فوائد مستنبطة من قصة موسى عليه السلام
فمنها: أنَّ آياتِ الله تعالى وعِبَرَه وأيامَه في الأمم السابقة إنَّما يستفيدُ بها ويستنيرُ المؤمنون؛ فعلى حسب إيمان العبد تكون عِبْرَتُه، وإنَّ الله تعالى إنَّما يسوقُ القصص لأجلهم؛كما قال اللهُ تعالى في هذه القصة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وأما غيرُهم فلا يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نورٌ وهدى.
ومنها: أنَّ الله تعالى إذا أراد أمرًا هيَّأ أسبابه، وأتى بها شيئًا فشيئًا بالتدريج، لا دفعة واحدة.
ومنها: أنَّ الأمة المستضعفة - ولو بلغت في الضعف ما بلغت - لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسلُ عن طلبِ حقِّها، ولا الإياسُ من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين؛ كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل الأمة الضعيفة من أَسْر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم.
ومنها: أنَّ الأمة ما دامت ذليلةً مقهورةً لا تأخُذُ حقَّها ولا تتكلَّم به لا يقوم لها أمرُ دينها ولا دُنياها، ولا يكون لها إمامةٌ فيه.
ومنها: لطف الله بأُمِّ موسى بذلك الإلهام الذي به سَلِمَ ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها بردِّه إليها، التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها، ثم ردَّهُ إليها بإلجائه إليها قدَرًا بتحريم المراضع عليه، وبذلك يُعْلَم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصوَّرها العقول، ولا تعبِّر عنها العبارات، وتأمَّل موقع هذه البشارة، وأنه أتاها ابنها تُرْضِعه جهرًا، وتأخذُ عليه أجرًا، وتسمى أمه شرعًا وقدَرًا، وبذلك اطمأنَّ قلبها، وازداد إيمانها، وفي هذا مصداق لقوله تعالى:﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة.
ومنها: أنَّ الله يُقدِّرُ على عبده بعضَ المشاقِّ؛ ليُنيلَه سرورًا أعظم من ذلك، أو يدفعَ عنه شرًّا أكثر منه، كما قدَّر على أمِّ موسى ذلك الحزن الشديد، والهمَّ البليغ الذي هو وسيلةٌ إلى أن يصِلَ إليها ابنُها على وجهٍ تطمئنُّ به نفسُها، وتَقَرُّ به عينُها، وتزداد به غبطةً وسرورًا.
ومنها: أنَّ الخوف الطبيعيَّ من الخلق لا يُنافي الإيمان ولا يُزيلُه؛ كما جرى لأمِّ موسى ولموسى من تلك المخاوف.
ومنها: أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأنَّ من أعظم ما يزيدُ به الإيمان، ويتمُّ به اليقينُ: الصبرُ عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المقلقات، كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليزداد إيمانُها بذلك ويطمئنَّ قلبُها.
ومنها: أنَّ من أعظم نِعَم الله على عبده، وأعظم معونةٍ للعبد على أموره؛ تثبيتُ الله إيَّاه، ورَبْطُ جأشِهِ وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة؛ فإنَّه بذلك يتمكَّن من القول الصواب، والفعل الصواب؛ بخلاف من استمرَّ قلقهُ ورَوْعُه وانزعاجه؛ فإنَّه يضيع فِكْرُه، ويذهل عقله؛ فلا ينتفعُ بنفسه في تلك الحال.
ومنها: أنَّ العبد ولو عرف أنَّ القضاء والقدر حق، ووَعْد الله نافذٌ لا بدَّ منه؛ فإنَّه لا يهمل فِعْلَ الأسباب التي أُمِرَ بها، فإن الأسباب والسعي فيها من قَدَر الله، ولا يكون ذلك منافيًا لإيمانه بخبر الله؛ فإنَّ الله قد وعد أمَّ موسى أن يردَّه عليها، ومع ذلك اجتهدت على ردِّه لما التقطه آل فرعون، وأرسلت أخته لتقُصَّه وتطلُبَه.
ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدينَ.
ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على مَنْ يفعلُ ذلك، كما فعلت أم موسى، فإن شَرْعَ مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد من شرعنا ما ينسخه.
ومنها: أنَّ الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه أنه يُريه من آياته، ويُشهده من بيناته، ما يزيدُ به إيمانه، كما ردَّ الله موسى على أمِّه؛ لتعلمَ أنَّ وعد الله حقٌّ.
