قصة موسى ﵇..
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٣ - ١٣]
ومن جملة ما أبان - سبحانه -، قصة موسى وفرعون؛ فإنه أبداها وأعادها في عدّة مواضع، وبسطها في هذا الموضع،فقال: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾، فإنَّ نبأهما غريب، وخبرهما عجيب.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فإليهم يُساق الخطاب، ويوجَّه الكلام؛ حيث إنَّ معهم من الإيمان ما يُقبِلون به على تدبر ذلك، وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العِبَر، ويزدادون به إيمانًا ويقينًا، وخيرًا إلى خيرهم، وأما مَنْ عداهم فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانَه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابًا أن يفقهوه.
فأول هذه القصة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلوِّ فيها، لا من الأعلَيْن فيها، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: طوائف متفرقة، يتصرَّف فيهم بشهوته، وينفِّذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وتلك الطائفةُ هم بنو إسرائيل، الذين فضَّلهم الله على العالمين، الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلَّهم، ولكنه استضعفهم، بحيثُ إنه رأى أنَّهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يُبالي بهم، ولا يهتمُّ بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنَّه ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ خوفًا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين لا قَصْدَ لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن نُنزِل عنهم موادَّ الاستضعاف، ونُهلك مَنْ قاومهم، ونخذل من ناوأهم، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدين، وذلك لا يحصلُ مع استضعاف، بل لا بدَّ من تمكين في الأرض، وقدرةٍ تامةٍ، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فهذه الأمور كلُّها، قد تعلَّقت بها إرادة الله، وجرتْ بها مشيئته، وكذلك نريد أن نُري ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وزيره ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ التي بها صالوا وجالوا، وعَلَوْا وبَغَوْا، ﴿مِنْهُم﴾، أي: من هذه الطائفة المستضعفة ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يَسْعَوْن في قمعهم، وكسْر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محلُّ ذلك؛ فكل هذا قد أراده الله، وإذا أراد أمرًا سهّل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك؛ فإنه قدّر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.
فأول ذلك لما أوجد الله رسوله موسى الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة التي يُذبّحون بها الأبناء، أوحى إلى أمّه أن تُرضعه، ويمكث عندها، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن أحَسَسَتِ أحدًا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، ﴿فأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: نيل مصر، في وسط تابوتٍ مُغْلَق، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فبشّرها بأنَّه سيردُّه عليها، وأنه سيكبر ويَسْلَم من كيدهم، ويجعله الله رسولًا، وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى؛ ليطمئن قلبها، ويسكن رَوْعُها، فكأنّها خافت عليه، وفعلت ما أُمرت به؛ ألقته في اليمّ، فساقه الله تعالى حتى التقطه ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، فصار من لَقْطهم، وهم الذين باشروا وُجدانه؛ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي:لتكون العاقبة والمآلُ من هذا الالتقاط أن يكون عدوًا لهم وحَزَنًا يحزُنُهم؛ بسبب أنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأنّ الذي خافوا منه من بني إسرائيل قيّض الله أن يكون زعيمهم يتربّى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم.
وعند التدبر والتأمل تجدُ في طيّ ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودَفْع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومَنْع كثير من التعدّيات قبل رسالته؛ بحيث إنّه صار من كبار المملكة، وبالطبع إنَّه لا بدَّ أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه، هذا وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقّدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف - الذي بلغ بهم الذُّلُّ والإهانةُ إلى ما قصَّ الله علينا بعضه - أنْ صار بعض أفراده ينازعُ ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه، وهذا مقدمةٌ للظُّهور؛ فإنَّ الله تعالى من سنَّتِه الجارية أن جعل الأمور تمشي على التدريج شيئًا فشيئًا، ولا تأتي دفعةً واحدةً، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ونكيدهم، جزاءً على مكرهم وكيدهم.
