الخزانة الأولى..
• الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، وتعمل بمقتضى ذلك:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل القلب واللسان.
وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ويكمل إيمان العبد بمعرفة أركان الإيمان الستة، وفي النظر في الآيات الكونية و التدبر للآيات القرآنية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وكلما ازدادت تلك المعارف قوي الإيمان بالله، وزاد تعظيم العبد لربه، وزاد حبه له، وخفت عليه الطاعات، وثقلت عليه المعاصي، والمحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته ومحبتها والعمل بها وحبها ونشرها وهي الدين الحق.
فإذا كان حب المسلم لله، وبغضه لله، وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله، ومنعه لله، وهما عمل بدنه، دل ذلك على كمال الإيمان وكمال المحبة لله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• والإيمان له ثلاث درجات:
له طعم.
وله حلاوة.
وله حقيقة.
أما طعم الإيمان فقد بينه النَبِيُ ﷺ بقوله: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».
أخرجه مسلم.
وأما حلاوة الإيمان فبينها النَبِيُ ﷺ بقوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
متفق عليه.
وأما حقيقة الإيمان فتحصل لمن كان عنده كمال اليقين، وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين عبادة ودعوة، هجرة ونصرة، جهادًا وإنفاقًا، وصدقًا وصبرًا، وبذلًا وتركًا.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالإيمان هو تكذيب المشاهدات وتصديق الغيبيات؛ لأن الإيمان عملٌ قلبي: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
فهذه درجات الإيمان، له طعم، وله حلاوة، وله حقيقة، وأعلى درجات الإيمان هو اليقين؛ لأنه إيمان لاشك معه ولا تردد، بأن تتيقن ما غاب عنك كما تشاهد ما حضر بين يديك على حد سواء، فتعبد الله كأنك تراه وهذا هو مقام الإحسان، فإذا صار ما أخبر الله به من الغيب فيما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و القدر بمنزلة المشاهد فهذا هو كمال اليقين، وحق اليقين، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
والإيمان له شعب، وشعب الإيمان كثيرة، تشمل الأقوال الحسنة، وأعمال الجوارح، وأعمال القلوب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» متفق عليه.
والله ﷿ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، والإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله بالنسبة لأركان الإيمان بمنزلة القلب من البدن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
• فالإيمان بالله ﷿ يقوم على ثلاثة أصول هي:
الأول: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خلقه الذين هم أثر من أثار قدرته وإرادته، وهذا الأصل هو أساس التوحيد، وهو الحجر الأساس لمعرفة الله على الوجه الصحيح.
الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ إيمانًا مبنيًا على أساس ذلك التنزيه.
الثالث: أن نعلم أن العقول مخلوقة واقفة عند حدها لا يمكن أن تحيط علما بخالقها، ولا كيفية ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهي عاجزة عن إدراك كيفية ذات الله وكيفية أسمائه، وكيفية صفاته وكيفية أفعاله، فنقطع الطمع تمامًا عن إدراك كيفية ذلك، فالله لا يشبهه شيء من خلقه في صفاتهم أو ذواتهم أو أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وأسماء الله وصفاته وأفعاله كلها حق، وصفات المخلوق كلها حق، فنثبت لله السمع والبصر على ما يليق بجلاله و كماله، ونثبت للمخلوق السمع والبصر على ما يليق بعجزه ونقصه وفنائه، وبين سمع الخالق وبصره وسمع المخلوق وبصره من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق،على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فهو السميع الذي ليس كمثله أحد في السمع، القوي الذي ليس كمثله أحد في القوة وهكذا، فنقطع الطمع تمامًا عن إدراك كيفية أسماء الله وصفاته وأفعاله، فكما لا نعلم كيفية ذاته لا نعلم كيفية صفاته، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
فالله محيط بكل محيط ولا يحيط به محيط، والله عظيم لا يمدح نفسه إلا باسم كريم، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، ولا يصف نفسه إلا بوصف كريم في غاية الجلال والجمال والكمال وصفا لائقًا بجلال الله وعظمته؛ فهو الموصوف بالكرم والرحمة والعفو والقوة والقدرة.
قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]
وباب الإيمان، وباب التوبة، كلاهما مفتوح في الدنيا إلى يوم القيامة، فإذا عاين الإنسان الموت أو مات كافرًا أو ظهرت علامات الساعة الكبرى، هنالك لا ينفع نفس إيمانها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
وقال ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
فإذا جاءت الملائكة لقبض الروح، أو جاء الله لفصل القضاء، أو ظهرت بعض الآيات التي منها طلوع الشمس من مغربها لا ينفع إيمان ولا عمل، فلا يقبل من كافر إيمان، ولا يقبل من عاص توبة، بل يغلق باب التوبة بمصراعيه كأنه لم يكن بينهما فتحٌ قط، وتختم الأعمال على ما كان، وتضع الحفظة أقلامها ولا تكتب شيئًا.