ومنها: أنَّ قَتْل الكافر الذي له عهدٌ بعقدٍ أو عُرفٍ لا يجوزُ؛ فإنَّ موسى ﵇ عدَّ قتله القبطيَّ الكافر ذنبًا، واستغفر الله منه وتاب إليه.
ومنها: أنَّ الذي يقتلُ النفوس بغير حقٍّ يُعَدُّ من الجبارين الذين يفسدون في الأرض.
ومنها: أنَّ مَنْ قتل النفوس بغير حقّ، وزعم أنَّه يريد الإصلاح في الأرض، وتهيب أهل المعاصي؛ فإنَّه كاذبٌ في ذلك، وهو مفسدٌ؛ كما حكى الله قولَ القبطيِّ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ على وجه التقرير له، لا الإنكار.
ومنها: أنَّ إخبارَ الرجلِ غيرَه بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شرٍّ يقع فيه؛ لا يكونُ ذلك نميمةً، بل قد يكونُ واجبًا، كما ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى محذرًا لموسى على وجه الثناء عليه.
ومنها: أنَّه إذا خاف القتل والتَّلَف في إقامته في موضع؛ فإنَّه لا يُلْقي بيده إلى التَّهلكة، ولا يستسلم للهلاك، بل يَفِرُّ من ذلك الموضع مع القدرة كما فعل موسى.
ومنها: أنَّه عند تزاحُم المفسدتين إذا كان لا بدَّ من ارتكاب إحداهما فإنَّه يرتكبُ الأخفَّ منهما والأسلم؛ دفعًا لما هو أعظم وأكبر، فإنَّ موسى لما دار الأمرُ بين بقائه في مصر ولكنَّه يُقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرِفُ الطريق إليها، وليس معه دليلٌ يدلُّه غير ربِّه، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى، فتَبِعَها موسى.
ومنها: أنَّ الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلُّم فيه إذا لم يترجَّح عنده أحدُ القولين؛ فإنَّه يستهدي ربَّه، ويسأله أن يهدِيَه الصواب من القولين، بعد أن يقصدَ بقلبه الحقَّ ويبحث عنه؛ فإنَّ الله لا يُخيِّب مَنْ هذه حاله؛ كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدينَ، ولا يدري الطريق المُعين إليها، قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وقد هداه الله، وأعطاه ما رجاه وتمنَّاه.
ومنها: أنَّ الرحمة بالخَلْق، والإحسان على من يعرِفُ ومن لا يعرِفُ؛ من أخلاق الأنبياء، وأنَّ من جملة الإحسان الإعانة على سَقْي الماشية، وخصوصًا إعانة العاجز، كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقى لهما لَمَّا رآهما عاجزتَيْن عن سَقْي ماشيتهما قبل صدور الرعاة.
ومنها: استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا بها؛ لأنَّه تعالى يحبُّ تضرُّع عبده، وإظهار ذُلِّه ومسكنته؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
ومنها: أنَّ الله كما يحبُّ من الداعي أن يتوسَّلَ إليه بأسمائه وصفاته، ونِعَمِه العامة والخاصة، فإنَّه يحبُّ منه أن يتوسَّل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾؛ لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة، والافتقار لله الذي هو حقيقة كل عبد.
ومنها: أنَّ الحياء - خصوصًا من الكرام - من الأخلاق الممدوحة.
ومنها: المكافأة على الإحسان لم يَزَل دأب الأمم الصالحين.
ومنها: أنَّ العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأةٌ عليه من غير قصدٍ بالقصد الأول؛ فإنَّه لا يُلام على ذلك، ولا يخلُّ بإخلاصه وأجره؛ كما قَبِل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرفْ بقلبه على عوض.
ومنها: مشروعيَّة الإجارة، وأنَّها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يُقدَّر به العمل، وإنَّما مرده العرف.
ومنها: أنَّه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بُضْعًا؛كما قال صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية.
ومنها: أنَّ خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيَّره لا يلام عليه، بل قد يكون نفعًا وكمالًا؛ كما فعل صاحب مدين مع موسى.
ومنها: قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، هذان الوصفان بهما تمام الأعمال كلها، فكل عمل من الولايات، أو من الخدمات، أو من الصناعات، أو من الأعمال التي القصد منها الحفظ والمراقبة على العمال والأعمال إذا جمع الإنسان الوصفين؛ أن يكون قويًّا على ذلك العمل بحسب أحوال الأعمال، وأن يكون مؤتمنًا عليه، تمَّ ذلك العمل وحصل مقصوده وثمرته، والخلل والنقص سببه الإخلال بهما أو بأحدهما.
