فقه الابتلاء (٤)
والقلوب والجوارح لها مصرفان:
مصرف محمود.
ومصرف مذموم.
فالمحبة مثلاً من أعمال القلوب ولها مصرفان:
الأول: مصرف محمود: وهو محبة الله ورسوله، ومحبة أوامر الله، ومحبة ما يحبه الله.
الثاني: مصرف مذموم: وهو محبة ما يبغضه الله من الأعمال والأقوال، والأشخاص والأماكن، والأخلاق والأحوال.
وكذلك الجوارح لها مصرف محمود.
ومصرف مذموم.
فالمحمود استعمالها في طاعة الله.
والمذموم استعمالها في معصية الله.
فقلوب الناس وجوارحهم تعمل إما في المصرف المحمود الذي يرضي الله عزَّ وجلَّ.
وإما في المصرف المذموم الذي يغضب الله عزَّ وجلَّ فالمحمود لله وصاحبه رابح.
والمذموم للشيطان وصاحبه خاسر: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)} [النساء: ١١٩].
والدين كله يتمثل في الإيمان بالله والكفر بالطاغوت.
وتقديم الأوامر على الشهوات.
وتقديم الحقوق على كل محبوب.
وتقديم مراد الله على مراد النفس.
وربط العواطف بأوامر الله.
والإنسان ظلوم كفار، وقد ذمه الله باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء، وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء، فقال سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)} [هود: ٩،١٠].
وإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه له وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة، وهي نعمة الإسلام.
والله عزَّ وجلَّ عليم بكل شيء: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)} [الحج: ٧٠].
علم سبحانه قبل أن يوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي، والخير والشر، بما أظهر معلومه منهم، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قام فيهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم الإلهي السابق.
ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع شرائعه؛ إعذاراً إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهو لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟.
فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل الثواب أو العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار، فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا، وبما ركب فيهم من الشهوات.
فذلك ابتلاء بشرعه وأمره.
وهذا ابتلاء بقضائه وقدره.
وقد اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبني عليه، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه.
كما أن المسؤول إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل لما أفلحمن رده، وكذلك السارق، وقاطع الطريق، والناصب، والمنتهب، والمختلس في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها، ولو أدوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم.
وكذلك تسليط العالم بعضهم على بعض، وتمكين الجناة والبغاة، حتى أن الحيوانات العادية على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)} [الشورى: ٣٠].
والله بصير بالعباد، يصرف الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه، فصدهم عنه كما صدوا عباده عنه.
ويحبس الغيث عن عباده ويبتليهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين، فلما منعوا المساكين حقهم منع الله عنهم مادة القوت والرزق وهو الغيث.
ويمحق الله أموال المرابين ويتلفها كما فعلوا بأموال الناس وأكلوها بالباطل، ومحقوها عليهم، وأتلفوها بالربا، فعوقبوا إتلافاً بإتلاف كما جوزي المتصدقون بأضعاف كما قال سبحانه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)} [البقرة: ٢٧٦].
ويسلط الله سبحانه العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم، ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه، فيسلط الله عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء بسواء، ولا يظلم ربك أحداً.
هذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن يطوي الله الأرض ويعيدها كما بدأها كما قال سبحانه: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)} [النساء: ١٢٣].
والتربية الإلهية أولها ابتلاء وامتحان.
وأوسطها صبر ويقين وتوكل.
وآخرها هداية ونصر وتمكين.
وعاقبتها الجنة ورضوان رب العالمين كما قال سبحانه:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)} [التوبة: ٧٢].
والله تبارك وتعالى ابتلى الأنبياء بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته ويتوجهوا إلى ربهم في كشف ما بهم من ضر إذا نزل.
وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وحلفائهم إذا أوذوا من الناس.
فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء.
صبروا ورضوا وتأسوا بهم.
ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد الله لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة.
فيمحقهم الله بسبب بغيهم وعداوتهم.
ويعجل تطهير الأرض منهم.
فهذه من بعض حكمة الله في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم لهم: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)} [الأنعام: ١٧].
وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه.
كما ابتلى الله جميع الأنبياء، بمعارضة قومهم لهم.
وكما ابتلى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بقومه الذين كذبوه وألقوه في النار وكما ابتلاه بذبح ولده إسماعيل.
