الخزانة الرابعة..
• وجوب الدعوة إلى الإيمان بالله:
أعظم شيء في خزائن الله هو الهداية إلى الصراط المستقيم،الهداية إلى الكلمة الطيبة لا إله إلا الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فهذا القلب يتغذى بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله، ونتبع ذلك بالجهد الطيب بالدعوة إلى لا إله إلا الله، ودعوة الناس إلى الحق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الكلمة الطيبة هي بداية الطريق، لنعرف الخالق من المخلوق، ونعرف القادر من العاجز، ونعرف الملك من العبد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والدعوة إلى لا إله إلا الله، والعلم بلا إله إلا الله، هو أول دروس الإيمان، وعلم الإيمان زادٌ وغذاء لازمٌ لكل أحد، فهو حاجة كل مسلم ومسلمة، أما علم الأحكام فليس يحتاجه كل أحد، علم الإيمان يولد حب الله، ويثمر تعظيم الله، وتكبيره، وخوف الله، والتوكل عليه، والاستعانة به،وعبادة الله وطاعته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وحالنا اليوم يشبه حال أهل الأعراف، لا حال أهل الجنة،ولا حال أهل النار: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف: ٤٦ - ٤٧].
فنحن كأهل الأعراف نسمع عن وصف الجنة وحال أهلها فنقول: اللهم أجعلنا من أهلها، ونسمع عن وصف النار وحال أهلها ونقول: اللهم لا تجعلنا من أهلها، فنحن المؤمنين بين الخوف والرجاء، ونسأل الله أن يعطينا كما أعطاهم، وأن يجعل قلوبنا دائمًا بين الخوف والرجاء، وما تمكن هذا في قلب مؤمن إلا أمَّنه مما يخاف، وأعطاه ما يرجو، والكريم سبحانه إذا أطمعك أعطاك، وأطعمك الذي يُطعِم ولا يُطعَم، يطمعك حتى يعطيك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
ومن عرف الله خافه ورجاه، وفاز برضوانه وثوابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
فيجب على كل أُذنٍ في العالم أن تسمع لا إله إلا الله، من أهل لا إله إلا الله؛ لتؤمن بالله ﷿ ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، وتذوق طعم الإيمان وحلاوته.
كما قال النبي ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».
أخرجه مسلم.
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
تقول بلسانك لا إله إلا الله في الأذكار ألف مرة أو أكثر، هذا سنة، وتذكر بها الكافر والغافل هذا فرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فعلم الإيمان بالله وأسمائه وصفاته نحتاجه في كل ثانية تمر علينا؛ لأنه يثمر الإيمان الكامل، واليقين الصادق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
أما علم الأحكام والمعاملات فأنت تاجر تعلم أحكام التجارة لتكون تجارتك عبادة، رغبت في الطلاق أسأل العلماء ليكون الطلاق صحيحًا، أردت قسمة ميراث اسأل الفقهاء فلسنا كلنا بحاجة إلى هذا العلم.
أما علم العبادات فكلنا نحتاج إليه، فنتعلم كيف نتوضأ؟ كيف نصلي؟ كيف نصوم؟ كيف نحج؟ ونعتمر وهكذا:
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ويقول النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
أخرجه البخاري.
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس إيمانًا، وأقواهم توحيدًا، وأحسنهم أعمالًا وأخلاقًا، ودعوة وتعليماً: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الأنبياء والرسل هم قدوة الناس الذين أرسلهم الله ﷿للناس، والصحابة ﵃ تعلموا جهد الأنبياء في الدعوة من جهد نبينا محمد ﷺ، تعلموا:
كرم الداعية.
حكمة الداعية.
رحمة الداعية.
صبر الداعية.
حلم الداعية.
يقين الداعية.
صدق الداعية.
تضحية الداعية.
تعلموا هذا وغيره من سيرة النبي ﷺ العملية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والأمة إذا تركت الدعوة إلى لا إله إلا الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي، وإذا عظمت الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تسابت سقطت من عين الله، فأكل بعضها بعضاً: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
فإذا تركت الأمة الدعوة إلى التوحيد حرمت فهم القرآن،وأصبحت قراءة القرآن للتبرك والأجور لا للتصديق والتطبيق والعلم والعمل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فمن لم يقم على المقصد العظيم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إليه سقط من عين الله، وكل من لم يقم على مقصد الدعوة إلى الله من العباد يذم من يقرأ آيات العبادات ولا يطبقها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فالعابد فقط يذم من يخالفه في العبادات، وينكر عليه، ليصحح عمله، وهذا حسن.