ومنها: من أعظم مكارم الأخلاق تحسين الخُلُق مع كل مَنْ يتَّصل بك من خادم وأجير وزوجة وولد ومعامل وغيرهم، ومن ذلك تخفيف العمل عن العامل؛ لقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وفيه أنه لا بأس أن يرغب المعامل في معاملته بالمعاوضات والإجارات؛ بأن يصف نفسه بحُسن المعاملة بشرط أن يكون صادقًا في ذلك.
ومنها: جواز عقد المعاملات؛ من إجارة وغيرها بغير إشهاد؛لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، وتقدم أن الإشهاد به تنحفظ الحقوق، وتقل المنازعات، والناس في هذا الموضع درجات متفاوتة، وكذلك الحقوق.
ومنها: الآيات البينات التي أيد الله بها موسى من انقلاب عصاه التي كان يعرفها: ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ثم عَوْدِها سيرتها الأولى، وأن يده إذا أدخلها في جيبه ثم أخرجها صارت بيضاء من غير سوء للناظرين، ومن عصمة الله وحمايته لموسى وهارون من فرعون ومَلَئه، ومن انفلاق البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فصار اثني عشر طريقًا، وسلكه هؤلاء فنجوا، وقوم فرعون فهلكوا، وغير ذلك من الآيات المتتابعات التي هي براهين وآيات لمن رآها وشاهدها، وبراهين لمن سمعها، فإنَّها نقلتها معظم مصادر اليقين؛ الكتب السماوية، ونقلتها القرونُ كلُّها، ولم ينكر مثل هذه الآياتِ إلا جاهلٌ مكابرٌ زنديقٌ، وجميعُ آياتِ الأنبياءِ بهذه المثابةِ.
ومنها: أن آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وما يخرقه الله من الآيات، ومن تغيير الأسباب، أو منع سببيتها، أو احتياجها إلى أسباب أُخَر، أو وجود موانع تعوقها؛ هي من البراهين العظيمة على وحدانية الله، وأنه على كل شيء قدير، وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير، وأن هذه المعجزات والكرامات والتغييرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحسوسة، والنظامات المعهودة، وإنك لا تجد لسُنَّة الله تبديلًا ولا تحويلًا؛ فإنَّ سنن الله في جميع الحوادث السابقة واللاحقة قسمان:
أحدهما: وهو جمهور الحوادث والكائنات، والأحكام الشرعية والقدرية، وأحكام الجزاء لا تتغير، ولا تتبدل عما يعهده الناس، ويعرفون أسبابه، وهذا القسم أيضًا مندرج في قدرة الله وقضائه، ويُستفاد من هذا العلم بكمال حكمة الله في خلقه وشرعه، وأن الأسباب والمسببات مَنْ سَلَكَ طرقها على وجه كامل أفضت به إلى نتائجها وثمراتها؛ ومن لم يسلكها أو سلكها على وجه ناقص لم يحصل له الثمرات التي رُتِّبت على الأعمال شرعًا ولا قدرًا، وهذه توجب للعبد أن يَجِدَّ ويجتهد في الأسباب الدينية والدنيوية النافعة مع استعانته بالله، والثناء على ربه في تيسيرها، وتيسير أسبابها وآلاتها، وكل ما تتوقف عليه.
والقسم الثاني: حوادث معجزات الأنبياء التي تواترت تواترًا لا يتواتر مثله في جميع الأخبار، وتناقلتها القرونُ كلُّها، وكذلك ما يكرمُ الله به عباده من إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وحصول المطالب المتنوعة، ودَفْع المكاره التي لا قدرة للعبد على دفعها، والفتوحات الربانية، والإلهامات الإلهية، والأنوار التي يقذفها الله في قلوب خواصِّ خَلْقِه، فيحصل لهم بذلك من اليقين والطمأنينة والعلوم المتنوعة ما لا يُدْرَك بمجرَّد الطلب وفعل السبب، ومنْ نصره للرسل وأتباعهم، وخذلانه لأعدائهم، وهو مشاهَد في كثير من الأوقات.
فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث، ولا جُعِلَ لهم في الأصل وصولٌ إلى حقيقتها وكنهها، وإنما هي حوادث قدَّرها الربُّ العظيمُ الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، بأسبابٍ وحكمٍ وسننٍ لا يعقلها الخَلْقُ، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأتباعهم الأوَّلون منهم والآخرون، وبها يعرف عظمة الباري، وأنَّ نواصي العباد بيده، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأْ لم يكنْ، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل، كما يعرف أيضًا بالقسم الأول.
وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كُنْه صفات اليوم الآخر، وكُنْه ما في الجنة والنار، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل، ونزلت به الكتب، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم السماوي، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى، وإيجاد الأرواح في الجمادات، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون.
وإنما أطَلْنا الكلام على هذه المسألة، وإن كانت تستحق من البسط أكثر من هذا؛ لأمرين:
أحدهما: أن الزنادقة المتأخرين الذين أنكروا وجود الباري، وأنكروا جميع ما أخبرت به الرسل، والكتبُ السماوية من أمور الغيب، ولم يُثبتوا من العلوم إلا ما وصلت إليه حواسهم وتجاربُهم القاصرة على بعض علوم الكون، وأنكروا ما سوى ذلك، وزعموا أن هذا العالم وهذا النظام الموجود فيه لا يمكن أن يغيّره مُغيّر، أو يغير شيئًا من أسبابه، وأنه وُجد صدفة من غير إيجاد مُوجِد، وأنه آلة تمشي بنفسها وطبيعتها، ليس لها مُدَبّر، ولا رب ولا خالق، وهؤلاء جميع أهل الأديان يعرفون مكابرتهم ومباهتتهم؛ لأنهم كما عدموا الدين بالكلية فقد اختلّت عقولهم الحقيقة؛ إذ أنكروا أجلى الحقائق وأوضحها، وأعظمها براهين وآيات، وتاهوا بعقولهم القاصرة وآرائهم الفاسدة، هؤلاء أمرهم معلوم، ولكن.
.
.
الأمر الثاني: أن بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه، يريدون باجتهادهم، أو اغترارهم أن يُطبّقوا السنن الإلهية وأمور الآخرة؛ على ما يعرفه العباد بحواسّهم، ويدركونه بتجاربهم، فحرّفوا لذلك المعجزات، وأنكروا الآيات البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم، وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث؛ إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفًا يؤول إلى إنكارها، وإنكارهم هذا النوع العظيم من قضاء الله وقدره، وضعف إيمان مَنْ وقف على كلامهم ممن ليست له بصيرة، ولا عنده من العلوم الدينية ما يُبطل هذا النوع، ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهم إغراءً في مذاهبهم؛ لما رأوا أمثال هؤلاء يحاولون إرجاعُ النصوص الدينية، ومعجزات الأنبياء، وأمور الغيب إلى علوم هؤلاء القاصرة على التجارب المدركات بالحواس.
فيا عِظَم المصيبة! ويا شدة الجرم المزوَّق، ولكن ضعف البصيرة والإعجاب بزنادقة الدهريين أوجب الخضوع لأقوالهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنها: أنَّ من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إمامًا في الشر وداعيًا إليه، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أنَّ من أعظم نِعَم الله على العبد أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًا، قال تعالى في فرعون وملئه:﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾.
ومنها: ذكر كثير من أهل العلم أنه يُستفاد من قوله تعالى عن جواب موسى لربه لما سأله عن العصا، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية، استحباب استصحاب العصا؛ لما فيه من هذه المنافع المعينة والمجملة في قوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وأنه يُستفاد منها أيضًا الرحمة بالبهائم، والإحسان إليها، والسعي في إزالة ضررها.
ومنها: أن قوله جلَّ ذِكْره: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، أي: إن ذكر العبد لربه هو الذي خُلِق له العبد، وبه صلاحه وفلاحه، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامةُ هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاةُ التي تتكرَّرُ على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكَّرهم بالله، ويتعاهدون فيها قراءة القرآن، والثناء على الله، ودعائه والخضوع له الذي هو روح الذِّكْر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين.
وكما أن الذِّكْرَ هو الذي خُلِقَ الخَلْقُ لأجله، والعبادات كلها ذكر الله، فكذلك الذِّكر يُعين العبد على القيام بالطاعات وإن شَقَّت، ويُهَوِّن عليه الوقوف بين يدي الجبابرة، ويخفِّف عليه الدعوة إلى الله، قال تعالى في هذه القصة: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
مختارات