وكما ابتلى موسى - صلى الله عليه وسلم - بفرعون وقومه الذين كذبوه، والسحرة الذين بارزوه، وبني إسرائيل الذين اختلفوا عليه.
وكما ابتلى أيوب - صلى الله عليه وسلم - بالمرض وذهاب الأهل.
وكما ابتلى عيسى - صلى الله عليه وسلم - باليهود الذين كذبوه، وأرادوا قتله وصلبه.
وكما ابتلى محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأذى الكفار له، وتكذيبهم له، ومطاردته وإرادة قتله، وإخراجه من مكة، وجمع الناس والأموال لقتاله والقضاء على دينه وأتباعه.
وكما ابتلاه باليهود الذين قاتلوه، وكادوا له، ونقضوا عهودهم معه وجمعوا الأحزاب لحربه، وسحروه، ووضعوا السم في اللحم له.
فصبر حتى أظهر الله دينه، وخذل أعداءه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)} [الأنعام: ٣٤].
والبلاء الذي يصيب العبد في الله لا يخرج عن أربعة أقسام:
فهو إما أن يكون في نفس العبد.
أو في ماله.
أو في عرضه.
أو في أهله ومن يحب.
والذي في نفسه إما أن يكون بتلفها تارة، أو بتألمها بدون التلف.
فهذا مجموع ما يبتلى به العبد في الله، وأشد هذه الأقسام المصيبة في النفس.
والمؤمن كلما نقص شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه، وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته.
فنقصان بدنه ودنياه، ولذته وسروره، وجاهه ورياسته، إن زاد في حصول ذلك، وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به، وخيراً له، وذخراً له.
وإلا كان حرماناً وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة، أو ترك واجب ظاهر أو باطن، فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة.
والله تبارك وتعالى حكيم عليم يبتلي عباده تارة بالنعم.
وتارة بالمصائب.
فمن وسع الله عليه وإن كان إكراماً له في الدنيا فلا يدل على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته.
ومن قتر الله عليه فلا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده، بل يوسع سبحانه ابتلاء وامتحاناً، ويقتر ابتلاء وامتحاناً، ويبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)} [الفجر: ١٥،١٦].
وهو سبحانه يبتلي عبده بنعمة تجلب له نقمة، وبنعمة تجلب له نعمة أخرى، ويبتليه كذلك بنقمة تجلب له نعمة، وبنقمة تجلب له نقمة أخرى.
فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه.
فالكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان والمال كما قال سليمان - صلى الله عليه وسلم -: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)} [النمل: ٤٠].
فالنعم ابتلاء من الله يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور، كما أن المحن بلوى منه، فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب، فمن شكر زاده الله، ومن كفر سلبه إياه.
وإذا ابتلى الله الإنسان بالفقر، فإن صبر أعطي أضعاف ما فاته من الرزق، وإن سخط فله السخط.
فالصبر والذكر والشكر من أجل مقامات الدين وأعظمها.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
اللَّهُمَّ! أَجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ.
وَأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْها» أخرجه مسلم (١).
وهذا الحديث يتضمن أصلين عظيمين:
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عزَّ وجلَّ، والملك يتصرف في ملكه كيف شاء، أما العبد فلا يتصرف إلا بإذن مالكه ووفق أمره.
الثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، فليفكر بما يقدم به على ربه من الإيمان والأعمال الصالحة.
ولينظر إلى مقدار الأجر على المصيبة إن صبر، وأنها أخف مما هو أعظم منها، وليعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ومعرفة هذا أبلغ علاج للمصاب، وأنفعه له في عاجلته وآجلته، وبه يتسلى عما أصابه.
ولله تبارك وتعالى على كل أحد عبودية بحسب مرتبته سوى العبودية العامة التيسَوّى بين عباده.
فعلى العالم من عبودية الله نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره.
وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه، وحمل الناس عليه، والصبر على ذلك ما ليس على المفتي.
وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما.
وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير.
وقد غر الشيطان أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات النافعة، فلم يحدثوا أنفسهم بالقيام بها.
وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس ديناً، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، وتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالاً عند الله من مرتكب المعاصي.
ومن له دراية ومعرفة بما بعث الله به رسوله، وبما كان عليه هو وأصحابه، رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس ديناً.
وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنن رسوله يرغب عنها، وهو بارد القلب، ساكت اللسان؟
وهؤلاء مع سقوطهم عن عين الله، قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية وهي موت القلوب، فالقلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل.
