قصة موسى عليه السلام (١١)
ذكر حجّته ﵇ إلى البَيت العتيق…
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هُشَيم حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ مر بوادي الأزرق فقال: "أيُّ وادٍ هذا"؟ قالوا: وادي الأَزرق.
قال: "كأنّي أَنْظُرُ إلى مُوْسَى وَهُوَ هابِطٌ مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤارٌ إلى اللّهِ ﷿ بالتَّلْبِيَةِ" حَتَّى أتى على ثنيَّة هَرْشَى.
فقال: "أيُّ ثَنِيَّةٍ هذِهِ"؟ قالوا: هذه ثنيَّة هَرْشَى.
قال: "كأنّي أَنْظُرُ إلى يُوْنُس بنِ مَتَّى عَلَى ناقَةٍ حَمْراءَ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوْفٍ، خِطَامُ ناقَتِهِ خلبةٌ".
قال هُشيم: يعني ليفًا، "وهو يلبِّي".
وأخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند، به.
وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا أن موسى حج على ثور أحمر.
وهذا غريب جدًا.
وقال الإمام أحمد حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد قال:كنا عند ابن عباس، فذكروا الدجَّال، فقال: إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: مكتوب بين عينيه (ك ف ر)، فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك ولكن قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جملٍ أحمرَ مَخْطوم بخُلْبة، كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبِّي.
قال هشيم: الخُلْبَةُ: الليف.
ثمّ رواه الإمام أحمد عن أسود، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ: "رأيْتُ عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ومُوسى وإبراهيمَ، فأمّا عِيْسَى فأبْيَضُ جَعْدٌ عَرِيْضُ الصَّدْرِ.
وأمّا مُوْسَى فآدَمُ جَسِيْمٌ".
قالُوا: فإبراهيمُ؟ قال: "انظروا إلى صاحبكم".
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا شيبان قال: حدّث قتادة، عن أبي العالية، حَدَّثَنَا ابنُ عَمّ نبيِّكم ابنُ عباس قال: قال نبي الله ﷺ: "رأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِي بي مُوْسَى بنَ عِمْرانَ رَجُلًا طوالًا جَعْدًا كأنهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءةَ، ورَأيْثُ عِيْسَى بنَ مَرْيم مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبطَ الرأسِ".
وأخرجاه من حديث قتادة، به.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا مَعْمَر، قال الزُّهري: وأخبرني سعيد بن المسيِّب، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ: حينَ أُسْرِي به: "لقيتُ مُوسَى" فَنَعَتَهُ.
فقالَ رَجُلٌ قالَ حسِبْتُه قال: مُضْطَرِبَ - يعني طويلًا - رَجْلَ الرأس، كأنه من رجال شَنُوءةَ.
"وَلَقِيْتُ عِيْسَى".
فَنَعَتَهُ رسولُ اللّه ﷺ فقال: "رَبعةٌ أحمر كأنّما خَرَجَ مِنْ دِيماسٍ" يعني: حمامًا.
قال: "ورأيْتُ إبْراهِيْمَ وأنا أشْبَهُ وَلَدِهِ به".
الحديث.
وقد تقدَّم غالبُ هذه الأحاديث في ترجمة الخليلِ ).
* * *
[ذكر وفاته ﵇]
قال البخاري في "صحيحه": (وفاة موسى ﵇.
حَدَّثَنَا يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أُرسِل مَلَكُ الموتِ إلى موسى ﵇ فلما جاءه صَكَّهُ (١).
فرجع إلى ربّه ﷿ فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطّت يدُه بكلِّ شعرة سَنة.
قال: أيْ رب، ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت.
قال:فالآن، قال: فسأل اللهَ ﷿ أن يدنيه من الأرض المقدّسة رميةٌ بِحَجر.
قال أبو هريرة فقال رسول اللّه ﷺ "فَلو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُم قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَرِيْقِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ".
قال: وأخبرنا معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه.
وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق، به.
ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة مرفوعًا، وسيأتي.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا الحسن، حَدَّثَنَا ابن لَهِيْعَة، حَدَّثَنَا أبو يونس - يعني سليم بن جبير - عن أبي هريرة.
قال الإمام أحمد: لم يرفعه.
قال: جاء ملك الموت إلى موسى ﵇فقال: أجب ربك.
فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها.
فرجَع الملك إلى الله ﷿ فقال: إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت.
قال: وقد فقأ عيني.
قال: فرد اللّه عينَه وقال: ارجع إلى عبدي فقل له ألحياةَ تُريد؟ فإنْ كنتَ تريدُ الحياةَ فضع يدَك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة.
قال: ثمّ مَهْ؟ قال: ثمّ الموت.
