فقه الدعوة إلى الله (٩)
فالمسلم يقوم بالدعوة إلى الله، فإذا اهتدى الكفار والعصاة كان له أجران:
أجر لبيان الطريق المستقيم، واستمرار البلاغ عن الله لعباده.
وأجر على من اهتدى من الكفار أو تاب من العصاة.
وموكب المؤمنين مستمر في نشر الهداية بعد الرسل كما قال سبحانه: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)} [يس: ٢٠، ٢١].
والناس يسبون صاحب الدنيا ويذمون بضاعته، لكنه صابر لم يغلق دكانه، يتحمل منهم كل شيء من أجل أن يكسب من ورائهم.
وكذلك الداعي إلى الله إذا لم يتحمل الناس فإنه لا يكون سبباً لهدايتهم، فالصبر والعفو، والإحسان والتواضع، والرفق والحلم، والرحمة والشفقة، كل هذه أبواب عظيمة يدخل منها الناس إلى الإسلام.
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية أول مرة، ورجع كثير من الناس إلى الجاهلية التي كانوا عليها، فأشركوا مع الله أرباباً أخرى تصرف حياتهم بشرائعها البشرية، وقوانينها الأرضية.
ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد للدخول فيه، إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والعبودية، وتلقى منهج الحياة كله من الله وحده لا شريك له، ونبذ كل ما سواه بالدعوة إلى الله كما بينها الله ورسوله، أما الذين ينفقون أموالهم في البحوث النظرية، وفي الأحكام الفقهية التي لا مقابل لها من الواقع، فنحسب أنهم لو أنفقوا هذه الأوقات في إعادة إنشاء المجتمع المسلم الذي أن كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لنشأ عن ذلك دخول فئات في هذا الدين من جديد كما دخل الناس فيه أول مرة.
وينشأ عن ذلك خلافة راشدة، ومجتمع مسلم، ثم يحتاج هذا المجتمع معرفة الأحكام التي تنظم علاقته بربه، كما يحتاج إلى معرفة الأحكام التي تنظم علاقاته فيما بينه، وعلاقاته مع غيره.
إن الإسلام كما يأمر بالصبر والانتظار، فهو كذلك يأمر بإعداد القوة والحركة والجهاد لإعلاء كلمة الله.
فلا يمكن أن يقف كامناً منتظراً طول الأمد، عقيدة مجردة في نفوس أصحابه، تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم.
بل لا بد له مع ذلك أن يواصل الخطى لإنشاء مجتمع إسلامي متميز، يكون واقعاً مشهوداً في الحياة، وأن يزيل العوائق التي تمنعه من إقامة شرع الله في أرضه.
وما أكثر المهزومين في هذا الزمان أمام الواقع البائس لكثير من المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه.
وأمام الهجوم الماكر على أصل الجهاد في الإسلام من أعدائه.
فهؤلاء يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهرباً من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الإسلامي في الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد، وردهم جميعاً إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الطواغيت والقوى التي تقهرهم على عبادة غير الله، والتحاكم إلى غير شرعه.
فيقولون إن الله يقول: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)} [الأنفال: ٦١].
ويقول: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)} [البقرة: ١٩٠].
وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد صلح الحديبية مع المشركين، وعقد معاهدة مع يهود المدينة ومشركيها، ولا عليه أن يعبد بقية البشر ما يعبدون من دون الله، ما دام هو آمناً في سربه.
وهذا سقوط تمليه الهزيمة أمام الواقع البائس، وأمام القوى المعادية للإسلام، والتي لا طاقة لهم بها، وذلك سوء ظن بالإسلام، وسوء ظن بالله سبحانه.
فهذه النصوص السابقة التي يلجأون إليها نصوص مرحلية، تواجه واقعاً معيناً، وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الأمة المسلمة، وفي هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية؛ لأن واقعها يقرر مناسبتها.
ولكن ليس معنى هذا أن هذه هي غاية المنى، وأن هذه هي نهاية خطوات هذا الدين.
إنما على الأمة أن تسعى في تحسين ظروفها، وإزالة العوائق من طريقها، حتى تتمكن في النهاية من تطبيق الأحكام النهائية الواردة في هذه القضية.
