الخزانة الثانية..
• أصل الإيمان بالله معرفة الله:
الله ﷿ هو العظيم في ذاته، العظيم في علوه وقدره وشأنه، هو العظيم الذي أثنى على نفسهن وأثنى عليه خلقه، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وصفة العظمة لله ﷿ تبدو ظاهرةً جلية فيما خلقه من عظائم المخلوقات، كالعرش والكرسي، والسماوات والأرض وما عليهما وما بينهما من عالم الجماد وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الطير، وعالم الإنسان، وعالم الجن، وعالم الملائكة: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ [الشورى: ٤].
هو سبحانه العظيم الذي لا نهاية لعظمته وكبريائه وقدرته وعلمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك عرفتم العظيم، وكبرتم الكبير وعبدتموه، وذكرتموه وشكرتموه.
هو العظيم العزيز الجبار، القادر القاهر وحده لا شريك له، العظيم الذي لا يمتنع عليه شيء أبدًا، القادر الذي لا يعجزه شيء أبدًا، العظيم الذي لا يمكن أن يعصى كرهًا،أو يخالف أمره قهرًا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
فلا إله إلا الله، ما أعظم ملكه وسلطانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
هو العظيم الذي خلق الأجسام العظيمة، وأحاط بالأجرام العظيمة وخلق الأنوار العظيمة، وكلها تحت أمره وقهره:﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
هو العظيم الذي أظهر عظمته في أفعالٍ يحدثها فتهابه مخلوقاته، كتجليه للجبل فصار دكًا من جلاله، وكتقليب الليل والنهار، والحر والبرد: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
ومن المخلوقات التي خلقها العظيم، من يُعظم بنفاسة الذات، وشرف الصفات، كالعرش والكرسي، ومن الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن الناس الأنبياء والرسل والمؤمنون، وأعظم هؤلاء قدرًا وشأنًا، وإيمانًا وأخلاقًا سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ومن عرف الله العظيم تواضع لعظمته، وخضع لعزته، فلا كرب إلا بذنب، ولا مصيبة إلا بمعصية الله العظيم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
ومعصية العظيم ﷻ عظيمة مهما صغر الذنب، لأن المعصية للعظيم عظيمة، لما فيها من مقابلة العظيم، ورد أمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وجميع الكروب بسبب الذنوب في حق العظيم، ومعصية العظيم من الخلق يحذرها الخلق، فكيف بمعصية العظيم الخالق ﷻ، الذي لا أعظم منه؟!.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
فمن أصابه كرب فليسارع إلى توحيد العظيم الذي عصاه الإنسان بجهله فيقول: لا اله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا اله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فلا يزيل الكرب إلا هذا الدعاء بالاعتراف للعظيم بالتوحيد، والاعتذار للعظيم من ذلك الذنب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
والعظيم سبحانه أمرنا أن ندعوه وحده، ووعدنا على الدعاء بالإجابة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
لابد لقلب المؤمن أن يمتلئ يوميًا بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليقوى على عبادته، وامتثال أوامره،واجتناب نواهيه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
فالله ﷿ هو العظيم الكبير وحده لا شريك له، ولا حظ للعبد في هذين الاسمين، وهاتين الصفتين، لا حظ له في الكبرياء، ولا حظ له في العظمة، وفي الصلاة يعظم، العبد العظيم ويكبر الكبير، ويخضع بقلبه وبلسانه وجوارحه للعظيم الكبير ﷻ فأكبر في الصلاة وأقول "الله أكبر" وأركع للعظيم، وأسجد للعظيم وأقول في الركوع "سبحان ربي العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى" فالصلاة أقوالًا وأفعالًا تخلص الإنسان من شوائب العظمة والكبرياء وتدربه على الخضوع والطاعة للعظيم الكبير الأعلى ﷻ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقد وصف الله الأنبياء بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولهذا فرض الله على المؤمنين خمس صلوات في اليوم والليلة رحمة بهم، وأمرهم بالمحافظة عليها حضرًا وسفرًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وجميع تكاليف الدين شفاء ودواء، ولهذا أمرنا الله بتعظيم حرمات العظيم فعلًا أو تركًا، أمرًا أو نهيًا: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
وهذا التعظيم للشعائر والحرمات ناشئ عن تعظيم العظيم سبحانه، وذلك يكون بمعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله:﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
واسم الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سأل به أعطى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
واسم الله أضيفت إليه أسماء الله الحسنى كما قال سبحانه:﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فاسم الله متضمن لصفات الجلال والجمال والكمال لله ﷿، واسم الله أول اسم افتتح الله به كتابه كما قال سبحانه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١ - ٢].
ثم هو آخر اسم ذكر في القرآن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣].