ولا بدَّ من تربية النفوس بالبلاء، وامتحانها بالمخاوف والشدائد والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمراث كما قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
لا بدَّ من هذا الابتلاء الظاهر المكشوف لكل الناس، كي يعز الدين على النفوس بمقدار ما أدوا في سبيله من تكاليف وصبر، فكلما تألموا في سبيله كلما بذلوا من أجله، وكلما بذلوا من أجله كان أعز عليهم من كل شيء؟
وكذلك لن يدرك الآخرون قيمة الدين وعظمته إلا حين يرون ابتلاء أهله وصبرهم على البلاء من أجله، وحينئذ سيقولون لو لم يكن عند هؤلاء من الخير أكبر وأعظم مما ابتلوا به ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه.
وعندئذ ينقلب المعارضون للدين باحثين عنه، مقدرين له، مندفعين إليه، وعندئذ يجيء نصر الله ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.
ولا بدَّ من البلاء ليصلب عود أهل الحق ويقوى ويشتد.
وبحصول الشدائد والمحن يحصل التوجه والالتجاء إلى الله وحده، فحين تهتز الأسناد كلها يتوجه القلب إلى الله وحده، فلا يرى قوة إلا قوته، ولا يرى حولاً إلا حوله، ولا ملجأ إلا إليه، وهذه هي العبودية التي يريدها الله من عبده.
إن لهؤلاء في صلوات الله ورحمته وهدايته جزاء على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات.
وجزاء على الخوف والجوع والشدة.
وجزاء على القتل والشهادة.
فهذا العطاء من الله أثقل في الميزان من كل عطاء، أرجح من النصر، وأرجح من التمكين، وأرجح من شفاء غيظ الصدور.
فهذا طريق مَنْ يريد الله استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين.
وسنة الله جارية وفق ما يشاء، ومن سنة الله في المكذبين لرسله أن يأخذهم بالبأساء والضراء، كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)} [الأعراف: ٩٤].
لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى، وأنيرقق القلوب التي طال عليها الأمد، وأن يتجه بالبشر الضعاف الغافلين إلى خالقهم القهار، يتضرعون إليه، ويطلبون رحمته وعفوه، ويعلنون بهذا التضرع عن عبوديتهم له.
وليس بالله حاجة لعبادة العباد، فهو الغني وهم الفقراء، وهو القوي وهم الضعفاء، ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم، ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك.
فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه.
تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد أن يغويهم.
وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم التي تقعدهم عن طاعة الله.
وتحرروا من العبودية للعبيد أمثالهم.
استحيوا أن يطيعوا خطوات الشيطان.
واستحيوا أن يغضبوا الله بنية أو عمل وهم يتجهون إليه في الشدة ويتضرعون.
لذلك اقتضت سنة الله ومشيئته أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبياً فتكذبه بالبأساء والضراء، استحياء لقلوبهم بالألم، والألم خير مهذِّب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة، وخير موجه إلى ظلال الرحمة لعلهم يضرعون:
{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)} [الأعراف: ٩٥].
فإذا الرخاء مكان الشدة.
واليسر مكان العسر.
والعافية مكان الضر.
والأمن مكان الخوف.
وإذا هو متاع ورخاء، وكثرة وامتلاء، إنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء.
والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، فإنه يذكر صاحبه بالله، فيتجه إليه، ويتضرع بين يديه، فيجد في رحابه فسحة.
فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون، فالرخاء ينسي، والمتاع يلهي، والثراء يطفي.
فالثراء والغنى يولد حالة قلة المبالاة، وحالة الاستخفاف والاستهتار، فلا يجدون في أنفسهم تحرجاً من شيء يعملونه، ولا تخوفاً من أمر يصنعونه، خاصة حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة.
فهم يتنعمون في يسر، ويبطشون كذلك في استهتار، ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان، وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر منهم عفواً بلا تحرج ولا مبالاة، وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون، ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافاً بلا سبب معلوم، وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء، وقد أخذنا دورنا في الضراء، وجاء دورنا في السراء، هكذا يظنون.
عندئذ وفي ساعة الغفلة السادرة، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان تجيء العاقبة وفق السنة الجارية: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)} [الأعراف: ٩٥].
هكذا تجري سنة الله أبداً وفق مشيئته في عباده، فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء.