أما من يقرأ آيات الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فيعجب بقراءته ويقال له قارئ متقن، ولا نذم وننصح من يقرأ آيات الدعوة ولا يطبقها مع إن الدعوة إلى الله أم الفرائض كلها، وأول الواجبات بعد الايمان.
وقد لعن الله من تركها من الأمم السابقة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
صلاة الأنبياء، وضوء الأنبياء، صوم الأنبياء، حج الأنبياء، كل ذلك منسوخ بشريعة النبي ﷺ، فلا نفعل ذلك كله إلا على شريعة نبينا محمد ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أما الدعوة إلى الله، فندعو إلى الله على طريقة نبينا محمد ﷺ، وعلى طريقة مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
فنتبع الأنبياء بالدعوة إلى الله، بالدعوة إلى لا إله إلا الله، بالدعوة إلى التوحيد والإيمان.
فحياة الأنبياء تذكرك بجهد الأنبياء، وحياة الحكام والرؤساء تجعلك تتعلق بالمناصب، وحياة الأغنياء تجعلك تتعلق بالشهوات، لهذا الله ﷿ أمرنا بذكر جهد الأنبياء، ومعرفة جهد الأنبياء، لنقتدي بهم في التوحيد والإيمان وحسن الأخلاق والدعوة إلى الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦].
وممنوع أن نهتدي بهديهم بالتيمم والوضوء والصلاة والصوم وغيرها من العبادات؛ لأن شرائعهم منسوخة بالإسلام، فلنهتدي بهديهم في التوحيد والإيمان، والأخلاق، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق، والدعوة إلى مكارم الأخلاق: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
• أين يزيد الإيمان:
البيئات النافعة ثلاث:
بيئة مكان.
وبيئة أعمال.
وبيئة اجتماع.
وقد أرشدنا الله سبحانه إلى ثلاث بيئات تنور القلب وتملؤه بالتوحيد والإيمان، وتزين الجوارح بالتقوى والأعمال الصالحة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
فهذه البيئات الثلاث تزيد الإيمان.
بيئة مكان.
وبيئة أعمال.
وبيئة اجتماع.
فبيئة المكان: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
في بيوت ليس في شوارع، ليس في ملاعب، ليس في مقاهي، بل في بيوت المسلمين ومساجدهم؛ لأن هذه البيئات يذكر فيها الله والدار الآخرة فلها وقار، فمكانها هذه البيوت، بيوت المسلمين، ومساجد المسلمين.
وكان آخر دعاءٍ لنوح ﷺ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨].
فأول مراكز الدعوة إلى لا إله إلا الله هي بيوت المسلمين،ولهذا قال أهل الجنة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦].
فالصحابة ﵃ كونوا بيئة الإيمان في بيوتهم، فالصحابي يذكر أهله بما علمه من رسول الله ﷺ في المسجد، وأهله يذكرونه، فامتلأت بيوتهم بالإيمان والأعمال الصالحة، وخلت من كثرة الأموال والأشياء الملهية.
ونحن حُرم أكثرنا بيئة الإيمان في بيته، فهو غالبًا مع أهله ضاحكُ أو مازحٌ أو غافل، فامتلأت بيوتنا نتيجة لذلك بالأموال والأشياء، والقيل والقال، وخلت غالبًا من زيادة الإيمان والأعمال إلا ما رحم ربك.
وفي بيئة الإيمان الله يكرمنا بخمس كرامات:
نتعلم الدين.
ونعمل بالدين.
ونثبت على الدين.
ونترقى في الدين.