فلما التقطهُ آل فرعون حنَّن الله عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة آسية بنت مزاحم، ﴿وَقَالَتِ﴾: هذا الولدُ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾، أي: أبقِه لنا؛ لتقرَّ به أعينُنا، ونسرَّ به في حياتنا، ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: لا يخلو: إما أن يكونَ بمنزلة الخدم الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقِّيه درجةً أعلى من ذلك؛ نجعلهُ ولدًا لنا، ونكرمُه ونُجِلُّه، فقدر الله تعالى أنَّه نفع امرأة فرعون التي قالت تلك المقالة؛ فإنَّه لما صار قُرَّة عينٍ لها، وأحبَّته حبًا شديدًا، فلم يَزَلْ لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبُر ونبَّأه الله وأرسله، فبادرتْ إلى الإسلام والإيمان به، ﵂ وأرضاها، قال الله تعالى عن هذه المراجعات والمقاولات في شأن موسى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ما جرى به القلمُ، ومضى به القدرُ؛ من وصوله إلى ما وصل إليه، وهذا من لطفه تعالى؛ فإنَّهم لو شَعروا لكان لهم وله شأنٌ آخر.
ولما فقدتْ موسى أمُّه حزنت حزنًا شديدًا، وأصبح فؤادها فارغًا من القلق الذي أزعجها على مقتضى الحالة البشريَّة، مع أنَّ الله تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها بردِّه،﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بما في قلبها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فثبَّتناها، فصبرتْ، ولم تُبْدِ به؛ ﴿لِتَكُونَ﴾ بذلك الصبر والثبات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنَّ العبد إذا أصابته مصيبةٌ فصبر وثبت ازداد بذلك إيمانه، ودلَّ ذلك على أنَّ استمرار الجزع مع العبد دليلٌ على ضعف إيمانه.
﴿وَقَالَتْ﴾ أمُّ موسى ﴿لِأُخْتِهِ، قُصِّيهِ﴾، أي: اذهبي فقصِّي الأثر عن أخيك، وابحثي عنه، من غير أن يُحسَّ بك أحدٌ أو يشعروا بمقصودك، فذهبت تقصُّه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: أبصرته على وجهٍ، كَأنَّها مارَّةٌ لا قصدَ لها فيه، وهذا من تمام الحزم والحذر؛ فإنَّها لو أبصرته، وجاءتْ إليهم قاصدةً؛ لظنُّوا بها أنها هي التي ألقته، فربَّما عزموا على ذبحه عقوبةً لأهله، ومن لُطْفِ الله بموسى وأمه أنْ مَنَعَهُ من قبول ثدي امرأةٍ، فأخرجوه إلى السوق رحمةً به، ولعل أحدًا يطلبُه، فجاءت أخته وهو بتلك الحال، ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، وهذا جُلُّ غرضهم؛ فإنَّهم أحبُّوه حبًّا شديدًا، وقد منعهُ الله من المراضع، فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك المقالة المشتملة على الترغيب في أهل هذا البيت بتمام حفظه وكفالته والنُّصح له بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلَّتهم على أهل هذا البيت، ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ كما وعدناها بذلك، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ بحيث إنَّه تربَّى عندها على وجهٍ تكون فيه آمنةً مطمئنةً تفرح به وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، فأريناها بعضَ ما وعدناها به عيانًا؛ ليطمئنَّ بذلك قلبُها، ويزدادَ إيمانها، ولتَعْلم أنَّه سيحصُلُ وعدُ الله في حفظه ورسالته، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فإذا رأوا السبب متشوِّشًا شوَّشَ ذلك إيمانهم؛ لعدم علمهم الكامل أنَّ الله تعالى يجعلُ المحَنَ والعقباتِ الشاقَّةَ بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة.
فاستمرَّ موسى ﵊ عند آلِ فرعون، يتربَّى في سلطانهم، ويركبُ مراكبَهم، ويلبَسُ ملابسهم، وأمُّه بذلك مطمئنةٌ، قد استقرَّ أنَّها أمُّه من الرضاع، ولم يُستنكرْ ملازمتُه إيَّاها وحنوُّها عليه، وتأمَّل هذا اللطف، وصيانة نبيِّه موسى من الكذب في منطقه، وتيسير الأمر الذي صار به التعلُّق بينه وبينها، الذي بانَ للناس أنه هو الرضاعُ الذي بسببه يسمِّيها أُمًّا، فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كلِّه صدقًا وحقًّا.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ١٤ - ٢٢].
