فقه الابتلاء (٣)
والله عزَّ وجلَّ ابتلى عباده بأمرين:
أمر فيه حيلة.
وأمر لا حيلة فيه.
فما فيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة منه لا يجزع منه.
ونعم الله في البلاء الذي يصيب الناس مستورة لا يراها إلا أولو الألباب، فإذا أصيب الإنسان بمصيبة فليحمد الله إذ لم تكن في دينه.
وإذ لم تكن أعظم منها.
وإذ كانت في الدنيا ولم تكن في الآخرة.
وإذ لم يحرم الرضا بها.
وإذ يرجو الثواب عليها.
وبها تكمل عبودية الصبر.
وينال ثوابها كما قال سبحانه {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)} [الزمر: ١٠].
وقد ابتلى الله عزَّ وجلَّ الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، وهو الشيطان وعساكره من شياطين الإنس والجن، فالحرب سجال بينه وبين القلب الذي هو محل معرفة الله ومحبته وعبوديته.
فولاه الله أمر هذه الحرب مع النفس والشيطان، وأمده بجند من الملائكة لا يفارقونه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: ١١].
ثم أيده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل عليه كتابه، فازداد قوة إلى قوته، وعدة إلى عدته.
وأمده سبحانه بالعقل وزيراً له ومدبراً، وبالمعرفة مشيرة عليه، وناصحة له، وبالإيمان مثبتاً له وناصراً ومؤيداً، وباليقين حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه.
ثم أمده سبحانه بالقوى الظاهرة والباطنة لخوض هذه الحرب.
فجعل العين طليعته.
والأذن صاحبة خبره.
واللسان ترجمانه.
واليدين والرجلين أعوانه.
وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له.
ويسألون الله أن يقيه السيئات، ويدخله الجنات، وتولى سبحانه الدفاع عنه.
وحسب قوة الإيمان تكون قوة الابتلاء، فالأنبياء كانوا جبال الإيمان، وجبال اليقين، وجبال الصبر.
ثم يليهم الصحابة، وابتلاؤنا اليوم لا يكون كابتلاء الصحابة فضلاً عن الأنبياء، ولكن لا بدَّ من الابتلاء.
فللأنبياء ابتلاء.
وللصحابة ابتلاء.
ولمن بعدهم ابتلاء حسب قوة الإيمان وضعفه.
والله سبحانه: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» أخرجه مسلم (١).
فكل جمال في العالم العلوي وفي العالم السفلي من جماله سبحانه، وكل جمال ونور في المخلوقات لا يساوي ذرة من جمال الخالق ونوره وجلاله.
وإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله.
فالرب سبحانه قد احتجب عن مخلوقاته بحجاب من نور مخلوق، جعله سبحانه يحجب نور وجهه الكريم وجلاله وجماله عن وصوله إلى المخلوقات حيث لا تحتمله.
ونعيم الجنة المخلوق بالنسبة إلى نعيم معرفة المعبود ومحبته سبحانه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة المخلوق، فأكبر نعيم أهل الجنة النظر إلى وجهه سبحانه والفوز برضاه.
وقد احتجب سبحانه عن خلقه في الدنيا ليبلو بذلك إيمانهم، أيهم يؤمن به ويعرفه بالغيب ولم يره.
والله عزَّ وجلَّ يجزي العباد على إيمانهم بالغيب؛ لأن الله عزَّ وجلَّ لو تبدى لخلقه وتجلى لهم في الدنيا لم يكن لإيمان الغيب هناك معنى، كما أنه لم يكفر به عندها كافر، ولا عصاه عاص.
ولكنه تبارك وتعالى احتجب عنهم في الدنيا، ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب، وإلى معرفته والإقرار بربوبيته، ليؤمن به من سبقت له منه السعادة، ويحق القول على الكافرين.
ولو تجلى لخلقه سبحانه لآمن به من في الأرض جميعاً بغير رسل ولا كتب ولا دعاة، ولم يعصوه طرفة عين.
فإذا كان يوم القيامة تجلى سبحانه لمن آمن به وصدق رسله وكتبه، وآمن برؤيته، وأقر بصفاته التي وصف بها نفسه حتى يروه عياناً؛ مثوبة منه لهم وإكراماً، ليزدادوا بالنظر إلى من عبدوه بالغيب ولم يروه نعيماً، وبرؤيته فرحاً وسروراً.
وحجب عنه الكفار يومئذ؛ لأنهم لم يؤمنوا به في الدنيا، فحرموا رؤيته في الآخرة كما حرموها في الدنيا ليزدادوا حسرة وثبوراً.
والله عزَّ وجلَّ خلق العالم العلوي والسفلي، وخلق الموت والحياة، وزين الأرض بما عليها لابتلاء واختبار العباد أيهم أحسن عملاً، من يكون عمله موافقاً لمحاب الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خلق هو لها، وخلق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته، وهي العمل الأحسن، وهو مواقع محبته ورضاه.
وقدر سبحانه مقادير تخالفها ابتلاء منه، وامتحن خلقه بين أمره وقدره، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً كما قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: ٧].
وقال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: ٢].