أما الطرف الآخر لسنة الله الجارية فكما قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
فأهل القرى لو آمنوا بدل التكذيب، واتقوا بدل الاستهتار، لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض، هكذا مفتوحة بلا حساب، من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فيض غامر من كل مكان.
وقد ينظر بعض الناس فيرى من يقول إنهم مسلمون مضيقاً عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق.
ويرى في المقابل أمماً لا يؤمنون بالله ولا يتقونه مفتوحاً عليهم في الرزق والقوة والنفوذ.
فيتساءل وأين هي السنة الجارية التي لا تتخلف؟
ولكن هذا وذلك وهمٌ تخيله ظواهر الأحوال.
إن أولئك الذين يقولون إنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصونعبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
إنهم في الواقع يسلمون رقابهم لعبيد منهم يتألهون عليهم، ويشرِّعون لهم، وما أولئك بالمؤمنين.
فالمؤمن حقاً لا يدع عبداً من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبداً من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره.
ويوم كان المسلمون مؤمنين حقاً دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله بالنصر والتمكين في الأرض.
وأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة، وهو الابتلاء بالنعمة، وهو أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يَعِدها الله من يؤمنون ويتقون.
فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضا والراحة.
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى بركات في الأشياء.
بركات في النفوس.
بركات في المشاعر.
بركات في طيبات الحياة.
بركات تنمي الحياة وترفعها، وليست مجرد وفرة المال مع الشقوة والتردي والانحلال.
فكم من أمة غنية ولكنها تعيش في شقوة؟.
فهي في حاضر نراه، يترقبه مستقبل نكد، وابتلاء يعقبه نكال: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)} [يونس: ١٠١].
فالعطاء ليس دائماً دليل رضى، فقد يكون مقدمة للعقوبة كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
إن شعور الإنسان بأنه مبتلى وممتحن بأيامه التي يقضيها على الأرض، وبكل شيء يملكه، وبكل متاع يتاح له، يمنحه مناعة ضد الاغترار والانخداع والغفلة، ويعطيه وقاية من الاستغراق في متاع الحياة الدنيا، ومن التكالب على هذا المتاع الذي هو مسؤول عنه وممتحن فيه.
وهي لمسة قوية للقلب البشري، إذ يدرك أنه مستخلف في ملك أُديل من مالكيه الأوائل، وأجلي عنه أهله الذين سبق لهم أن مكنوا فيه، وأنه هو بدوره زائل عن هذا الملك، ومحاسب على ما كسب فيه: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)} [يونس: ١٣،١٤].
وشعور الإنسان بالرقابة التي تحيط به يجعله شديد التوقي، شديد الحذر، شديد الرغبة في الإحسان، شديد الرغبة في النجاة من هذا الامتحان.
إن الحياة في الإسلام حياة متكاملة القواعد والأركان:
عقيدة.
وعبادة.
وأخلاق.
وطريقة حياة.
فالذي خلق البشر سبحانه أعلم بما يصلحهم وما يصلح لهم، وما يسعدهم وينجيهم، وما ينفعهم وما يضرهم فأكرمهم به كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
والقرآن يقول لمن يطعمون الحياة الإسلامية والنظام الإسلامي بمنتجات أخرى ونظام آخر من صنع البشر: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
إن هذا الإنسان الذي خلقه الله له في حياته حالتان:
الأولى: أحوال هو مقهور مجبور أن يسلم فيها لله كوجوده، ويوم ولادته، ولونه وشكله، وطوله وعرضه، ومرضه وصحته، وحركة قلبه ومعدته وروحه، ونحو ذلك.
وكل ذلك وأمثاله لا تستطيع أن تفعله، بل أنت مكره فيه، ومجبور عليه، أن تسلم لله فيما يريد، ويجري عليك قدر الله في جميع ذلك، سواء أردت أو لم ترد.
الثانية: أحوال هو فيها مختار، وهي ما أعطاه الله فيها إرادة أن يفعل أولا يفعل، يسلم أو لا يسلم.
فهو مختار أن يؤمن أو يكفر.
أو يطيع أو يعصي.
أو يعدل أو يظلم.
أو ينفع أو يضر.
وهو محاسب على اختياره.
