قصة أصحاب الكهف..
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ٩ - ١٢].
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي، أي: لا تظنَّ أنَّ قصَّة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبةٌ على آيات الله، وبديعةٌ في حكمته، وأنَّه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثيرٌ، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يَزَل الله يُرِي عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبيَّن به الحقُّ من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصَّة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنَّما المراد أن جنسها كثيرٌ جدًّا؛ فالوقوف معها وحدها في مقام العجب والاستغراب نقصٌ في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العبادَ إلى التفكر فيها؛ فإنَّها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان، وأضافهم إلى الكهف الذي هو الغار في الجبل، ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، أي: الكتاب الذي قد رُقِمَتْ فيه أسماؤهم وقصَّتُهم؛ لملازمتهم له دهرًا طويلًا.
ثم ذكر قصّتهم مجملةً، وفصّلها بعد ذلك، فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾، أي: الشباب، ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ يريدون بذلك التحصُّن والتحرُّز من فتنة قومهم لهم، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: تُثبّتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: يسّر لنا كلَّ سببٍ موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محلّ يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرُّعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيّض لهم ما لم يكن في حسابهم؛ قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾، أي: أنمنَاهم ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾، وهي ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظٌ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظٌ لهم من قومهم، وليكون آية بينة.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من نومهم، ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، أي: لنعلم أيُّهم أحصى لمقدار مدّتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، وفي العلم بمقدار لُبْثهم ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته؛ فلو استمرّوا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣ - ١٤].
هذا شروعٌ في تفصيل قصّتهم، وأنَّ الله يقصُّها على نبيِّه بالحقِّ والصدق، الذي ما فيه شكٌّ ولا شبهةٌ بوجه من الوجوه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، وهذا من جموع القلّة، يدلُّ ذلك على أنهم دون العشرة، ﴿آمَنُوا﴾ بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان زادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: صبّرناهم وثبّتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنّة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبِرِّه أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي خلقنا ورزقنا، ودبّرنا وربَّنا هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾، أي: من سائر المخلوقات، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾،أي: إنَّ دعاءنا معه آلهةً بعدما علمنا أنَّه الربُّ الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له ﴿شَطَطًا﴾، أي: ميلًا عظيمًا عن الحقِّ، وطريقًا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنَّه الحقُّ، وما سواه باطلٌ، وهذا دليلٌ على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم.
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، لما ذكروا ما مَنَّ الله به عليهم من الإيمان والهدى التفتوا إلى ما كان عليه قومهم؛ من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، وبيّنوا أنهم ليسوا على يقين من أمرهم، بل في غاية الجهل والضلال، فقالوا: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي:بحجة وبرهان على ما هم عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلًا إلى ذلك، وإنما ذلك افتراءٌ منهم على الله وكذبٌ عليه، وهذا أعظم الظلم، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾، أي: قال بعضهم لبعض: إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم فلم يَبْقَ إلا النجاة من شرِّهم، والتسبب بالأسباب المُفْضية لذلك؛ لأنه لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم وهم على غير دينهم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، أي: انضموا إليه واختفوا فيه،﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾ وفيما تقدَّم أخبر أنهم دَعَوْه بقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، فجمعوا بين التبري من حَوْلهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أنَّ الله نشر لهم من رحمته، وهيَّأ لهم من أمرهم مِرْفَقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خَلْقه، ونشر لهم من الثناء الحسن ما هو من رحمته بهم، ويسَّر لهم كلَّ سبب، حتى المحلَّ الذي ناموا فيه كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: حفظهم الله من الشمس، فيسَّر لهم غارًا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينًا، وعند غروبها تميل عنه شمالًا، فلا ينالهم حرُّها فتفسد أبدانهم بها، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: من الكهف، أي:مكان متَّسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوَخَم والتأذي بالمكان الضيِّق، خصوصًا مع طول المُكث، و ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على قدرته ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور،ولهذا قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، أي: لا سبيل إلى نَيْل الهداية إلا من الله؛ فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: لا تجد مَنْ يتولاه ويدبّره على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح؛ لأنَّ الله قد حكم عليه بالضَّلال، ولا رادَّ لحكمه.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنَّهم أيقاظ، والحالُ أنَّهم نيامٌ، قال المفسرون: وذلك لأنَّ أعينهم منفتحة لئلَّا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظًا وهم رقود، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وهذا أيضًا من حفظه لأبدانهم؛ لأنَّ الأرض من طبيعتها أكْلُ الأجسام المتصلة بها، فكان من قَدَر الله، أنْ قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالًا بقدر ما لا تُفسد الأرض أجسامهم، والله تعالى قادرٌ على حفظهم من الأرض من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيمٌ، أراد أن تجري سنَّته في الكون، ويربط الأسباب بمسبّباتها، ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾،أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطًا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض، وأما حفظهم من الآدميين فأخبر أنَّه حماهم بالرُّعب الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحدٌ لامتلأ قلبه رعبًا، ووَلَّى منهم فرارًا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدَّة الطويلة وهم لم يَعْثُر عليهم أحدٌ، مع قُربهم من المدينة جدًّا، والدليل على قربهم أنَّهم لما استيقظوا أرسلوا أحدهم يشتري لهم طعامًا من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدلَّ ذلك على شدَّة قربهم منها.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠].
