأنواعها، وله الكبرياء بأنواعه، وله الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
هو العظيم الذي نزه نفسه عن النقائص والعيوب، والمثيل والكفء، وعن كل شرٍ وسوء، لأنه العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولهذا قرن رسول الله ﷺ بين تسبيحه وتعظيمه فقال: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ».
متفقٌ عليه.
إن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هو أول العلوم، وأعظمها، وأنفعها، وأولها وأوجبها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فمن عرف العظيم عظّمه وعظّم أمره، والله ﷻ هو العظيم المحيط بكل عظيم، فالملك كله بين يدي العظيم أصغر من الخردلة، هو العظيم الذي يمسك الأجرام العظيمة فلا تقع ولا تميد ولا تزول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
وفي الحديث: «أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ،ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ».
متفق عليه.
فما أعظم السماوات والأرض وما فيهما، وإذا كان العظيم سبحانه يجعلها بين أصابعه فكم تكون عظمته وجلاله وكبرياؤه؟!:
قال الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فسبحان ربنا الملك العظيم الذي أحاط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، العظيم الذي خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يُعَظّم لسلطان، ومنهم من يُعظم لمال، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يُعظم لقوة، ومنهم من يُعظم لجاه، وكل واحدٍ من الخلق إنما يعظم لمعنىً دون معنى والعظمة المطلقة لله وحده لا شريك له:﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
والله العظيم يعظم بكل صفة كمال؛ لأن الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
هو سبحانه العظيم، وكتابه عظيم، وثوابه عظيم وعقابه عظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
هو سبحانه العظيم ذو الفضل العظيم، فلا يقدر أحدٌ من الخلق إحصاءه، ولا الإحاطة بمقداره: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
هو سبحانه العظيم الذي يملك كل عظيم، ذو الفضل العظيم الذي لا يعطي إلا كل عظيم، يعطي ﷻ بلا حد ولا عد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وجعل العظيم سبحانه جزاء الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، إلى أضعافٍ مضاعفة:﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وهو سبحانه العظيم بالعطاء كمية وكيفيةً: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
وأما في المكان فهو ما عظمه العظيم من البقاع، كالمساجد الثلاثة في مضاعفة الأجور، والبيت المعمور، والعرش والكرسي.
وأما في الزمان فهو ما عظمه العظيم من الساعات والأيام والليالي والشهور، كرمضان والأشهر الحُرم، وليلة القدر، وساعة الجمعة، وغير ذلك: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢].
والعظيم من صفات الله الذاتية والفعلية، فالذاتية، الله هو العظيم وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكه وسلطانه وأحكامه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وأما الفعلية، فالعظيم سبحانه يعظم الأجور والأرزاق والنعم والعطايا بإرادته ومشيئته التي هي من صفات أفعاله التي لها سببٌ معلوم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
فمتى حصلت من العبد التقوى وصلة الرحم، أو الجهاد، أو أنواع الطاعات، أو الصبر، وجد من ربه التعظيم الذي ليس له مثيل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥].
فمن عرف ربه العظيم وجب عليه أن يعظمه التعظيم كله، بقلبه ولسانه وجوارحه، وفي جميع أقواله وأعماله، وفي جميع الأحوال، وفي جميع الأماكن، وفي جميع الأوقات: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فتواضع لربك العظيم، ولأوليائه المؤمنين، وسبح باسم ربك العظيم، ومجّد ربك العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٧].
الله ﷿ هو الملك الحق الواحد الأحد، هو العظيم الذي هو أعظم من كل عظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ووجوده، فهو دائم الوجود وغيره ليس كذلك، وهو أعظم من كل عظيم في كبريائه وعلمه، وقدرته وقهره، وملكه وسلطانه، وغناه وكرمه، وسمعه وبصره: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو العظيم الذي لا أعظم منه، فالعقول لا تصل إلى كنه صمديته، والأبصار لا تحيط بعظمة ملكه وسلطانه، والبصائر تقف عن إدراك أنوار عزته، فإليه المنتهى، وكل مخلوقٍ بالنسبة لجلاله وجماله وكماله كالعدم المحض:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو سبحانه العظيم الذي كل ما في الكون من المخلوقات العظيمة تدل على عظمته، فالعرش والكرسي، واللوح والقلم، والأنوار والظُّلم، والسماوات والأرض، والشمس والقمر، والماء والهواء، والجبال والبحار، كل ما خلقه الله من هذه المخلوقات العظيمة، وما سيخلقه إلى قيام الساعة، وأضعاف أضعاف ذلك، كل ذلك بالنسبة لعظمة الله كالذرة بالنسبة إلى العرش العظيم، بل هذه النسبة باطلة؛ لأن المخلوقات كلها كبيرها وصغيرها متناهية، والرب العظيم لا بداية له ولا نهاية، ومقدوراته غير متناهية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
ولا نسبة للمخلوق المتناهي إلى الخالق غير المتناهي البتة، وكبرياء الله وعظمته لا نهاية لها، وقدرته لا نهاية لها، فلا فرق عند العظيم القادر على كل شيء بين خلق مليار عالم من العوالم، وبين خلق ذرةٍ أو بعوضة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو العظيم القادر، لا فرق عنده بين إزالة العرش والكرسي، والسماوات والأرض، وبين إزالة بيت عنكبوتٍ أو بعوضة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨].
