فوائد من هذه القصة (أصحاب الكهف)
ففي هذه القصة: دليلٌ على أنَّ مَنْ فرَّ بدينه من الفتن سلَّمه الله منها، وأنَّ من حرص على العافية عافاه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، وجعله هدايةً لغيره، ومن تحمَّل الذُّلَّ في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
ومنها: أن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة فليست من أعجب آيات الله، فإن لله آيات عجيبة، وقصصًا فيها عبرة للمعتبرين.
ومنها: أن مَنْ أوى إلى الله آواه الله، ولطف به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن الله لطف بهم في هذه القومة الطويلة؛ إبقاءً على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه النَّوْمة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق.
ومنها: الحثُّ على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وَعْدَ الله حقّ، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها.
ومنها: الأدبُ فيمن اشتبه عليه العلم أن يَرُدَّه إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك؛ لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ومنها: جواز أكل الطيبات، والتخيّر من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حدّ الإسراف المنهي عنه؛لقوله: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ومنها: الحثُّ والتحرُّز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر، وعلى إخوانه في الدين.
ومنها: بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتَرْكِهم لأوطانهم وعوائدهم في الله.
ومنها: ذِكْر ما اشتمل عليه الشر من المضارّ والمفاسد الداعية لبُغْضه وتَرْكه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
ومنها: أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فيه دليلٌ على أن هؤلاء القوم الذين بُعِثُوا في زمانهم أناس أهل تديّن؛ لأنهم عظّموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم، وهذا إن كان ممنوعًا - وخصوصًا في شريعتنا - فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنًا وتعظيمًا من الخلق، وهذه عوائد الله فيمن تحمّل المشاقّ من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة.
ومنها: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهميّة لها لا ينبغي الانهماك به؛ لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢].
ومنها: أن سؤال من لا علم له في القضية المسؤول فيها، أو لا يوثق به منهي عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
***
مختارات

