فقه الدعوة إلى الله (١٠)
والله عزَّ وجلَّ بعث الأنبياء وأرسل الرسل بأمرين:
بالدعوة والعبادة.
بالهداية والاستقامة.
وكلهم سار في هذا الطريق، وكلهم عانى، وكلهم ابتلي، وكلهم صبر.
وكان الصبر هو زادهم جميعاً، وطابعهم جميعاً، كل حسب درجته في سلم الأنبياء والمرسلين.
لقد كانت حياتهم صلوات الله وسلامه عليهم كلها تجربة مفعمة بالابتلاءات، مفعمة بالآلام، وحتى السراء كانت ابتلاء، وكانت محكاً للصبر على النعماء، بعد الصبر على الضراء، وكلتاهما في حاجة إلى الصبر والاحتمال.
وقد اختار الله لهم هذه الحياة وإنها لكذلك، فحياتهم صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية، لتسجل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات؟، وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض؟، وكيف تتجرد من الشهوات والمغريات من أجل الله؟، وكيف تخلص لله، وتنجح في امتحانه، وتختاره على كل شيء سواه؟.
ثم لتقول للبشرية في النهاية قولاً عملياً صريحاً: هذا هو الطريق إلى الاستعلاء والعلو بالحق الذي يريده الله، هذا هو الطريق إلى الله دعوة واستقامة وصبر: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)} [هود: ٤٩].
وعلى المؤمنين بالرسل وأتباعهم مثل ذلك الصبر والتقوى كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)} [آل عمران: ٢٠٠].
إن النهوض بواجب الدعوة إلى الله في مواجهة التواءات النفس البشرية وجهلها، واعتزازها بما ألفت، واستكبارها أن يقال إنها كانت على ضلالة، وحرصها على شهواتها، وعلى مصالحها، وعلى مركزها الذي قد تهدده الدعوة إلى إله واحد، كل البشر أمامه سواء.
إن النهوض بواجب الدعوة في مواجهة هذه الظروف أمر شاق، ولكن شأنه عظيم: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)} [فصلت: ٣٣].
إن كلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات، فتصبح الدعوة خالصة لله، ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ والبيان.
ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض، أو بالإنكار أو بسوء الأدب، فهو إنما يتقدم بالحسنة، ويرجو من ربه الحسنى، فليس له أن يرد بالسيئة، فالصبر والتسامح وعدم مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء، ومن الجماح إلى اللين، ومن العداوة إلى المحبة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)} [فصلت: ٣٤، ٣٥].
وبذلك ينقلب الهياج إلى وداعة، والغضب إلى سكينة، والتبجح إلى حياء، والاستكبار إلى تواضع، والشدة إلى سماحة.
غير أن تلك السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرد، حتى لا يصدر الإحسان في نفس المسيء ضعفاً.
ودفع السيئة بالحسنة والسماحة والصبر درجة عظيمة لا يلقاها كل إنسان، فهي في حاجة إلى الصبر، وهي كذلك حظ موهوب يتفضل به الله على عباده الذين يحاولون فيستحقون: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)} [فصلت: ٣٥].
والغضب قد ينزغ، وقد يلقي الشيطان في الروع قلة الصبر على الإساءة، وضيق الصدر عن السماحة، وحينئذ لا بدَّ من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم الذي يستغل الغضب فينفذ منه إلى قلب الإنسان: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)} [فصلت: ٣٦].
والداعي إلى الله لا يطلب من الناس أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى نعيم الجنة، وينأى بهم عن عذاب النار، إنما هي مودته وحبه لهم لقرابتهم منه، وحسبه ذلك أجراً: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)} [الشورى: ٢٣].
فما أعظم فضل الله على عباده، ليس هو مجرد تناول الأجر على الهداية، بل إنها الزيادة والفضل، ثم هي بعد هذا كله المغفرة والشكر.
والله غفور شكور يشكر عباده، ويعظم لهم الأجور، وهو الذي وهبهم التوفيق على الإحسان، ثم هو يزيد لهم الحسنات، ويغفر لهم السيئات، ويشكر لهم بعد هذا وذاك.
