قصة موسى عليه السلام (٢)
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ يُحتمل أنَّه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظنُّ بموسى ووفائه؛ اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته ووطنه، وظنَّ من طول المدَّة أنَّهم قد تناسَوْا ما صدر منه، ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قاصدًا مصر، ﴿آنَسَ﴾، أي: أبصر، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، وكان قد أصابهم البردُ، وتاهوا في الطريق، فلما أتاها نُودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه لِذِكْرِي﴾.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تسعى سعيًا شديدًا، ولها صورةٌ مهيلة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ذكَرُ الحيات العظيم، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي: يرجع لاستيلاء الرَّوْع على قلبه، فقال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وهذا أبلغُ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف؛ فإنّ قوله: ﴿أَقْبِلْ﴾ يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكونُ إقباله، وهو لم يَزَل في الأمر المَخُوف، فقال: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾، أمر له بشيئين: إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوفٌ، ولكن يبقى احتمالٌ، وهو أنَّه قد يُقْبِل وهو غير خائفٍ، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، فحينئذٍ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى ﵇ غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتمّ يقينه، فهذه آيةٌ أراه الله إيّاها قبل ذهابه إلى فرعون؛ ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب، ثم أراه الآية الأخرى، فقال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، أي:أَدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فسلكها وأخرجها، كما ذكر الله تعالى، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، أي: ضُمَّ جناحك - وهو عضُدُك - إلى جنبك؛ ليزول عنك الرَّهَب والخوف، ﴿فَذَانِكَ﴾؛ انقلاب العصا حيّةً، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: حُجَّتان قاطعتان من الله ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إيّاهم، بل لا بدَّ من الآيات الباهرة، إن نفعت، فقال موسى ﵇ معتذرًا من ربه، وسائلًا له المعونة على ما حَمَّلَه، وذاكرًا له الموانع التي فيه؛ ليزيل ربُّه ما يحذره منها: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، أي: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾، أي: معاونًا ومساعدًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ فإنَّه مع تضافر الأخبار يقوى الحقُّ، فأجابه الله إلى سؤاله، فقال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي: نعاونك به ونقوّيك، ثم أزال عنه محذور القتل، فقال: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: تسلُّطًا، وتمكُّنًا من الدعوة بالحجَّة، والهيبة الإلهيَّة من عَدُوِّهما لهما، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، وذلك بسبب آياتنا، وما دلَّت عليه من الحق، وما أزعجت به مَنْ باشَرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم كيدُ عدوكم، وصارت لكم أبلغ من الجنود أولي العَدَدِ والعُدَدِ، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، وهذا وعدٌ لموسى في ذلك الوقت، وهو وحده فريدٌ، وقد رجع إلى بلده بعدما كان شريدًا، فلم تزل الأحوال تتطوَّر، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكَّنه من العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه الغلبةُ والظهورُ.
﴿وَقَالَ مُوسَى يافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّما طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٣٥].
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ ﵇ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أى: إنى رسولٌ من مُرْسِل عظيم، وهو ربُّ العالمين، الشامل للعالم العلوى والسفلى، مربّى جميع خَلْقِهِ بأنواع التدابير الإلهية، التى من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يُرْسِل إليهم الرُّسُل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذى لا يقدر أحدٌ أن يتجرأ عليه، ويَدَّعى أنه أرسله ولم يُرْسِله، فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارنى واصطفانى لرسالته؛ فحقيقٌ علىَّ أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإنى لو قلت غير ذلك لعاجلنى بالعقوبة، وأخذنى أخذ عزيز مقتدر، فهذا مُوجِبٌ لأن ينقادوا له ويتَّبعوه، خصوصًا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصدان عظيمان: إيمانهم به، واتّباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضّله الله على العالمين أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب ﵇، الذي موسى ﵊ واحدٌ منهم، فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض، ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، أي: حية ظاهرةٌ تسعى، وهم يشاهدونها، ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالّتان على صحة ما جاء به موسى وصِدْقه، وأنه رسولُ ربّ العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي: ماهر في سحره، ثم خوّفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُم﴾، أي: يريد أن يُجليكم من أوطانكم، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم؛ فإنّ ما جاء به إن لم يقابل بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس، فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسًا يحشرون أهل المملكة، ويأتون بكل سحّارٍ عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾؟ فقال فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر، ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعُلُوّ المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى، فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، فقال موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيَّهم إذا هي مِنْ سِحْرِهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حيَّةٌ تسعى، فتلقف جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي:يُكذِّبون به ويُموِّهون، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾، أي: تبيَّنَ، وظهر واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾، أي: في ذلك المقام، ﴿وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾، أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلهم، وتلاشى سِحْرُهم، ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله، وأعظم مَنْ تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فأُلقي ﴿السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات، فقال لهم ﴿فِرْعَوْنُ﴾ متهدِّدًا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، كان الخبيث حاكمًا مستبدًّا على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذٌ فيهم، ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، وقال هنا:﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤٌ عليَّ، ثم موَّه على قومه، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾، أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له فيظهر فتتبعونه، ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومَن سبر الأحوال أن موسى ﵊ لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبيَّن لهم الحق، فاتبعوه، ثم توعَّدهم فرعون بقوله:﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحلَّ بكم من العقوبة.
﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلَافٍ﴾ زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين؛ من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ، أي:اليد اليمنى والرجل اليسرى، ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل؛ لتُخْتَزُوا (١) بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾، أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاضٍ، ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾، أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا، فليس لنا ذنبٌ ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾، فإن كان هذا ذنبًا يُعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا، ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾، أي: أفِضْ ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾،أي: عظيمًا، كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبّتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتَّبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلمًا وعُلُوًّا، وقالوا لفرعون مهيِّجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون،﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيبًا لهم بأنه سَيَدَعُ بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا يَنْمُون فيها، ويأمنُ فرعون وقومه بزعمه من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ، فإذا فعلنا ذلك أمِنَّا من كثرتهم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم، ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فقال ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيًا لهم - في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية،والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضرُّكم، وثقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، ﴿وَاصْبِرُوا﴾، أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم، منتظرين للفرج، ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها، ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين؛ فإنَّهم وإن امتحنوا مدةً ابتلاءً من الله وحكمة فإنَّ النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم، وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه، وعند العجز أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج،﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك، فقال لهم موسى مرجيًا لهم الفرج والخلاص من شرِّهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها، ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، هل تشكرون أم تكفرون، وهذا وعدٌ أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامَلَ به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة: إنها على عادته وسنته في الأمم ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي: يتعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظُّلم والفساد، ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، أي: الخصب وإدرار الرزق، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، أي: قحط وجدب، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: بقضائه وقدره، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون ولا يَزُولُون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر؛ فمهما جئت بآية جزمنا أنها سحرٌ، فلا نؤمن لك ولا نصدّق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾، أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضرَّ بهم ضررًا كثيرًا، ﴿وَالْجَرَادَ﴾، فأكل ثمارهم وزروعهم ونباتهم، ﴿وَالْقُمَّلَ﴾، قيل: إنه الدُّباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾، فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذيّةً شديدةً، ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرُّعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دمًا، فكانوا لا يشربون إلا دمًا، ولا يطبخون إلا بدم، ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾،أي: أدلَّة
(وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات، ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، أي: العذاب، يحتمل أنَّ المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾،أي: تشفَّعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وهم في ذلك كَذَبَةٌ، لا قصدَ لهم إلا زوال ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رُفع لا يصيبهم غيره، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾، أي: إلى مدة قدَّر الله بقاءهم إليها، وليس كشفًا مؤبدًا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٩].