فالنصوص الأخيرة تقول: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)} [التوبة: ١، ٢].
وتقول في شأن الكفار: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)} [التوبة: ٣٦].
وتقول في شأن أهل الكتاب: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)} [التوبة: ٢٩].
فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون تحقيق هذه الأحكام، فهم الآن مؤقتاً غير مكلفين بتحقيقها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها، حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة فيما بعد حين يستطيعون تنفيذها، ولكن عليهم ألا يلووا أعناق النصوص النهائية لتوافق أحكام النصوص المرحلية.
والمؤمنون والدعاة إلى الله قد يجدون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد أكثر الناس، وهنا يرشدهم الله إلى الحل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)} [يونس: ٨٧].
اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها ما أمكن، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة على نفسها لتطهر وتزكو حتى يأتي وعد الله.
واعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تمتثل فيها أوامر الله، وتحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح.
إن وجود القلة المؤمنة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى، شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية التي تعارضها وتؤذيها.
كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو، وترث الأرض، وتعمرها حسب أمر الله.
إن هذه العصبة المسلمة التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها، والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة، والتعذيب والتنكيل، والسحق والقتل، إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة.
وما عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها، وأن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه، وأن تصبر حتى يأتي الله بأمره، وأن تثق أن وليها قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لا يمكن أن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء، وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سينصرها ويمكن لها بلا ريب، فالله حكيم يربي بالبلاء الداعي والمدعو معاً.
لقد دعا نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا القليل، وعندما لجأ نوح إلى ربه، والقوم يطاردونه ويزجرونه، ويفترون عليه، ويسخرون منه، ويكذبونه كما قال سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)} [القمر: ٩، ١٠].
عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه مغلوب، ويدعو ربه أن ينتصر لعبده المغلوب، والله يسمعه ويراه، ويرى ما يفعل به، عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة، وأرسل جندياً من جنوده ليكون في خدمة ونصرة عبده المغلوب: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)} [القمر: ١١، ١٢].
إن هذه العصبة المؤمنة غالية عند الله، وقد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء، وأهلك كل حي، ومكن لها في الأرض.
وبينما كانت تلك القوى الكونية تزاول عملها في إهلاك القوم المكذبين كان الله مع رسوله وعباده المؤمنين المغلوبين: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)} [القمر: ١٣، ١٤].
فهل يتعظ بذلك الطرفان المؤمن والكافر: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)} [القمر: ١٥].
لقد طوى الطوفان المكذبين من قوم نوح، واستبعدوا من الحياة ومن رحمة الله سواء، ولم يبق على الأرض من الكافرين دياراً.
والمؤمنون أنجاهم الله، واستخلفهم في الأرض، تحقيقاً لوعده سبحانه، وسنته التي لا تتبدل: {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)} [هود: ٤٨].
وتلك سنة الله في كل من ترك الهدى واتبع الهوى وكذب الرسل: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)} [الفرقان: ٣٧ - ٣٩].
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى الله.
كما لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية، فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده المنتسب إليه، الذي يستنصر به، وهو يؤدي رسالته إلى خلقه.
وإن قوى الجاهلية والكفر تملك من قواها ما تخيف به الناس، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله التي تملك الكون وما فيه، فالقوى ليست متكافئة ولا متقاربة.
وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله كما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله، والله مع المؤمنين المتقين يكلؤهم وينصرهم كما قال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)} [غافر: ٥١، ٥٢].
والذين يسلكون السبيل إلى الله عليهم أن يؤدوا واجبهم كاملاً بكل ما في طاقتهم من جهد، ويستقيموا على أوامر الله، ثم يدعون الأمور لله في طمأنينة وثقة بالله.
وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين الذي بيده كل شيء، وأن يجأروا إليه بالدعاء كما جأر عبده الصالح نوح: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)} [القمر: ١٠ - ١٤].
وكما جأر محمد - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء يوم بدر، واستغاث بربه كما قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)} [الأنفال: ٩، ١٠].
فالمسلم يبذل ما يملك من جهد وطاقة، ويستقيم على أوامر الله، ويتوكل على ربه، ويتوجه إليه وحده، ثم ينتظر فرج الله القريب: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)} [الأنبياء: ٧٦، ٧٧].