فيا للجود والفيض، والمعروف والإحسان، الذي يعجز الإنسان عن معرفته ومتابعته فضلاً عن شكره.
والله تبارك وتعالى يوجه عباده المؤمنين والدعاة إلى الله ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله، مع المخالفين المحرومين كما قال سبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)} [الجاثية: ١٤].
هذا توجيه كريم من الكريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله، تسامح المغفرة والعفو، وتسامح الكبر والارتفاع، وتسامح القوة والاستعلاء.
فالذين لا يرجون أيام الله مساكين، يستحقون العطف أحياناً، لحرمانهم من ذلك النبع الصافي، نبع الإيمان بالله، والطمأنينة إليه، والاحتماء بركنه، وحرمانهم كذلك من المعرفة الحقيقية بالله، وبأسمائه وصفاته وأفعاله.
والمؤمنون الذين يملكون كنز الإيمان وذخره، ويتمتعون برحمته وفيضه، أولى بالمغفرة لما يبدو من أولئك المحرومين من نزوات وحماقات هذا من جانب.
ومن جانب آخر ليترك هؤلاء المؤمنون الأمر كله لله يتولى جزاء المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ويحسب لهم العفو والمغفرة عن الإساءة في سجل الحسنات.
وكل عائد إلى الله، وهناك الجزاء على العمل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)} [الجاثية: ١٥].
وبذلك يتسع صدر المؤمن، ويرتفع شعوره، ويحتمل الإساءة الفردية المتكررة، والنزوات الحمقاء من الجاهلين والمطموسين في غير ضعف وفي غير ضيق، فهو أكبر وأفسح وأقوى.
وهو حامل مشعل الهدى للتائهين المحرومين من النور، وحامل بلسم الشفاء للمحرومين من النبع، وهو مجزي بعمله لا يصيبه من وزر المسيء شيء، والأمر لله في النهاية، وإليه المرجع والمآب والحساب والعقاب: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)} [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم النبيين، وقد أوصاه ربه بالصبر والثبات في جميع الأحوال كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)} [الروم: ٦٠].
وقد سبقته تجارب النبيين أجمعين في حقل الرسالة، ليكون هو صاحب الحصاد الأخير، وصاحب الرصيد الأخير، وصاحب الزاد الأخير، فيعينه هذا على عبئه الثقيل الكبير.
عبء هداية البشرية جميعها.
وعبء هداية الأجيال كلها.
لا جيل واحد ولا قرن واحد كما كانت مهمة الرسل قبله، وعبء إمداد البشرية بعده بكل أجيالها وكل أقوامها بمنهج دائم ثابت صالح لتلبية ما يجدّ في حياتها من أحوال وأوضاع وتجارب.
إن مشقة الدعوة هي مشقة الصبر لحكم الله حتى يأتي موعده في الوقت الذي يريده بحكمته.
وفي طريق الدعوة مشقات كثيرة:
مشقات التكذيب والتعذيب.
ومشقات الالتواء والعناد.
ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه.
ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون.
ثم مشقات إمساك النفس عن هذا كله.
ولزومها الحق راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق.
لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق مهما كانت مشقات الطريق.
وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق، وبذلك أوصى الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل قبله بقوله:
{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)} [الأحقاف: ٣٥].
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)} [الأنعام: ٣٤، ٣٥].
ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن جعل مواكب الإيمان، ومواكب الدعوة، مستمرة دائماً تذكر الناس بربهم، وتعرفهم بمنهج الله، وتحثهم عليه، وترغبهم فيه، وتعلمهم إياه.
فأساس المنهج الإيماني، أن يواجه الداعي الناس بالدعوة إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له كما في قصة أصحاب القرية: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)} [يس: ١٤].
أما موكب الإيمان في سورة الكهف فإنهم لم يواجهوا قومهم، بل هربوا بدينهم وفروا بعيداً عن الكفار كما قال الله عنهم: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)} [الكهف: ١٠].
هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى، إنما هم يمثلون المنهج الإيماني واستمراره.
فهل في هذا تناقض؟.
يبقى الإنسان مرة يجادل.
ومرة يهرب ويفر بدينه؟.