اللهم ثبتنا على الإيمان والقول الثابت حتى نلقاك مؤمنين موحدين.
الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فالإيمان هو التصديق المستلزم لقبول الأخبار، و الانقياد للأحكام، بتصديق جميع ما جاء في الكتاب والسنة تصديقاً يستلزم القول والعمل، والإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعمل بالجوارح، والدليل على قول اللسان: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦].
والدليل على اعتقاد القلب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والدليل على أن الإيمان قول وعمل، قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
الإيمان هو التصديق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]
والمعنى وما أنت بمصدق لنا.
• أما الإيمان في الشرع فهو التصديق من جهاته الثلاث:
الأولى: تصديق القلب بالرب والإله.
الثانية: تصديق اللسان بالإقرار والشهادة بذلك.
الثالثة: تصديق الجوارح بالعمل.
فالإيمان قول وعمل واعتقاد، أن تصدق بالله بقلبك، وتشهد بذلك بلسانك، وتعمل بذلك بجوارحك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• والإيمان له شعب كثيرة:
فقد أخبر النبي ﷺ أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ويبطل بارتكاب ناقض من نواقضه.
فمن أسباب زيادة الإيمان:
تلاوة القرآن، وسماعه، والتفكر في آيات الله الكونية، وتدبر آياته الشرعية، وزيادة العلم، وكثرة الذكر، وكثرة العمل، والدعوة إلى الله، وتعليم الخلق شرع الله، ورؤية النعم، صحبة الأخيار، والجلوس في مجالس الذكر ونحو ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن أسباب نقص الإيمان:
الإعراض عن التعلم والذكر وتلاوة القرآن، والجرأة على المعاصي، وارتكاب الكبائر، والتسويف في التوبة، وترك الواجبات، وإتباع الشهوات، وعدم توقي الشبهات، ومخالطة الفساق، وهجران مجالس الذكر ونحو ذلك: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
ومن نواقض الإيمان:
دعاء غير الله، والاستهزاء بالله ورسوله ﷺ وآياته، والحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شرع الله، وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الزنا والربا ونحو ذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وليس من نواقض الإيمان: الاستفادة من صناعات الكفار وخبراتهم، لأن الإسلام دينٌ كامل فيه مصالح الدنيا والآخرة، فلا مانع في الإسلام من أخذ الحاجات الدنيوية المحضة من كل بر وفاجر حتى لو كان من الكفار، ومما يدل على ذلك:
أولاً: استعانته ﷺ في وقت الهجرة بخبرة خبير كافر؛ يدله على الطريق الآمن حتى يصل إلى المدينة بسلام، ولم يمنعه ذلك كونه كافرا، وهو عبد الله بن أريقط الديلي.
ثانيًا: لما حاصرت الأحزاب المدينة استشار النبي ﷺالصحابة، فأشار سلمان ﵁ بخطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهي حفر الخندق فأخذ بها، فهي خطة عسكرية فارسية أصلها من الكفار، وانتفع بها النبي ﷺوهو مرض ربه.
ثالثًا: كذلك وطء المرأة المرضع، كان العرب يعتقدون أنه يضعف عظم الولد، فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر به فأخذ به.
فنراه ﷺ أخذ بخبرة خبير كافر واستعمله، وأخذ بخطة عسكرية فارسية، وأخذ بخطة طبية فارسية ولم يمنعه أنها من كفار: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
• الإيمان أعظم نعمةٍ أنعم الله بها على عباده
والإيمان قوة في القلب واللسان والجوارح، وصاحب اللسان القوي مؤثر في الناس بلا ريب، يجتمع الناس حوله، وينبسطون لحديثه، إن خطب وتحدث أو دعا إلى الله رأيت الإيمان يبرق من عينيه، والإخلاص يشرق من وجهه والصدق يتدفق من خلال صوته، وصدق لهجته، ودمع عينه، وإشارة يده، واضطراب بدنه، كلامه يسري في القلوب سريان الماء العذب في النفوس العطشى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
أولئك الذين هداهم الله، بدعوتهم يهتدي الخلق، وبموعظتهم تخفق القلوب، وتذرف العيون، وبتذكيرهم يتوب العاصي، ويتعلم الجاهل، ويهتدي الضال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
ومن لم يحصن نفسه بالخشوع، ويسقي أشجار محبة الله بالدموع، فليس أمامه إلا النكوس والركوع أمام أصنام اللذات، وأوثان الحياة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].
***
مختارات