قال: فالآن يا ربِّ من قريب.
تفرّد به أحمد، هو موقوف بهذا اللفظ.
وقد رواه ابن حِبان في "صحيحه" من طريق معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال معمر:وأخبرني من سمع الحسن عن رسول اللّه، فذكره، ثمّ استشكله ابن حِبّان، وأجاب عنه بما حاصله: أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ﵇ كما جاء جبريل في صورة أعرابي، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولًا، وكذلك موسى لعلّه لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه؛ لأنه دخل داره بغير إذنه.
وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير إذن.
ثمّ أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: "جاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى لِيَقْبِضَ رُوحَه قال له: أجِبْ رَبَّك.
فَلَطَم مُوسى عينَ مَلَكِ الموْتِ فَفَقَأَ عَيْنَه"، وذكر تمام الحديث كما أشار إليه البخاري، ثمّ تأوّله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له: أجب ربّك، وهذا التأويل لا يتمشّى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله: أجب ربك، بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشّى له وكأنّه لم يعرفه في تلك الصورة، ولم يحمل قوله هذا على أنّه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنّه ملَك كريم؛ لأنه كان يرجو أمورًا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجهم من التيه، ودخولهم الأرض المقدّسة، وكان قد سبق في قدرالله
أنّه ﵇ يموت في التيه بعد هارون أخيه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدّسة.
وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين.
ومما يدلّ على ذلك قوله لما اختار الموتَ: ربّ أدنني إلى الأرض المقدّسة رميةً بحجر.
ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك، ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته ﵇ أحبّ أن يتقرّب إلى الأرض التي هاجر إليها، وحثّ قومه عليها، ولكن حال بينهم وبينها القدر رميةً بحجر، ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر "فلو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُم قَبْرَهُ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمرِ".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد، حدّثنا ثابت وسليمان التَّيْمي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:"لما أُسْرِي بي مَرَرْتُ بموسَى وهُو قائِمٌ يُصَلّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ".
ورواه مسلم من حديث حمّاد بن سلمة به.
وقال السدّي عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من الصحابة قالوا: ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى: إني متوفٍّ هارون فائْتِ به جبل كذا وكذا.
فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم يُرَ شجرةٌ مثلها، وإذا هم ببيتٍ مبني، وإذا هم بسريرٍ عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبةٌ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنم عليه قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال له: لا ترهب، أنا أكفيك ربَّ هذا البيت، فنم.
قال: يا موسى نم معي فإن جاء ربّ هذا البيت غضب عليّ وعليك جميعًا.
فلما ناما أخذ هارونَ الموتُ فلما وجدَ حسّه قال: يا موسى خدعتني.
فلما قُبض رُفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتل هارون، وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون أكفَّ عنهم وألينَ لهم من موسى، وكان في موسى بعضُ الغلظة عليهم،فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه، قام فصلّى ركعتين ثمّ دعا اللهَ فنزل السريرُ حتى نظروا إليه بين السماء والأرض.
ثمّ إن موسى ﵇ بينما هو يمشي ويوشَع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها [يوشع] ظن أنها الساعة، فالتزم موسى وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستل موسى
من تحت القميص، وترك القميص في يدي يوشع.
فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا: قتلت نبي الله؟فقال: لا والله ما قتلته ولكنه استل مني.
فلم يصدّقوه وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام، فدعا الله، فأُتي كلّ رجلٍ ممن كان يحرسه في المنام، فأُخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وإنّا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح ).
وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم.
وقد قدّمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم، اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم.
وذكر وهب بن منبه أن موسى ﵇ مرّ بملأٍ من الملائكة يحفرون قبراً، فلم يَرَ أحسن منه، ولا أنضر، ولا أبهج، فقال:يا ملائكةَ الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد من عباد الله كريم، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر، وتمدد فيه، وتوجّه إلى ربك، وتنفَّس أسهل تنفسٍ، ففعل ذلك فمات صلوات الله وسلامه عليه فَصَلَّتْ عليه الملائكة ودفنوه.
وذكر أهل الكتاب وغيرُهم أنه مات وعمره مئة وعشرون سنةً.
وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا أمية بن خالد ويونس قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال يونس: رفع هذأ الحديث إلى النبي ﷺ قال: "كان مَلَكُ الموتِ يأتي الناسَ عِيانًا، قال: فأتى مُوسَى ﵇، فَلَطمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فأتى رَبَّه فقال: يا رَبّ عَبْدُك مُوسَى فَقَأ عَيْني ولولا كَرامَتُهُ عَلَيْكَ لَعَتِبْتُ عَلَيْه ".
وقال يونس: "لشققتُ عليه".
