الرضا محفوظ في السماء
بدأت القصة من السماء، لا من الأرض.
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾جاءت النتيجة قبل القصة.
الرضا قبل التفاصيل.
كأن الله أراد أن يقول لنا: اعرف مَنْ هؤلاء قبل أن تسمع ما فعلوا.
كانوا قد خرجوا لعمرة، لا لحرب ولا لفتح.
قلوبهم معلّقة بالبيت، وخطواتهم تسير في هدوء المؤمن الواثق.
لكن الطريق توقف، وقريش أغلقت الأفق.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه — رجلاً عرفت قريش قدره وحرمته — رسولاً إليها يُفاوض ويُبلّغ.
دخل مكة يحمل كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ويطلب لهم الإذن بأداء العمرة في سلام.
ثم جاء الخبر الذي قلب الموازين: أن عثمان قد قُتل"(وكان الخبر غير صحيح)
فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن عثمان قُتل، قال: “لا نبرح حتى نناجز القوم.
” فكانت البيعة.
وقف النبي عليه الصلاة والسلام — لا بخطبة طويلة ولا بغيرها — بل بنداء يفهمه من عرف الحق: بايعوا.
فاجتمعوا تحت شجرة في صحراء، ومدّوا أيديهم واحداً بعد واحد.
لم يسألوا كم نحن.
ولم يسألوا ماذا سنكسب.
بايعوا على شيء واحد: ألا يفرّوا.
ليس على النصر، بل على الثبات.
وفي تلك اللحظة اصطفاهم الله برضاه، رضا لا يُنال بالظنون، بل بشهادة من الله العلي العظيم.
وشهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام: “لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة.
”شجرة في صحراء.
لكنها حملت فوقها قلوباً، فصارت أعظم من كثير من المعالم.
مرّت السنوات، وبقي المكان.
وجاء قوم لم يشهدوا البيعة، لكنهم أحبّوا الذكرى.
فصاروا يأتون إلى الشجرة — يقفون عندها، يصلّون، يستحضرون اللحظة.
قلوبهم طيبة، ونياتهم حسنة، والمكان يحمل ذكرى عظيمة.
لكن عمر بن الخطاب نظر إلى ما لا يراه غيره.
لم ير شجرة، بل رأى طريقاً قد يُفتح.
رأى أن التعلق بالأثر إذا لم يُضبط صار مقصداً، وإذا صار مقصداً صار باباً، وإذا صار باباً لم يعرف أحد ما يدخل منه.
وقد أخبرنا نافع مولى ابن عمر أن عمر رضي الله عنه لما رأى الناس يقصدون الشجرة ويصلون عندها أمر بقطعها.
لم يكن إنكاراً لفضلها، ولا نسياناً لقدرها.
كان حماية لما هو أعظم منها.
كأن لسان حاله يقول: ذلك الاصطفاء الذي كُتب لهم هناكمحفوظ في السماء، لا في جذع شجرة في الأرض.
قطع الشجرة، فأغلق باباً.
وهنا يكتمل المشهد.
قوم بايعوا تحت الشجرة فنالوا رضا الله.
وقوم من نفس الجيل حرسوا هذا الرضا من أن يتحول إلى شيء آخر.
الأولون صنعوا المجد.
والآخرون حفظوا المعنى.
لأنهم فهموا جميعاً — من بايع ومن قطع — أن الأثر هو الطريق.
وأن أعظم ما تحافظ عليه ليس المكان، بل ما يشير إليه المكان.
فثمة فرق دقيق بين أن تمرّ على الأثر وبين أن تقف عنده.
وبين أن تتبع الطريق وبين أن تنشغل بعلاماته.
وبين أن تحب الذكرى وبين أن تتعلق بها حتى تصير هي الغاية.
هذا الفرق — الذي لا يراه إلا من أبصر بداية الطريق قبل نهايته — هو الذي حفظ التوحيد في قلوب أولئك الرجال.
وهو الذي يحفظه في كل قلب يفهم لماذا قطع عمر تلك الشجرة.
؟!
رضى الله عنك يا عمرورضى الله عن أهل بيعة الرضوان
مختارات

