فقه السعادة والشقاوة (١)
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)} [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)} [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاث مراتب:
الأولى: سعادة خارجة عن ذات الإنسان، وهي مستعارة له من غيره تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والجاه والمنصب، وهي سعادة وهمية.
الثانية: سعادة في ذات الإنسان كالصحة، واعتدال المزاج، وحسن القامة، وصفاء اللون، وجماله، وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى، فالأولى تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية معرضة للزوال.
الثالثة: السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسية روحية قلبية، وهي سعادة الإيمان بالله، والعلم به، وبدينه وبشرعه، فهذه السعادة هي الباقية على تقلب الأحوال، وبها يترقى في معارج الفضل، ودرجات الكمال، وهذه كلما طال الأمد زادت قوةً وعلواً، ويظهر أثرها بعد مفارقة الروح للبدن إذا انقطعت السعادتان الأولتان.
وأهل هذه السعادة هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة.
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)} [يونس: ٥٨].
وهذه السعادة لا يعرف قدرها، ويبعث على طلبها، إلا العلم بها، وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها وتعب تحصيلها، والجهل بقيمتها.
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه السعادة، وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
وسعادة العبد تتم بثلاثة أشياء:
التوحيد.
وضده الشرك.
السنة.
وضدها البدعة.
الطاعة.
وضدها المعصية.
ولهذه الثلاثة ضد واحد، وهو خلو القلب من الرغبة إلى الله، وفيما عند الله، ومن الرهبة من الله، ومما عنده.
والإنسان لجهله يعتقد أن العزة في الدنيا بثلاثة أشياء:
بالمال.
والمنصب.
والجاه.
لكن الصحيح أن العزة في الدنيا والآخرة تحصل للإنسان بالإيمان والأعمال الصالحة، وطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧١].
ومن استقام على أوامر الله، وقام بالدعوة إلى الله، وصبر على ذلك أعزه الله في الدنيا، وأكرمه بخمس كرامات:
الأولى: أن الله يعزه وإن لم تكن عنده أسباب العزة كبلال.
الثانية: أن الله يجعل جميع أعمال الدين محبوبة لديه.
الثالثة: أن الله يجعل له محبة في قلوب الناس.
الرابعة: أن الله يطوي بساط الباطل من حوله.
الخامسة: أن الله يؤيده بنصرة من عنده، فإذا دعا الله استجاب له.
وأما في الآخرة فهو من المقربين في جنات النعيم.
وتتحقق السعادة في الدنيا والآخرة بالدين الكامل، والطاعة التامة لله ورسوله في جميع الأحوال.
والاستقامة تتحقق للعبد بأربعة أمور:
الأول: أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة لكل مسلم في كل مكان.
وفي كل زمان.
في فكره.
وفي عمله.
وفي عبادته.
وفي معاملته.
وفي معاشرته.
وفي أخلاقه.
وفي جهاده.
وفي دعوته.
وفي سلوكه.
وفي سائر أحواله، وأن تكون نساؤه قدوة لنساء العالم.
الثاني: أن يكون مسجده - صلى الله عليه وسلم - أسوة لجميع المساجد في العالم في شكله وأعماله، وفي عمارته بألوان العبادة.
الثالث: أن يكون بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أسوة لجميع البيوت في العالم من حيث بناؤه وسعته وشكله، والأعمال التي تقام فيه، وما يجري فيه من حسن المعاشرة، وتطبيق السنن والآداب في جميع الأمور.
الرابع: أن تكون مدينته - صلى الله عليه وسلم - أسوة لجميع المدن في العالم، من حيث محبة أهلها بعضهم لبعض، وإيثارهم وصدقهم، وحسن أخلاقهم ومعاملاتهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتعاطفهم وتراحمهم وتناصحهم.
فبالاستقامة تتحقق السعادة في الدنيا والآخرة للأفراد والشعوب والأمم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)} [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.
فالاعتصام بحبله يعصم من الضلالة.
والاعتصام به سبحانه يعصم من الهلكة.
مختارات