قال له: "اذْهَب إلى عَبدي، فَقُلْ لَه فَلْيَضَع يَدَه على جلد (أو مسْك) ثور فَلَه بكُل شَعْرَةٍ وَارَتْ يَدُهُ سَنَةٌ، فأتاه فقال له، فقال: ما بعد هذا؟ قال:الموت.
قال: فالآن.
قال: فشمه شمة فَقَبَضَ رُوْحَه".
قال يونس: فردّ الله عليه عينه، وكان يأتي الناس خفية.
وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن مُصعب بن المقدام عن حمّاد بن سلمة، به، فرفعه أيضًا
ذكر نبوّة يوشع وقيامه بأعبَاء بني إسرَائيل بعد موسى وهارون
هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈.
وقد ذكره الله تعالى في القرآن غيرَ مُصَرّح باسمه في قصّة الخضرِ، كما تقدم من قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ﴾ وقدّمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أُبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ: من أنه يوشع بن نون، وهو متفق على نبوّته عند أهل الكتاب، فإن طائفة منهم -وهم السامرة- لا يقرّون بنبوّة أحدٍ بعد موسى إلا يوشع بن نون، لأنه مصرّح به في التوراة، ويكفرون بما وراءه، وهو الحق من ربّهم، فعليهم لعائن الله البالغه إلى يوم القيامة.
وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين، عن محمد بن إسحاق من أن النبوة حُولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى، فكان موسى يلقى يوشَع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له: يا كليم الله، إني كُنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداءً من تلقاء نفسك، فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت ففي هذا نظر، لأن موسى ﵇ لم يزل الأمر، والوحي، والتشريع، والكلام من الله إليه من جميع أحواله حتى توفّاه الله ﷿، ولم يزل معزَّزًا مكرّمًا مدلَّلًا وجيهًا عند الله، كما قدّمنا في الصحيح من قصّة فقْئه عَين مَلك الموت، ثمَّ بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكلِّ شعرة وارَتْ يدُه سنةٌ يعيشها، قال: ثمّ ماذا؟ قال:الموت.
قال: فالآن يا رب.
وسأل الله أن يُدنيه إلى بيت المقدس رميةً بحجر، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنّما يقوله من كتب أهل الكتاب، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة: أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كلّ حينٍ يحتاجون إليه إلى آخر مدّة موسى، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبّة الزمان.
وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّا بني إسرائيل على أسباطهم، وأن يجعلا على كلِّ سبطٍ من الاثني عشر أميرًا -وهو النقيب- ) وما ذاك إلّا ليتأهبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنةً.
ولهذا قال بعضهم:إنما فقأ موسى ﵇ عين ملَك الموت لأنه لم يعرفه في صورته تلك، ولأنه كان قد أُمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه، ولم يكن في قَدَر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ﵇، كما أن رسول الله ﷺ كان قد أراد غزو الروم بالشام، فوصل إلى تبوك ثمَّ رجع عامه ذلك في سنة تسعٍ.
ثمّ حجّ في سنة عشر، ثمّ رجع فجهَّز جيش أسامة إلى الثام طليعة بين يديه، ثمّ كان على عزم الخروج إليهم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ولما جهّز رسولُ الله جيشَ أسامة توفي ﵊ وأسامة مخيِّم بالجُرْفِ، فَنَفَّذَهُ صِدِّيقُه وخليفته أبو بكر الصدّيق ﵁.
ثمّ لمّا لمّ شعث جزيرة العرب، وما كان وهَى من أمر أهلها، وعاد الحقّ إلى نصابه، جهّز الجيوش يمنةً ويسرةً إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم، ففتح الله لهم، ومكّن لهم وبهم، وملَّكهم نواصي أعدائهم، كما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه مفصّلًا إن شاء الله، بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده.
وهكذا موسى ﵇ كان الله تعالى قد أمره أن يجنّد بني إسرائيل، وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال الله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] يقول لهم: لئن قمتم بما أوجبت عليكم، ولم تَنْكِلُوا عن القتال كما نَكَلتم أوَّلَ مرة، لأجعلن ثواب هذه مكفّرًا لما وقع عليكم من عقاب تلك، كما قال تعالى لمن تخلَّف من الأعراب عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦].
وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
ثمّ ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم، كما ذمّ مَن بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم.
وقد ذكرنا ذلك في "التفسير" مستقصى ولله الحمد ).
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدًا، وأن يجعل على كلّ سِبطٍ نقيبًا منهم.
السبط الأول: سبط روبيل لأنه بِكر يعقوب، كان عدّة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفًا وخمسمئة، ونقيبهم منهم وهو أليصور بن شَدَيْئُور).
السبط الثاني: سبط شمعون، وكانوا تسعة وخمسين ألفًا، ونقيبهم شلوميئيل بن صُوريشَدَّاي.