وإبراهيم لما دعا قومه إلى الله فلم يستجيبوا وأرادوا إحراقه بالنار دعا ربه وتوجه إليه، فلما ألقوه في النار وجه الله أمره إلى النار: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)} [الأنبياء: ٦٩، ٧٠].
ويونس لما دعا ربه في ظلمات البحر لينجيه من الكرب استجاب الله له كما قال سبحانه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)} [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
والدعوة إلى الله هي استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة، فيها الصدق والبساطة، والاستقامة والحرارة لنشر الهداية.
فمتى استشعر القلب حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في قلبه، فلم يطق عليها سكوتاً: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)} [يس: ٢٠، ٢١].
فالداعي إلى الله لا يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله، ويرى الجحود والفجور، ويرى الظلم والطغيان والفساد.
فهذا الرجل سعى بالحق الذي استقر في قلبه، وتحرك في شعوره، وسعى به إلى قومه ناصحاً لهم، وهم يكذبون ويهددون.
جاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشك أن يصبوه على المرسلين.
والذي يظهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولكنها العقيدة الحية تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة ناصحاً لقومه: {قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)} [يس: ٢٠، ٢١].
إن الذي يدعو هذه الدعوة وهو لا يطلب أجراً ولا يبتغي مغنماً إنه لصادق، وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله؟.
وما الذي يدفعه إلى حمل همّ الدعوة ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة، والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسباً، ولا يطلب منهم أجراً.
ثم يتحدث عن نفسه هو، وعن أسباب إيمانه فيقول: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)} [يس: ٢٢].
ما الذي يحيد بي عن عبادة ربي؟.
فالفطرة مجذوبة إلى الذي فطرها تتجه إليه أول ما تتجه، فلا تنحرف عنه إلا بدافع آخر خارج على فطرتها، وهو يحس كذلك أن المخلوق يرجع إلى الخالق في النهاية، كما يرجع كل شيء إلى مصدره الأصيل، فلم لا أعبد الذي فطرني، والذي إليه المرجع والمصير، فمن حقه أن يعبدوه ولا يعبدوا معه غيره.
ثم يقرر الداعي في وجه قومه المكذبين المهددين قائلاً لهم: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)} [يس: ٢٥].
قال ذلك لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد، ومن كل تكذيب، فهذا الداعي جزاؤه الجنة: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)} [يس: ٢٦، ٢٧].
فأما الطغيان الذي واجهه فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره فهو ضعيف، فما كانت إلا صيحة واحدة صرعت القوم، وأخمدت أنفاسهم: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)} [يس: ٢٨، ٢٩].
فما أعظم جهل العباد بربهم، وما أشد تكذيبهم لرسله: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)} [يس: ٣٠ - ٣٢].
إن الدعوة إلى التوحيد التي بعث الله بها رسله كما أن لها أنصاراً، فلها كذلك أعداء يقلبون الحقائق، ويقاومون أهلها، ويوهمون الناس أن وراء هذه الدعوة خبيئاً غير ظاهرها، وأنهم هم الكبراء العالمون ببواطن الأمور، المدركون لما وراء هذه الدعوة من خبئ.
ولهذا يعجبون من دعوة التوحيد الخالصة؛ لأنها خطر عليهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)} [ص: ٥].
فلا يغتر الناس بهذه الدعوة، فليس ما جاءوا به هو الدين الحق، إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة، شيء ينبغي أن يدعه الناس لأربابه، ولمن يحسنون فهم المخبآت، فليطمئن الناس؛ لأن الكبراء ساهرون على مصالحهم: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)} [ص: ٦].
ثم يموهون على الناس بأنهم يعرفون الدين، وأنهم أحرص على مصالحهم، وأن ما جاء به هؤلاء ليس التوحيد الذي يعرفه الناس من قديم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)} [ص: ٧].
هكذا قالت قريش، فعقيدة التثليث قد شاعت عند النصارى، وأسطورة العزير قد شاعت عند اليهود، وهما منحرفتان عن التوحيد الخالص: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)} [التوبة: ٣٠].
فكفار قريش كانوا يقولون ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله عند أهل الكتاب.
مختارات