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ من القُوَّة والعقل واللب، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب، ﴿وَاسْتَوَى﴾، كملت فيه تلك الأمور، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: حُكْمًا يعرف به الأحكام الشرعية، ويحكم به بين الناس، وعلمًا كثيرًا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادة الله، المحسنين لِخَلْق الله؛ نعطيهم علمًا وحكمًا بحسب إحسانهم، ودلَّ هذا على كمال إحسان موسى ﵇.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، إما وقت القائلة، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾، أي: يتخاصمان ويتضاربان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ القبط، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ لأنه قد اشتهر، وعلم الناس أنَّه من بني إسرائيل، واستغاثته لموسى دليلٌ على أنه بلغ موسى ﵇ مبلغًا يُخاف منه، ويُرجى من بيت المملكة والسلطان، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾، أي: وَكَزَ (١)الذي من عدوِّه استجابةً لاستغاثة الإسرائيلي، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: أماته من تلك الوكزة؛لشدّتها وقوّة موسى، فندم موسى ﵇ على ما جرى منه، و ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من تزيينه ووسوسته، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، فلذلك أجريتُ ما أجريتُ بسبب عداوته البيّنة، وحرصه على الإضلال، ثم استغفر ربه،فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، خصوصًا للمُخْبِتِين، المبادرين للإنابة والتوبة؛ كما جرى من موسى ﵇، فقال موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالتوبة والمغفرة، والنعم الكثيرة، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي: مُعينًا ومساعدًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا أُعين أحدًا على معصيةٍ، وهذا وَعْدٌ من موسى ﵇، بسبب منّة الله عليه أن لا يُعينَ مجرمًا، كما فعل في قتل القبطي، وهذا يفيدُ أنَّ النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر.
فلمّا جرى منه قتل الذي هو من عدوّه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ هل يشعرُ به آل فرعون أم لا؟ وإنما خاف؛ لأنّه قد علِم أنّه لا يتجرأ أحدٌ على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل، فبينما هو على تلك الحال؛ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ على عدوّه ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ على قبطي آخر، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ موبّخًا له على حاله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي: بيّن الغواية، ظاهر الجراءة، ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ موسى ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: له وللمخاصم المستصرخ لموسى، أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى همّ أن يبطش بالقبطي، فقال له القبطي زاجرًا له عن قتله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ من أعظم آثار الجبّار في الأرض قتل النفس بغير حق، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وإلا فلو أردت الإصلاح لحُلْت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكفَّ موسى عن قتله، وازعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبرُ بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون وفرعونُ على قتله، وتشاوروا على ذلك، فقيّض الله ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع
عليه رأي مَلَئِهِم، فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: ركضًا على قدميه من نُصْحِهِ لموسى، وخوفه أن يوقعوا به، قبل أن يشعر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك؛ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ عن المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فامتثل نُصحَه.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أن يُوقع به القتل، ودعا الله و ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه قد تاب من ذنبه، وفعَلَهُ غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل؛ فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قاصدًا بوجهه مدينَ، وهو جنوبيُّ فلسطين حيث لا ملك لفرعون، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق المختصر الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، فوصل إلى مدين.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٨].
