حارس التوحيد
كان المشهد يغلي بصمت.
طوافٌ لا ينقطع، ودوائر بشرية تبتلع بعضها، وكل العيون معلقة بزاوية واحدة: الحجر الأسود.
الناس هناك، في تلك اللحظة، ليسوا مجرد طائفين؛ إنهم كتلة من المشاعر المندفعة نحو “جماد” له في القلوب رهبة تتجاوز التفسير.
زحام، وأيدٍ ممتدة، وأنفاس تلهث خلف برَكةٍ يُظن وجودها أو سرٍ مكنون.
وسط هذا كله، وقف عمر.
لم يكن الرجل الذي تحركه العواطف الجماعية، ولا هو ممن تبهره المشاهد المعتادة.
كان يملك تلك النظرة التي تنفذ خلف الجلد، وخلف المادة، لتمسك بجوهر الأمر.
تقدم.
لم يتردد، ولم يندفع.
قبّل الحجر.
لكنه قبل أن يمضي، أراد أن يضع “النقطة” التي تحمي السطر كله من الانحراف.
التفت إلى الحجر، وخلفه آلاف الآذان، وقالها بصرامة الفارس:“إني لأعلم أنك حجر.
لا تضر ولا تنفع”.
بهذه الكلمات، قطع عمر ما قد يُتوهم فيه من سر أو تأثير.
كسر هيبة المادة ليعيد بناء هيبة التوحيد.
هذا الذي تتقاتلون للوصول إليه، لا يملك لنفسه نفعاً، فكيف يملكه لكم؟
ثم جاءت الضربة القاضية لكل فلسفة دخيلة:“ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبّلك ما قبّلتك”.
انتهى الكلام.
المسألة ليست سراً مودعاً في صخرة، ولا فيضاً روحياً يخرج من سوادها.
المسألة ببساطة: “نحن نتبع”.
نقبّل لأننا رأيناه يُقبل، ونقف حيث وقف، وننتهي حيث انتهى.
الفارق بين فعل عمر وفعل غيره، هو المسافة بين “الاتباع” وبين “التعلق”.
يدُ عمر لمست الحجر، لكن قلبه كان يحلق بعيداً، في سماء لا شريك فيها لرب العالمين.
لم يكن يلقي درساً في الفقه، بل كان يحرس “الحدود”.
يضع سياجاً محكماً حول القلوب؛ كي لا تزلّ القدم، فنتحول من أمة تعبد رب الحجر، إلى أمة تفتتن بالحجر تحت مسمى الحب والبركة.
عمر في تلك اللحظة، كان يخبرنا أن “الأثر” طريق، وليس مقصداً.
وأن القبلة التي لا تقودك لله وحده، هي قبلة فقدت حقيقتها وإن كانت في جوف الكعبة.
رضي الله عن عمرورضي الله عن كل من فعل ما فعله عمرواعتقد ما اعتقده عمرونعوذ بالله من المضلين.
مختارات