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من نومهم الطويل، ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾، أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدّة لُبْثهم، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وهذا مبنيّ على ظنِّ القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه في طول مدّتهم؛ فلهذا ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، فردُّوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء جملةً وتفصيلًا، ولعلَّ الله تعالى بعد ذلك أطلعهم على مدّة لُبثهم؛ لأنَّه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنَّهم تساءلوا، وتكلَّموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم الاشتباه، فلا بدَّ أن يكون قد أخبرهم يقينًا؛ عَلِمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثًا، ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب عِلْمُها، وسعى لذلك ما أمكنه؛ فإنَّ الله يوضِّح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، فلولا أنَّه حصل العلم بحالهم لم يكونوا دليلًا على ما ذكر، ثم إنَّهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به؛ أرسلوا أحدهم بورِقِهم، أي: بالدراهم التي كانت معهم؛ ليشتري لهم طعامًا يأكلونه من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخيَّر من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذَّه، وأن يتلطَّف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويُخفي حال إخوانه، ولا يُشعرنَّ بهم أحدًا.
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾، وذكروا المحذور من اطّلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم؛ أنَّهم بين أمرين: إما الرَّجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة؛ لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردُّوهم في مِلَّتهم، وفي هذه الحال لا يُفلحون أبدًا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم.
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾.
يخبر الله تعالى أنَّه أطْلَعَ الناس على حال أهل الكهف، وذلك - والله أعلم - بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرًا فيه صلاح للناس، وزيادةُ أجرٍ لهم، وهو أنَّ الناس رأوا منهم آيةً من آيات الله المشاهدة بالعيان على أنَّ وعد الله حقٌّ لا شكَّ فيه ولا مرية ولا بُعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مُثبتٍ للوعد والجزاء، ومن نافٍ لذلك، فجعل قصَّتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجَّةً على الجاحدين، وصار لهم أجرُ هذه القضية، وشَهَّر الله أَمْرَهم، ورفع قَدْرَهم حتى عظَّمهم الذين اطَّلعوا عليهم، قالوا:﴿ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾ الله أعلم بحالهم ومآلهم! وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾، أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكَّر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورةٌ، نهى عنها النبيُّ ﷺ، وذمَّ فاعليها، ولا يدلُّ ذكرها هنا على عدم ذمِّها؛ فإنَّ السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأنَّ هؤلاء وصلت بهم الحالُ إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدًا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحَذَرِهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدَّة أصحاب الكهف اختلافًا صادرًا عن رَجْمهم بالغيب، وتقوُّلهم بما لا يعلمون، وأنَّهم فيهم على ثلاثة أقوال:
منهم من يقولُ: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ومنهم من يقول:﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهذان القولان ذكر الله بعدهما أنَّ هذا رجمٌ منهم بالغيب، فدلَّ على بطلانهما، ومنهم من يقول: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهذا - والله أعلم - الصوابُ؛ لأنَّ الله أبطل الأوَّلَيْن ولم يبطله، فدلَّ على صحَّته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحةٌ للناس دينيَّة ولا دنيويَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم، ﴿فَلَا تُمَارِ﴾، أي:تجادل وتُحاج ﴿فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي: مبنيًّا على العلم واليقين، ويكون أيضًا فيه فائدة، وأما المماراة المبنيَّة على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، إما أن يكون الخصم معاندًا، أو تكون المسألة لا أهميَّة فيها، ولا تحصل فائدة دينيَّةٌ بمعرفتها؛ كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك؛ فإنَّ في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة تضييعًا للزَّمان، وتأثيرًا في مودَّة القلوب بغير فائدة، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في شأن أهل الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من أهل الكتاب، ﴿أَحَدًا﴾، وذلك لأنَّ مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظنِّ الذي لا يُغني من الحقِّ شيئًا؛ ففيها دليلٌ على المنع من استفتاء من لا يصلُحُ للفتوى؛ إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلَّم به، وليس عنده ورعٌ يحجزه، وإذا نُهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيُه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى.
وفي الآية أيضًا دليلٌ على أن الشخص قد يكون منهيّا عن استفتائه في شيء دون آخر، فيُستفتى فيما هو أهلٌ له بخلاف غيره؛ لأنَّ الله لم ينه عن استفتائهم مطلقًا، إنَّما نهى عن استفتائهم في قصَّة أصحاب الكهف، وما أشبهها.
***
مختارات