الله ﷻ هو العظيم الذي لا أعظم منه، وكل ما سواه حقيرٌ بالنسبة إليه، صغيرٌ بالنسبة إليه، ضعيفٌ بالنسبة إليه، فقيرٌ بالنسبة إليه، بل كل عظمةٍ وقوةٍ في المخلوقات فمنه ﷻ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم؟:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
والإنسان يدرك ببصيرته أن كل شيءٍ اشترك في أمرٍ، من الأمور وفي صفةٍ من الصفات، وكان أحدهما كاملًا فيه، والآخر ناقصًا فيه، فإذا وصل الناقص إلى الكامل فني الناقص في الكامل بالكلية.
فالقطرة من الماء إذا وقعت في البحر فنيت فيه، والشعلة من النار إذا وُضعت في خندقٍ عظيم من النار فكأنها فنيت فيه، وصوت البعوضة إذا حصل مع صوت الصاعقة فني فيه، فكذلك من كان ناقصًا في الملك، فإذا وصل إلى من كان كاملًا في الملك فني وصار كالعدم: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤].
فسبحان الله العظيم، والحمد لله العلي العظيم حمدًا لا يُعد ولا يُحد ولا يُرد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما بينهما، على عظمته وعظمة ملكه وسلطانه، وجميل أسمائه وصفاته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فهو سبحانه العظيم الذي يحمد بكل لسان، الذي لا يزيده تعظيم الخلق عظمة، ولا يزيده تكبيرهم له كبرياء، هو الغني العظيم، الذي يحتاجه البشر، وليس بحاجةٍ إلى البشر إن شكر أو كفر.
هو العظيم الذي رفع السماء بلا عمد، وفجر الماء من الحجر، وقهر كل أحد، الواحد الأحد الغني عن كل أحد،الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
هو العظيم الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
هو العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله ما بين السموات والأرض وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
هو العظيم في ذاته، فلا أحد أعظم منه، العظيم في أسمائه، فله وحده الأسماء الحسنى، العظيم في صفاته، هو العظيم في ربوبيته، العظيم في إلوهيته، العظيم في كبريائه، العظيم في قدرته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
إن المؤمن حقًا هو من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨].
والله ﷿ هو العظيم الذي يحتاج إليه كل عظيم، وكل صغير وكل كبير، هو ﷻ العظيم العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الحفيظ لكل شيء، المحيط بكل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الله ﷿ هو الواحد الأحد الصمد، الذي لا يحتاج إلى أحد، والذي يحتاج إليه كل أحد، هو الغني عن الفروع والأصول،والشركاء والأنداد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو سبحانه العظيم الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، الذي تكاد السماوات والأرض يتفطرن من فوقهن إجلالاً لعظمته: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].
فما أخسر وما أشقى من كفر بربه العظيم، وما أشد عذابه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٧].
فسبحان الرب العظيم الذي أظهر عظمته في آياته ومخلوقاته، وفي ملكه وسلطانه، وفي كتبه وأحكامه، وفي تدبيره وتصريفه، فسبح باسم ربك العظيم.
وكل ما نراه من المخلوقات، وما لا نراه من المخلوقات كله دال على عظمة الله وسعة علمه، وعظمة قدرته: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩].
هو سبحانه العظيم القادر على كل شيء، الخالق لكل شيء، خلق الإنسان من ماء مهين، وخلق قوته من الزروع والثمار، وخلق الماء الذي يشربه وخلق النار التي ينتفع بها:﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٥٧ - ٧٤].
***
مختارات

