فوائد من هذه القصة..
وفي هذه القصة من الآيات والعِبَر ما يتذكَّر به أولو الألباب:
منها: فضيلة الجهاد في سبيله، وفوائده وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان، وحِفْظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شَقَّت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلًا فإنهم سيتعبون طويلًا.
ومنها: الانتداب لرياسة مَنْ فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره.
ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء؛ أنه ينبغي لأمير الجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع مَنْ لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب؛ لضعفه، أو ضعف صبره، أو لتخذيله، أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس.
ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم، وحثُّهم على القوة الإيمانية، والاتكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء.
ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحلُّ عزيمته، ولهذا من دعاء النبي ﷺ: «أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد»، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتَوْا بكلام يدل على العزم المصمّم لما جاء الوقت نكص أكثرهم،ويشبه هذا قوله ﷺ: «وأسألك الرضا بعد القضاء» لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.
ومنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به؛ أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم، ويَلُمُّ متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم.
ومنها: أن الحق كلما عُورِض وأوردت عليه الشُّبَه ازداد وضوحًا، وتميَّز وحصل به اليقين التام، كما جرى لهؤلاء؛ لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أُجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشُّبَه والريب.
ومنها: أن العلم والرأي مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فَقْد أحدهما نقصانها وضررها.
ومنها: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله، والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تَوَلَّوْا، والثاني في قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ومنها: أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز.
ومنها: أن من رحمته وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء الكفر وشعائره عليها.
***
مختارات