وننشر الدين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
والمؤسف حقًا أننا لو وضعنا جهازًا مسجلًا في بيوت الأنبياء والصحابة لوجدنا أن كل ما يقال فيها، وكل ما يعمل فيها، يصلح للنشر، ولو وضعنا في بيوتنا هذا المسجل لوجدنا أن أكثر ما نقول ونفعل لا يصلح للنشر: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وحياة المسلم كلها لربه، فلا يعبث بها بهواه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فمساجد المسلمين وبيوتهم أحسن البيئات للذكر، والدعاء،وتلاوة القرآن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب: ٣٤].
فكان في القرن الأول مائة وأربعة وعشرون الف مسلم، بيوتهم كلها مدارس مع المسجد، أعمال البيت، وأعمال المسجد متطابقة، يذكر فيها الله والدار الآخرة، وقصص الأنبياء، وتملأ بالأعمال الصالحة، والعلم، والذكر، والدعاء:﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والثانية: بيئة الأعمال، فأصحاب النبي ﷺ مشغولون بالأعمال من عبادة لله، ودعوة إلى الله، وتعليمٍ لشرع الله، وذكرٍ لله، وزياراتٍ تتكون وتخرج من بيوت المسلمين ومساجدهم للدعوة إلى الله، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ، أَنْ: طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.
وقال النبي ﷺ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَارْتَعُوا، قَالُوا:وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ».
أخرجه أحمد والترمذي.
وقال النبي ﷺ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَه».
أخرجه مسلم.
فهذه البيئات الإيمانية تقام في المساجد، وفي بيوت المسلمين، فتزيد الإيمان، وتحسن الأعمال.
ويقول الله ﷿ في الحديث القدسي: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ، فِيَّ وَالْمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ».
أخرجه أحمد.
والثالثة: بيئة الاجتماع، بيئة الأشخاص: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
رجال أتقياء في المسجد أو البيت، فبيئة المسجد كمستشفى عام، يعالج فيها الناس، وبيئة البيت كمستشفى خاص، ولابد للمسلم من بيئتين يحفظ بهما إيمانه وأعماله الصالحة، ويحفظ من الشر، فلا يدخل الشر بيتك، ولا يدخل مسجدك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فمن حافظ على هاتين البيئتين حفظه الله من الشر، وإذا ذهب إلى الناس يؤثر ولا يتأثر بدنياهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
• حاجة كل إنسان إلى الإيمان بالله:
أركان الإيمان ستة وهي:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
والإيمان بالله أعظم أركان الإيمان، والإيمان من أعظم نعم الله على عباده، والله غنيٌ عن العباد وإيمانهم وأعمالهم،وهو المؤمن قبل أن يخلق أحدًا كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا».
أخرجه مسلم (١).
فالله هو الغني، وكل ما سواه محتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فالإيمان بالله ﷿ كله من أجل مصلحة العبد:
فأولًا: الإيمان من أجل مصلحة العبد وسعادته في الدنيا والآخرة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وثانيًا: أن من لم يؤمن فقد خسر كل شيء؛ لأنه لم يعرف أنه مخلوقٌ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفةً في الدنيا في الأرض، ويوم القيامة جليسه إن آمن بالله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢].
والله ﷿ جعل هذا الإنسان المخلوق المكرم، المخلوق المكلف، المخلوق الوحيد الذي خلقه الله لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، فمن لم يؤمن فقد خسر نفسه، وحقر نفسه، وأعرض عمن أكرمه الله، وأعرض عن الرب الذي أكرمه؛ لأنه غاب عنه أنه المخلوق الأول، وغاب عنه أن الكون كله مسخرٌ له: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وغاب عنه أن الله خلقه لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، ومن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه أحبه وكبره، وحمده وشكره، وأطاعه وعبده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فما أشد خسران من كفر بالله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ الكهف: [١٠٣ - ١٠٦].
وثالثًا: أن كل إنسان في هذه الحياة عنده خيار، إما أن يؤمن، وإما أن يكفر: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
إما أن يؤمن وينبني على إيمانه أعمالٌ تسعده في الدنيا والآخرة، وإما أن يؤمن عند الموت حين لا ينفع الإيمان كما آمن فرعون حين أدركه الغرق: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
وكل إنسان عند الموت تنكشف له الحقيقة التي جاء بها الأنبياء، ولكن لا ينفع الإيمان عند الموت، حين معاينة الموت لا ينفع الإيمان: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
***
مختارات