فالله عزَّ وجلَّ جعل في حياة بعض مخلوقاته كالإنس والجن مناطق الاختيار، يعطيهم فيه الحرية في أن يختاروا ما شاءوا، ومناطق هم مكرهون فيها، مقهورون عليها، لا اختيار لهم فيها، بل اختارها الله لهم، وتكفل بها، وأنفذها فيهم.
فقد يحدث للإنسان شيء أو يمرض أو يقع له ما يكرهه، ولو كان للإنسان هنا إرادة حرة لمنع حدوثه ما دام يكرهه، ولكنه مقهور لأمر الله فيه، لا يستطيع دفعه.
وما دام يكره شيئاً لا يستطيع دفعه فهو مكره ومجبور أن يسلم لله سبحانه فيما أراد.
ففي مثل هذه الأمور الإنسان مسلم لله كرهاً بلا اختيار.
بينما في أمور الدين الإنسان مسلم لله طوعاً باختياره، فيستطيع أن يصلي ويصوم، ويتصدق ويذكر الله، ويستطيع ألا يفعل ذلك.
وكل ما في السموات والأرض خاضع لله عزَّ وجلَّ مقهور بأمره، مسلم له، عبد له كما قال سبحانه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)} [آل عمران: ٨٣].
فكل من في السموات والأرض أسلم لله جلَّ جلاله، والمطلوب من الإنسان أن ينسجم مع الكون كله في التسليم لله سبحانه، ويسلم حركته الاختيارية فيه لله سبحانه، وهي طاعة أمره وشرعه، كما أسلم لله فيما يكرهه ولا يقدر عليه.
تسلم لله فيما يريد، ويجري عليك قدر الله في جميع ذلك، سواء أردت أو لم ترد.
الثانية: أحوال هو فيها مختار، وهي ما أعطاه الله فيها إرادة أن يفعل أولا يفعل، يسلم أو لا يسلم.
فهو مختار أن يؤمن أو يكفر.
أو يطيع أو يعصي.
أو يعدل أو يظلم.
أو ينفع أو يضر.
وهو محاسب على اختياره.
فالله عزَّ وجلَّ جعل في حياة بعض مخلوقاته كالإنس والجن مناطق الاختيار، يعطيهم فيه الحرية في أن يختاروا ما شاءوا، ومناطق هم مكرهون فيها، مقهورون عليها، لا اختيار لهم فيها، بل اختارها الله لهم، وتكفل بها، وأنفذها فيهم.
فقد يحدث للإنسان شيء أو يمرض أو يقع له ما يكرهه، ولو كان للإنسان هنا إرادة حرة لمنع حدوثه ما دام يكرهه، ولكنه مقهور لأمر الله فيه، لا يستطيع دفعه.
وما دام يكره شيئاً لا يستطيع دفعه فهو مكره ومجبور أن يسلم لله سبحانه فيما أراد.
ففي مثل هذه الأمور الإنسان مسلم لله كرهاً بلا اختيار.
بينما في أمور الدين الإنسان مسلم لله طوعاً باختياره، فيستطيع أن يصلي ويصوم، ويتصدق ويذكر الله، ويستطيع ألا يفعل ذلك.
وكل ما في السموات والأرض خاضع لله عزَّ وجلَّ مقهور بأمره، مسلم له، عبد له كما قال سبحانه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)} [آل عمران: ٨٣].
فكل من في السموات والأرض أسلم لله جلَّ جلاله، والمطلوب من الإنسان أن ينسجم مع الكون كله في التسليم لله سبحانه، ويسلم حركته الاختيارية فيه لله سبحانه، وهي طاعة أمره وشرعه، كما أسلم لله فيما يكرهه ولا يقدر عليه.
وسلطانها وجاهها، تحقق المصالح، وتوفر المغانم، وتقف باللذائذ والمتاع، والكبر والإسراف.
أما مجامع المؤمنين فتقف بمظهرها الفقير المتواضع، تهزأ بالمال والمتاع، وتسخر من الجاه والسلطان، وتدعو الناس إليها، لا باسم لذة تحققها، ولا مصلحة توفرها، ولا قربى من ذي سلطان.
ولكن باسم العقيدة تقدمها إليهم مجردة من كل زخرف، عاطلة من كل زينة، معتزة بعزة الله دون سواه.
لا.
بل تقدمها إليهم ومعها المشقة والجهد والجهاد، لا تملك أن تأجرهم على ذلك كله شيئاً في هذه الأرض.
إنما هو القرب من الله، وجزاؤه الأوفى يوم الحساب فـ: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)} [مريم: ٧٣].
الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؟.
أم الفقراء الذين يلتفون حوله؟
إنها لحكمة الله.
إنه الابتلاء.
إنه الامتحان.
أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء، عاطلة من عوامل الإغراء، لا أبهة ولا زينة، ولا زخرف ولا فخامة.
ليقبل عليها من يريدها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه، وتعارفوا عليه من قيم ومغريات، وينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والزخرف، ومن يطلب المال والمتاع، ومن يركض وراء المنصب والجاه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)} [مريم: ٧٣].
وإذا غفل الناس عما جاء به الأنبياء من الحق، وأعرضوا عنه إلى غيره، استدرجهم الله من النعم إلى النقم كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)}
[الأنعام: ٤٤،٤٥].
فهم يحسبون أن الإملاء لهم بعض الوقت، وإمدادهم بالأموال والبنين في فترة الاختبار، مقصود به المسارعة لهم في الخيرات، وايثارهم بالنعمة والعطاء: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٥،٥٦].
إنما هي الفتنة والابتلاء، ولكنهم لا يشعرون لشدة سكرهم وغفلتهم بما وراء المال والبنين من مصير قادم، وشر مستطير، وعقاب ينتظرهم في النار: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)} [التوبة: ٥٥].
والمشركون الذين لا يؤمنون بالآخرة، والذين تنكبوا الطريق، لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة ولا الابتلاء بالنقمة.
فإن أصابتهم النعمة حسبوها إكراماً لهم على حسن عملهم كما قال سبحانه: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٥،٥٦].
وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم، ولم تستيقظ ضمائرهم، ولم يرجعوا إلى الله، يتضرعون له، ليكشف عنهم الضر، ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة، فإذا هم حائرون يائسون: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)} [المؤمنون: ٧٥،٧٦].
وإذا كان الإيمان درجات.
والرسل درجات.
والأعمال درجات.
فكذلك الابتلاء درجات.
وأشده ما خص الله به أنبياءه ورسله.
فهم أعظم الناس ابتلاء.
وأكملهم صبراً.
وأوفرهم أجراً.
فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو الاستسلام لله بالطاعة والعبودية، وبذل كل شيء، وترك كل شيء من أجل ذلك.
فإبراهيم خليل الرحمن ابتلي بذبح ابنه إسماعيل، فما كاد يأنس به حتى ابتليبذبحه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: ١٠٢].
إنها إشارة وليست وحياً صريحاً، ولا أمراً مباشراً، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي، فلبى دون أن يعترض أو يسأل.
ولم يلبِّ في انزعاج ولا جزع، بل استجاب مطمئناً راضياً واثقاً أنه يؤدي واجبه، والذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي.
إن الأمر شاق على النفس جداً، فالله لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى المعركة.
ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.
إنما يطلب إليه أن يتولى ذبح ابنه بيده.
وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض، ويطلب إليه أن يرى فيه رأيه.
إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه وينتهي، إنما يعرض الأمر عليه، كالذي يعرف المألوف من الأمر، فالأمر في حسه هكذا، ربه يريد فليكن ما يريد، وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة واستسلاماً، لا قهراً ولا اضطراراً؛ لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر، ويتذوق حلاوة التسليم لأمر ربه.
إن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - يحب لابنه إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - أن يتذوق حلاوة الإيمان، ولذة التطوع التي ذاقها.
فماذا كان من أمر الغلام الذي يعرض عليه الذبح تصديقاً لرؤيا رآها أبوه؟.
{قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)} [الصافات: ١٠٢].
لقد تلقى الأمر لا في طاعة فحسب، ولكن في رضى كذلك ويقين.
ثم هو الأدب مع الله بالاستعانة به على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة.
فلم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، إنما أرجع الفضل كله لله، إنْ هو أعانه على ما يُطلب إليه، وأصبره على ما يراد به.
ثم يزيد البلاء بدفعه إلى التنفيذ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)} [الصافات: ١٠٣].
ألا ما أعظم هذا الابتلاء، لقد كب إبراهيم ابنه على جبينه ليذبحه، والغلام استسلم للذبح فلا يتحرك اقتناعاً، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً.
لقد أسلما، فهذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة، وطمأنينة ورضى، وتسليم وتنفيذ.
وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي تنبي عن الإيمان العظيم.