فانقسم الخلق في هذا الابتلاء إلى قسمين:
قسم داروا مع أوامره ومحابه، ووقفوا حيث وقف بهم الأمر الشرعي، وتحركوا حيث حركهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وحكموا الأمر على القدر، ودفعوا القدر بالقدر، امتثالاً لأمر الله، واتباعاً لمرضاته، فهؤلاء هم الناجون.
والقسم الثاني: عارضوا بين الأمر والقدر، وبين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما قدره وقضاه، ثم افترقوا:
ففرقة كذبت بالقدر محافظة على الأمر، والإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر، فمن كذب بالقدر فقد نقض تكذيبه إيمانه.
وفرقة ردت الأمر بالقدر، وهؤلاء من أكفر الخلق، وهم الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)} [النحل: ٣٥].
وفرقة دارت مع القدر، فسارت بسيره، ونزلت بنزوله، ودانت به، ولم تبال وافق الأمر الشرعي أو خالفه، بل دينها القدر، فالحلال ما حل بيدها قدراً، والحرام ما حرمته قدراً، وهم مع من غلب من مسلم وكافر، وبر وفاجر، وهؤلاء أيضاً كفار.
وفرقة وقفت مع القدر مع اعترافها بأنه خلاف الأمر، ولم تدن به، ولكنها استرسلت معه، ولم تحكم عليه الأمر، وعجزت عن دفع القدر بالقدر اتباعاً للأمر، فهؤلاء مفرطون.
وهم بين عاجز وعاص لله، وهؤلاء كلهم مؤتمون بشيخهم إبليس فإنه أول من قدم القدر على الأمر الشرعي، وعارضه به، حيث قال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)} [الحجر: ٣٩].
فرد إبليس أمر الله بقدره، واحتج على ربه بالقدر.
وانقسم أتباعه أربع فرق كما سبق، فإبليس وجنوده أرسلوا بالقدر إرسالاً كونياً، فالقدر دينهم كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)} [مريم: ٨٣].
فدينهم القدر، وبعث الله الرسل بالأمر الشرعي، وأمرهم أن يحاربوا به أهل القدر.
فأصحاب الأمر حرب لأصحاب القدر حتى يردوهم إلى الأمر الشرعي، وأصحاب القدر يحاربون أصحاب الأمر الشرعي حتى يخرجوهم منه كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)} [الزخرف: ٣٧].
فالرسل وأتباعهم دينهم الأمر مع إيمانهم بالقدر، وتحكيم الأمر عليه، وإبليس وأتباعه دينهم القدر، ودفع الأمر به.
وحركات العالم العلوي والعالم السفلي وما فيهما موافقة للأمر:
إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه.
وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه، وهو سبحانه قدره لحكمة وغاية حميدة.
فهو سبحانه يحب المغفرة وإن كره معاصي العباد، ويحب التوابين وإن كره معاصيهم التي يتوبون منها، ويحب المقاتلين في سبيله وإن كره أفعال من يجاهدونه كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)} [الصف: ٤].
فهو سبحانه الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها في خلقه، فهو رحيم يحب الرحمة، ويحب الرحماء، وهو عفو عن المذنبين، ويحب العفو، ويحب العافين عن الناس.
وهكذا.
وإذا ابتلى الله عبده ببلاء، فإن رده ذلك الابتلاء إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به.
والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه وقد عُوِّض عنها أجَلّ عِوَض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شارداً عنه.
فهذه البلية له عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)} [البقرة: ٢١٦].
وإن لم يرده ذلك البلاء إليه سبحانه، بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به.
فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه.
وجاءت طبيعته عند القدرة بالأشر والبطر، والإعراض عن شكر الله وعدم التوجه إليه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)} [الحج: ١١].
فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل ورفعة كما قال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والله تبارك وتعالى عليم بخلقه، خلق النفوس وفيها خبأ كامناً يعلمه سبحانه منها، فلا بدَّ أن يقيم أسباباً يظهر بها خبأ النفوس الذي كان كامناً فيها.
فإذا ظهر للعيان ترتب عليه أثره من السعادة والشقاوة.
وخلق سبحانه السموات والأرض ليعلم العباد كمال عظمته وكمال قدرته وعلمه كما قال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)} [الطلاق: ١٢].
وخلق سبحانه العالم السفلي ليبلو عباده، فيظهر من يطيعه ويحبه ويجله ويعظمه ممن يعصيه ويخالفه.
وهذا الابتلاء والامتحان يستلزم أسباباً يحصل بها، فلا بد من خلق أسبابه.
ولهذا لما كان من أسبابه خلق الشهوات وما يدعو إليها وتزيينها فعل ذلك كما قال سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)} [الكهف: ٧،٨].
والله عليم حكيم خلق الإنسان وجعله قابلاً للإيمان والكفر.
للحق والباطل.
للخير والشر، للطاعات والمعاصي.
وبحسب البيئة التي يعيش فيها، وبحسب المذكر له.
وبحسب العلم والأوامر التي تصل إليه يميل إلى هذا أو ذاك.
(١) أخرجه مسلم برقم (١٧٨).
مختارات