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ موصيًا لقومه بالصبر، ومذكّرًا لهم ما يستعينون به على ذلك، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فقوموا بوظيفة الإيمان، وعلى الله
﴿تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه، ﴿فَقَالُوا﴾ ممتثلين لذلك: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا تسلِّطهم علينا فيفتنُونا، أو يغلبُونا، فيفتتنون بذلك، ويقولون: لو كانوا على حقّ لما غُلبوا، ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ لنسلَم من شرّهم، ولنقيم على ديننا على وجهٍ نتمكَّن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من غير معارض ولا منازع، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ حين اشتدَّ الأمر على قومهما من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم، ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، أي: مُرُوهم أن يجعلوا لهم بيوتًا يتمكَّنون من الاستخفاء فيها، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، أي: اجعلوها محلًّا تُصَلُّون فيها حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيَع العامة، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنها معونةٌ على جميع الأمور، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم؛ فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، وحين اشتدَّ الكرب، وضاق الأمر؛ فرَّجه الله ووسّعه، فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون ومَلَئِه دعا عليهم وأمَّن هارونُ على دعائه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ يتزينون بها من أنواع الحليِّ والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، ﴿وَأَمْوَالًا﴾ عظيمةً ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضِلُّون ويُضِلُّون، ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: أتلفها عليهم؛ إما بالهلاك، وإما بجَعْلِها حجارةً غير منتفع بها، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: قَسِّها، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ذلك غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدُّوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربّه بأنَّ الله سيعاقبهم على ما فعلوا بإغلاق باب الإيمان عليهم، ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، هذا دليلٌ على أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمِّن على دعائه، وأن الذي يؤمِّن
يكون شريكًا للداعي في ذلك الدعاء، ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على دينكما، واستمرَّا على دعوتكما، ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا تتبعان سبيل الجهال الضُّلَّال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتَّبعين لطرق الجحيم.
﴿* وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٦].
فلما يئس موسى من إيمانهم، وحقَّت عليهم كلمةُ العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أَسْرِهم، ويمكِّن لهم في الأرض؛ أوحى الله إلى موسى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾، أي:اخرج ببني إسرائيل أول الليل؛ ليتمادَوْا ويتمهّلوا في ذهابهم، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾، أي: سيتبعكم فرعون وجنوده، ووقع كما أخبر؛ فإنهم لما أصبحوا وإذا بنو إسرائيل قد سَرَوْا كلهم مع موسى.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس؛ ليُوقع ببني إسرائيل، ويقولُ مشجعًا لقومه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾، أي: بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾، فنريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، الذين أَبْقَوْا منَّا، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾، أي:الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم، ونفيرٍ عامّ، لم يتخلَّف منهم سوى أهل الأعذار الذين منعهم العجزُ.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي:بساتين مصر وجنانها الفائقة، وعيونها المتدفِّقة، وزروع قد ملأت أراضيهم، وعمرت بها حاضرتهم
وبواديهم، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ يُعجِبُ الناظرين، ويُلهي المتأمِّلين؛ تمتَّعوا به دهرًا طويلًا، وقضوا بلذَّاته وشهواته عمرًا مديدًا على الكفر والفساد، والتكبُّر على العباد والتيه العظيم، ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: هذه البساتين والعيون، والزّروع، والمقام الكريم، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذين جعلوهم من قَبْلُ عبيدَهم، وسُخِّروا في أعمالهم الشاقة، فسبحان مَنْ يؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزِعُه عمَّن يشاء، ويُعزُّ من يشاء بطاعته، ويذلُّ من يشاء بمعصيته.
﴿فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ﴾، أي: اتَّبع قومُ فرعون قومَ موسى وقت شُرُوقِ الشمس، وساقوا خلفهم مُحثِّين على غَيْظٍ وحنق قادرين، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى كلُّ منهما صاحبه، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ شاكين لموسى وحزِنين:﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال موسى مُثبِّتًا لهم، ومُخبِرًا لهم بوعدِ ربِّه الصادق: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتُم أنَّكم مُدركون، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لما فيه نجاتي ونجاتكم، ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه، ﴿فَانفَلَقَ﴾ اثني عشر طريقًا، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ﴾، أي:الجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾، فدخله موسى وقومه، ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ في ذلك المكان ﴿الْآخَرِينَ﴾، أي: فرعون وقومه، قرَّبناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق الذي سلك منه موسى وقومه، ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ استكملوا خارجين، لم يتخلَّف منهم أحَدٌ، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ لم يتخلَّف منهم عن الغرق أحَدٌ.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
حتى إذا أدرك فرعونُ الغرقَ، وجزم بهلاكه؛ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، وهو الله الإله الحقُّ الذي لا إله إلا هو، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾،أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى، قال الله تعالى مبينا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن، وتقر برسول الله، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾، أي: بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم صار إيمانا مشاهدا؛ كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع إنما هو الإيمان بالغيب، ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم من فرعون كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة (٢) مرتفعة ببدنه؛ ليكون لهم عبرة وآية، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾، فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها؛ لعدم إقبالهم عليها، وأما من له عقل وقلب حاضر فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل.
(١) أي: ليصيبكم الخزي والهوان.
(٢) النجوة: ما ارتفع من الأرض.
مختارات