وهو أكثر أسماء الله ورودًا في القرآن حيث ورد قريبًا من ألف مرة، فما أعظم الله، وما أعظم أسماءه وصفاته وأفعاله، وما أعظم ملكه وسلطانه، وما أعظم دينه وشرعه وما أعظم جلاله وجماله وكتابه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
إن أعظم علم أمر الله به هو العلم بـ "لا إله إلا الله": ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
واسم الله اسم انفرد الله به، فهو غير مشتق كأسماء الأعلام، وما سوى هذا الاسم من أسماء الله سبحانه فهو من باب الصفات المشتقة، ولهذا أضيفت إلى اسم الله الأسماء الحسنى، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وهذا هو الصواب، فليس في الوجود شيء يسمى الله إلا الله وحده: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
فابحث كيف شئت، في أي وقت شئت، في أي مكان شئت، فلن تجد أحدًا يسمى الله إلا الله، والأسماء الحسنى كلها صفات لذاته، فهي تدل على الذات، وكل اسم منها يدل على صفة، كالعلم والقدرة والعفو وغير ذلك، واسم الله علم على الذات، وقيل أن اسم الله مشتق إما من " أله" إذا فزع إلى غيره ليجيره من أمر نزل به.
أو مشتق من "وله" "يوله" إذا أحبه فالله مألوه يحبه العباد، لما له من الأسماء الحسنى، والأفعال الكبرى، والصفات العلى، والنعم العظمى.
أو من "وله" الخالق فإن الله بالناس رءوف رحيم يحب عباده ويحبونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
فالله ﷻ يحتجب عن خلقه بكمال قدرته، فهو الذي قهر العقول عن الوصول إلى كنه سرمديته، وقهر الأبصار عن الانتهاء إلى جلال عظمته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله هو الإله هو الموصوف بصفات استحق بها أن يعبد وحده، استحق بها أن يعبده جميع الخلق؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، فهو خالق الخلق ومالكهم، وللملك أن يأمر وينهى بما شاء، وأعظم أوامره، وأول أوامره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وأعظم أوامره ﷻ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
لهذا فطاعات العباد لا توجب على الله شيئًا؛ لأنهم ملكه وعبيده، هو الذي خلقهم ورزقهم، ولكنه جل جلال كريم يتبع العطاء بالعطاء؛ لأن العطاء أحب إليه من المنع، ونعم الله على الخلق لا تعد ولا تحصى، وجميع طاعات العباد لا يليق منها شيء بنعمه وأصناف كرمه ﷻ؛ لأن هذه الطاعات من العباد ممزوجة بالجهل والتقصير، والغفلة والرياء، وشهوات النفس، فلهذا صارت نهاية معارف العارفين، الاعتراف بالتقصير، وكثرة التوبة والاستغفار من الذنوب: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٠ - ١٤].
وقال آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فاللهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الله ﷻ هو الملك الحق، الذي له ملك الكون كله، فمن أراد معرفة الملك، فلينظر في عظمة ملكه وسلطانه:
فالله ﷿ له ملك العالم العلوي، والعالم السفلي، وله ملك عالم الغيب، وعالم الشهادة وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض،وله مقاليد السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وجميع المخلوقات والموجودات كالذرة الصغيرة في ملك الله العظيم، لأن الله ملك قادر على ما لا نهاية له من المقدورات وجميع الموجودات والمخلوقات في ملكه متناهية،والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وملك الله ﷿ في العالم العلوي والعالم السفلي لا يحيط به الخلق، وملكه وملكوته ومماليكه، لا يحيط بذلك أحد ولا يعلم ما في الملك والملكوت إلا مالكه وخالقه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ومعاقد ملك الله لا يمكن عدها، لكن هذه أصولها:
الأول: ملك الخلق والإيجاد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثاني: ملك التدبير والتصريف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثالث: ملك بقاء الملك ونزعه، سواء كان ملك الدين، أو ملك الدنيا، فملك الدين يهدي الله من يشاء، ويضل من يشاء: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
وأما ملك الدنيا فهو الذي جعل البعض خادمًا، والبعض مخدومًا، وجعل البعض ملكًا والبعض مملوكًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
فمن كان متمردًا عوقب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
ومن كان مطيعًا فثوابه: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
فبيد الله الملك كله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
الرابع: ملك الإعزاز والإذلال: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
الخامس: ملك تقليب الأزمان والأحوال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
السادس: ملك الإحياء والإماتة في جميع المخلوقات فالله هو الحي الذي يملك الإحياء والإماتة: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وبيده وحده الإحياء والإماتة في عالم النبات والحيوان والإنسان وكافة المخلوقات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
السابع: ملك الأرزاق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فهو الملك الذي يملك جميع الأرزاق، وجميع المرزوقين،ويملك إيصالها إلى كل مرزوق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
الثامن: ملك البقاء والفناء، فجميع المخلوقات باقية بأمره،ولو رفع عنها أمر البقاء لزالت وفنيت وانتهت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وإذا شاء الله أفناها بأمره: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولهذا استحق وحده أن يكون ربًا وإلهاً، واستحق أن يعبد ويطاع،ويشكر ويذكر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فمن هذا ملكه، وهذه عظمته، وهذه كبرياؤه وهذا خلقه،هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
***
مختارات

