فقه خلق الأسباب (٣)
وفعل الأسباب له شرطان:
الأول: أن نفعل الأسباب ولا نعتمد عليها، بل نعتمد على الله وحده، وإلا أصابنا ما أصاب المسلمين في غزوة حنين حين أعجبتهم كثرتهم، وقال بعضهم لن نغلب اليوم من قلة، فرفع الله عنهم النصر ثم ولوا مدبرين فلما أنابوا إلى الله ثبتهم الله ونصرهم بجنود من عنده كما قال سبحانه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)} [التوبة: ٢٥، ٢٦].
الثاني: أن نفعل الأسباب المادية الممكنة، ولا نخالف أمر الله ورسوله، وإلا أصابنا ما أصاب المسلمين في أحد، حيث خالف الرماة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزلوا من الجبل يجمعون الغنائم لما رأوا النصر للمسلمين، فكانت الفرقة والفشل والتنازع ثم رفع الله النصر، وكثر في المسلمين القتل كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)} [آل عمران: ١٥٢].
وفي غزوة بدر كانت الأسباب المادية في العدد والعدة قليلة، لكن الأسباب الروحية الإيمانية من صدق الاعتماد على الله، وطاعة الله ورسوله، كانت قوية فكان النصر للمسلمين.
وفي صفوف الأعداء كانت الأسباب المادية قوية وكثيرة، فالعدد كثير، والعدة كثيرة.
لكن كان اعتماد الكفار على المخلوق.
واعتماد المؤمنين على الخالق.
فغلب جند الخالق جند المخلوق كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)} [آل عمران: ١٢٣].
وفي بدر أظهر الله قدرته.
وفي أحد أظهر الله سنته.
وفي حنين أظهر الله قدرته وسنته.
وفي بدر ظهرت قوة لا إله إلا الله.
وفي أحد ظهرت قوة محمد رسول الله، فلا بد في كل عمل من (لا إله إلا الله) أخلاصاً وتوكلاً ومن (محمد رسول الله) طاعةً واتباعاً.
وإنما حصل النصر الكامل للمسلمين في بدر، لما في قلوبهم من صفات الإيمان والتقوى، والصبر والاستعانة بالله، ودعائه والاعتماد عليه كما قال سبحانه: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)} [آل عمران: ١٢٥].
وقال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)} [الأنفال: ٩].
إن الله جل جلاله خلق هذا الكون العظيم، سمواته وأرضه، علويه وسفليه، وله الملك وحده لا شريك له.
وجميع المخلوقات مخلوقات مربوبة مدبرة، ليس بيدها شيء، ولا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
والأسباب من أموال وتراب، ونبات وحيوان وغيرها، ليس بيدها شيء، وإنما الأمر كله لله، وهي أمام رب الأسباب كالخدم ينفقون من خزائن الملك بأمره.
فلو أن ملكاً من الملوك جعل لقصره مائة باب، وجعل على كل باب خادماً، وقال لكل خادم من جاء من الناس يسأل فأعطه فلساً فقط، فإن اعترض معترض، فقل هذه أوامر الملك، وأنا ليس بيدي شيء.
فجاء جليس الملك وقال: أنا أحتاج مائة ألف فأعطني؟.
فقال الخادم: أنا لا أملك أن أعطيك إلا فلساً واحداً فقط، لكن إن كنت من خواصه فادخل عليه من الباب الآخر، وهو يعطيك إذا شاء ما يريد.
ولله المثل الأعلى، جميع الأسباب جعلها الله باباً صغيراً ينتفع منه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم، والله يرزقهم بواسطتها، فهذا باب الأسباب.
أما العطاء الجزيل، العطاء الكبير، فالله يعطيه بنفسه، فيطلب من الملك مباشرة بالإيمان والأعمال الصالحة كما قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
وقال الله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٢، ٣].
وإذا عاش الإنسان مع الأسباب بدون الإيمان نزلت به خمس عقوبات، كل واحدة أشد مما قبلها:
الأولى: الإسراف: فإن من لم يتقيد بأوامر الله وحدوده، أصيب بآفة الإسراف، وبغض الله له، فهو مسرف على نفسه، ومحروم من محبة الله، فإن الله لا يحب المسرفين.
الثانية: التبذير: فبعد الإسراف يأتي التبذير، لعدم الإيمان بالله، فهو يسرف ثم يبذر، والتبذير من صفات الشياطين، فيكون أخاً لهم، لأنه اتصف بصفاتهم: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)} [الإسراء: ٢٧].
الثالثة: الترف: وهو فوق التبذير، وإذا حصل الترف جاء الفسق كما قال سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)} [الإسراء: ١٦].
الرابعة: الإجرام: فتأتي الجرائم بعد الترف، فحيثما كان الترف كانت الجرائم كما قال سبحانه: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)} [هود: ١١٦].
الخامسة: العقوبة والتدمير:
فرداً كان المسرف المبذر كقارون كما قال سبحانه: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)} [القصص: ٨١].
أو تكون العقوبة جماعية، إذا كانت المعصية اجتماعية، كما أغرق الله الطاغية المستكبر فرعون وجنوده في اليم، حينما قال أنا ربكم الأعلى فأطاعوه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)} [القصص: ٤٠].
مختارات