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: دون تلك الأمة، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن حياض الناس؛ لعجزهما عن مزاحمة الرجال، وبُخْلِهم وعدم مروءتهم عن السقي لهما، ﴿قَالَ﴾ لهما موسى: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما شأنكما بهذه الحالة؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: قد جرت العادةُ أنَّه لا يحصل لنا سقي حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم (٢)؛ فإذا خلا لنا الجوُّ سقينا، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: لا قوَّة له على السقي، فليس فينا قوَّةٌ نقتدِرُ بها، ولا لنا رجالٌ يزاحمون الرعاء، فَرَقَّ لهما موسى ورحمهما، ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ غيرَ طالبٍ منهما الأجر، ولا له قصدٌ غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حرٍّ وسط النهار،بدليل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ مستريحًا لتلك الظلال بعد التعب، ﴿فَقَالَ﴾ في تلك الحالة مسترزقًا ربَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، أي: إنِّي مفتقرٌ للخير الذي تسوقُهُ إليَّ وتيسِّرُه لي، وهذا سؤالٌ منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغُ من السؤال بلسان المقال، فلم يَزَل في هذه الحالة داعيًا ربه متملِّقًا، وأما المرأتان فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وهذا يدلُّ على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء، ويدلُّ على أنَّ موسى لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يُستحى منه عادة، وإنَّما هو عزيزُ النفس، رأتْ من حُسن خُلُقه ومكارم أخلاقه ما أوجبَ لها الحياء منه، فقالت له:﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، أي: لا ليمُنَّ عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنَّما قصدُه أن يكافئَك على إحسانك، فأجابها موسى، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه، ﴿قَالَ﴾ مسكِّنًا رَوْعه، جابرًا قلبَه: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: ليذهبْ خوفك ورَوْعك؛ فإنَّ الله نجَّاك منهم، حيث وصلتَ إلى هذا المحلِّ الذي ليس لهم عليه سلطانٌ، ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، أي: إحدى ابنتيه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: اجْعَلْه أجيرًا عندك يرعى الغنم ويسقيها، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي:إِنَّ موسى أَوْلى مَنِ استُؤجِر؛ فإنَّه جمع القوَّة والأمانة، وخيرُ أجيرٍ استُؤجر مَنْ جمعهما؛ أي: القوَّة والقدرة على ما استُؤجِر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كلِّ من يتولَّى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها؛ فإنَّ الخلل لا يكون إلا بفقدهما، أو فَقْد إحداهما، وأمَّا باجتماعهما فإنَّ العمل يتمُّ ويكملُ، وإِنَّما قالت ذلك لأنَّها شاهدت من قوة موسى عند السَّقْي لهما ونشاطه ما عرفتْ به قوَّته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنَّه رحمهما في حالةٍ لا يُرجى نفعهما، وإِنَّما قصدُه بذلك وجه الله تعالى.
فقال صاحبُ مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أي: تصير أجيرًا عندي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، أي: ثماني سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع منك لا شيء واجبٌ عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ فأحتِّم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلِّفك أعمالًا شاقَّة، وإنَّما استأجرتك لعمل سهل يسير لا مشقَّة فيه، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فرغَّبه في سهولة العمل، وفي حُسْن المعاملة، وهذا يدلُّ على أن الرجل الصالح ينبغي له أن يُحسّن خُلُقَهُ مهما أمكنه، وأنَّ الذي يُطلب منه أبلغُ من غيره، فقال موسى ﵇ مجيبًا له فيما طلبه منه -: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾،أي: هذا الشرط الذي أنت ذكرت رضيتُ به، وقد تمَّ فيما بيني وبينك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ سواء قضيتُ الثماني الواجبة، أم تبرَّعت بالزائد عليها، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حافظٌ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه.
وهذا الرجلُ أبو المرأتين صاحبُ مدين ليس بشعيب النبيِّ المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس؛ فإنَّ هذا قولٌ لم يدلَّ عليه دليلٌ، وغايةُ ما يكون أن شعيبًا ﵇ قد كانت بلده مدين، وهذه القضيةُ جرت في مدين؛ فأين الملازمة بين الأمرين؟! وأيضًا فإنَّه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيبٍ، فكيفبشخصه؟! ولو كان ذلك الرجلُ شعيبًا لذكره الله تعالى، ولسمَّته المرأتان، وأيضًا فإنَّ شعيبًا ﵊ قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إيَّاه، ولم يبقَ إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيِّهم بمنعهما عن الماء وصدِّ ماشيتهما حتى يأتيهما رجلٌ غريبٌ، فيُحسنُ إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيبٌ ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادمًا له وهو أفضلُ منه وأعلى درجةً، إلا أنْ يُقال:هذا قبل نبوَّة موسى فلا منافاة، وعلى كلِّ حال لا يُعتمد على أنَّه شعيبٌ النبيُّ بغير نقل صحيح عن النبي ﷺ، والله أعلم.
﴿* فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٥].
(١) الوكز: الطَّعْن، والدَّفع، والضرب بجميع الكفّ.
(٢) أي: يردُّ الرعاةُ أغنامهم عن الماء.
مختارات