والجواب: أن هذا عين الحكمة، فالحكمة في المثلين واحدة وإن اختلف الأسلوب.
فالله سبحانه يريد أن يبقي المنهج الإيماني مواجهاً للكفار، مجادلاً لهم حتى آخر لحظة، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد من المنهج الإيماني إذا واجه قوة ستقضي عليه أن يستسلم ويتركها تقضي عليه، إنما عليه أن يفر بدينه إلى مكان آخر، ثم يعود مرة أخرى بعد أن يكون قد قوي واستطاع المواجهة.
والله عزَّ وجلَّ لا يريد من الدعاة إلى الله أن يهربوا من المجتمع، أو أن يعتزلوا، بل لا بدَّ أن يبقوا وأن يقولوا كلمة الحق، وأن تظل الدعوة مستمرة كما في قصة صاحب يس: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)} [يس: ٢٠].
والله سبحانه في سورة الكهف قد حدد شرطين لا ثالث لهما ليفر الإنسان بدينه إلى مكان آخر، ويبدأ بالدعوة من جديد بقوله: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)} [الكهف: ٢٠].
فالفتية المؤمنون إذا بقوا فإنهم سيواجهون أحد أمرين:
إما أن يرجموهم علناً أمام الناس، ويقتلوهم على رؤوس الأشهاد، وفي هذه الحالة ينتهي موكب الإيمان من هذه البلدة.
وإما أن يجبروهم علناً على أن يعودوا إلى عبادة الأصنام، وفي هذه الحالة فالمؤمنون الذين يكتمون إيمانهم سيقتدون بهم، ويرتدون عن الإيمان كما ارتدوا هم، وتلك فتنة، وبذلك يتوقف موكب الإيمان فترة.
فالأساس والأصل استمرار موكب الإيمان بالمواجهة، أو المحافظة عليه حتى يقوى ثم يعود: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)} [الكهف: ١٣].
هؤلاء الفتية وجدوا أن بقاءهم في المجتمع الكافر سيعرضهم لأحد شيئين:
إما أن يقتلوا ويحرم المنهج ممن يدعو إليه، وفي هذه الحالة قتلهم لا يفيد المنهج؛ لأن المنهج محتاج لموكب إيماني يتحرك به.
وإما أن يكرهوا على الكفر فيصبحوا فتنة للذين آمنوا، ودعاة إلى الكفر والإلحاد، وفي هذه الحالة يحرم المنهج الإيماني من حاملين له، ومؤمنين به، ودعاة له.
وفي هذه الحالة لا بدَّ أن يفروا بدينهم إلى مكان آخر، ليعودوا مرة أخرى وهم أكثر قوة، فحين آذى الكفار النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرادوا قتله اختفى في الغار، ثم هاجر إلى المدينة، ثم عاد فاتحاً للبلد التي أخرجته، وأراد أهلها قتله.
وموكب الإيمان في الإسلام لا يهمل أمور الدنيا ويتركها، بل هو يأخذ بأسباب الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)} [الجمعة: ٩].
ولما كان الاشتغال بالتجارة والمكاسب مظنة الغفلة عن ذكر الله أمر الله الإكثار من ذكره كما قال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)} [الجمعة: ١٠].
وقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩].
وبذلك يعلم المؤمن أن موكب الإيمان يسعى دائماً إلى مواجهة الكفر والإلحاد بالحجة والبرهان، وأن هذا الموكب الإيماني لا يتوقف أبداً، وأن الكفار لعجزهم عن الحجة والبرهان والإقناع يلجأون إلى القوة والعنف.
وهؤلاء الكفار ليسوا بمعجزين في الأرض، فالله إذا تركهم في غيهم فلأنه كتب على نفسه أن يترك الإنسان مختاراً أن يؤمن أو يكفر، وليس لقوتهم وعلو شأنهم، والله قادر على أن ينصر دينه دون معونة أحد من البشر، وأن يهدي الناس جميعاً بلا دعوة أحد، ولكن مواكب الإيمان رحمة من الله سبحانه لعباده المؤمنين ليثيبهم بها في الآخرة، ويرفع درجاتهم، ويدخلهم الجنة: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)} [العنكبوت: ٦].
مختارات