إنها ليست الشجاعة ولا الاندفاع، إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل، القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون.
بل هنا الرضا الهادي المتذوق لحلاوة الطاعة.
وهنا كان إبراهيم وإسماعيل قد أسلما، ولم يبق إلا أن يذبح إبراهيم ابنه إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه.
وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، بعد ما وضع الأب وابنه في هذا الميزان من روحهما وعز مهما كل ما أراده الله منهما، فالابتلاء قد تم، ولم يبق إلا الألم البدني، وإلا الدم المسفوح، والجسد الذبيح.
والله عزَّ وجلَّ لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء، ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء.
فلما علم الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما، فاعتبرهما قد أديا، فأثمر الصدق والنجاة: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)} [الصافات: ١٠٤،١٠٥].
فالله عزَّ وجلّ لا يريد إلا الإسلام والاستسلام، بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله، أو تعزه عن أمره، أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد، ولو كانت هي النفس والحياة.
فلما بذلا ذلك ولم يبق إلا اللحم والدم، فهذا ينوب عنه ذبح آخر، ذبح من لحم ودم، ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت بذبح عظيم، يذبح بدل إسماعيل، وهذا جزاء المحسنين، ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى تذكيراً بهذا الحادث العظيم.
الذي تجلت فيه حقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وجمال التسليم، وجمال الرحمة، وجمال البذل، وكمال التضحية.
وليعرف العباد أن الله لا يريد أن يعذبهم بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه نفوسهم طائعة ملبية وافية، مؤدية مستسلمة، لا تقدم بين يديه، ولا تتألى عليه.
فإذا علم الله منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام، واحتسبها لها وفاءً وأداءً، وقَبِل منها، وفداها وأكرمها، فهي تذكر بالخير على توالي الأجيال والقرون: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)} [الصافات: ١٠٦ - ١١١].
وقد ابتلى الله عزَّ وجلّ نبيه أيوب - صلى الله عليه وسلم - ليمتحن صبره، فكان يعيش في نعمة من المال والأهل والصحة.
فسلبه الله المال حتى لم يبق لديه شيء.
وسلبه الأهل والأولاد حتى لم يبق له إلا زوجه.
ثم سلبه الله الصحة، وابتلاه بالمرض حتى أصبح لا يخدم نفسه، ونفخ الشيطان في جسده حتى تقرح ثم تقيح.
والشيطان يأتي إليه في كل حال، ويذكره بالمال والأهل والعافية، ولكنه لا يبالي به صابراً لله كما قال الله عنه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)} [ص: ٤٤].
ثم جاء الشيطان إلى زوجة أيوب، وذكرها بحالها الأولى، فاعترضت مرة على أيوب، فعلم أن الشيطان سوَّل لها، وحلف ليضربنها مائة سوط، فلما شفاه الله، وكانت امرأته صالحة محسنة إليه أفتاه الله أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة ليبر بيمينه كما قال سبحانه: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)} [ص: ٤٤].
فكان ما أصاب أيوب بسبب الشيطان، فشكاه إلى ربه، وصبر على هذا البلاء كله، فشفاه الله لأنه كمل مراتب العبودية لربه، فأمره أن يضرب الأرض برجله لينبع منها ماء يغتسل منه ويشرب، فيذهب عنه الضر، ففعل وذهب عنه الضر، وشفاه الله عزَّ وجلَّ.
ووهب له أهله ومثلهم معهم، وأغناه وأعطاه مالاً عظيماً، وعافاه في بدنه لكمال صبره على البلاء، وقوة يقينه على ربه كما قال سبحانه: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)} [ص: ٤١ - ٤٣].
فليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر أن الله تعالى يثيبه عاجلاً وآجلاً، ويستجيب دعاءه إذا دعاه، كما صبر أيوب - صلى الله عليه وسلم - على البلاء لوجه الله تعالى، وشكا إلى ربه وأناب إليه، فاستجاب له، وشفاه وأغناه فنعم العبد، ونعم الصابر، ونعم الرسول: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)} [ص: ٤٤].
والأنبياء فعلوا الأسباب، وأكلوا الطعام، وتزوجوا النساء؛ لأنهم قدوة للناس، وأكثر الأمة تركوا سنن العادة، وقاموا بسنن العبادة، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
(١) أخرجه مسلم برقم (٩١٨).
مختارات