السبط الثالث: سبط يهوذا، وكانوا أربعة وسبعين ألفًا وستمئة، ونقيبهم نحشون بن عَمِّيناداب.
السبط الرابع: سبط إيساخر، وكانوا أربعة وخمسين ألفًا وأربعمئة، ونقيبهم نثنائيل بن صوغر ).
السبط الخامس: سبط يوسف ﵇، وكانوا أربعين ألفًا وخمسمئة، ونقيبهم يوشع بن نون).
السبط السادس: سبط ميشا، وكانوا أحدًا وثلاثين ألفًا ومئتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور.
السبط السابع: سبط بنيامين، وكانوا خمسة وثلاثين ألفًا وأربعمئة ونقيبهم أبيدن بن جِدعون.
السبط الثامن: سبط جاد، وكانوا خمسة وأربعين ألفًا وستمئة وخمسين رجلًا، ونقيبهم أَلياساف بن دعوئيل.
السبط التاسع: سبط أَشِير، وكانوا أحدًا وأربعين ألفًا وخمسمئة ونقيبهم فجعيئيل بن عُكْرَن.
السبط العاشر: سبط دان، وكانوا اثنين وستين ألفًا وسبعمئة ونقيبهم أَخِيعَزَر ابن عَمّيشدّاي ).
السبط الحادي عشر: سبط نفتالي وكانوا ثلاثة وعشرين )ألفًا وأربعمئة ونقيبهم أخيرَع بن عينن.
السبط الثاني عشر: سبط زبولون، وكانوا سبعة وخمسين ألفًا وأربعمئة، ونقيبهم ألياب بن حِيلون.
هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم.
وليس منهم بنو لاوي.
فأمر الله موسى أن لا يعدَّهم معهم لأنّهم موكّلون بحمل قُبة الشهادة، وضربها، ونصبها، وحملها إذا ارتحلوا، وهو سبط موسى وهارون ﵉، وكانوا اثنين وعشرين ألفًا من ابن شَهْرٍ فما فوق ذلك.
وهم في أنفسهم قبائل إلى كلِّ قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها، ويحفظونها، ويقومون بمصالحها، ونصبها وحملها، وهم كلّهم حولها ينز لون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشأمتها ووراءها.
وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمئة ألف وأحد وسبعون ألفًا وستمئة وخمسون، لكن قالوا: فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمئة ألف وثلاثة آلاف وخمسمئة وخمسين رجلًا سوى بني لاوي، وفي هذا نظر، فإن جميع الجمل المتقدّمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها.
والله أعلم.
فكان بنو لاوي الموكّلون بحفظ قبّة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل وهم القلب، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنو دان، وبنو نفتالي يكونون ساقة وقَزَر موسى ﵇ بأمر الله تعالى
له الكهانة في بني هارون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بِكره وأبيهو وألعازر ويثمر ).
والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قاله الثوري: عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقاله قتادة وعكرمة.
ورواه السُّدّي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف: ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعًا.
وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى، وإنما كان يوشع على مقدّمته، وذكر في مروره إليها قصّة بلعام بن باعور الذي قال تعالى فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧] وقد ذكرنا قصته في "التفسير" وأنّه كان فيما قاله ابن عباس وغيرُه يعلم الاسم الأعظم، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم، ولما ألحّوا عليه ركب حمارة له.
ثمّ سار نحو معسكر بني إسرائيل، فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته، فضربها حتى قامت، فسارت غير بعيد وربضت، فضربها ضربًا أشدّ من الأول، فقامت ثمّ ربضت، فضربها، فقالت له: يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا! أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به، حتى أشرف عليهم من رأس جبل حُسْبان، ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم، فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه، فلاموه على ذلك، فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا، واندلع لسانُه حتى وقع على صدره، وقال لقومه: ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة.
ثمّ أمر قومه أن يزيّنوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم، حتى لعلّهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجلٌ منهم كُفيتموهم، ففعلوا وزينّوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر، فمرّت امرأة منهم اسمها كُسْتَى برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زَمري بن شَلوم، يقال:إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب، فدخل بها قُبَّته، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل، فجعل يجوس (٢) فيهم، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العيزار بن هارون
أخذ حربته -وكانت من حديد- فدخل عليهما القُبَّةَ، فانتظمهما جميعًا فيها، ثمّ خرج بهما على الناس، والحربة في يده، وقد اعتمد على خاصرته، وأسندها إلى لحيته، ورفعهما نحو السماء، وجعل يقول: اللهم هكذا تفعل بمن يعصيك، ورُفع الطاعونُ.
فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفًا، والمقلِّلُ يقول: عشرون ألفا.
وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة أليته والذراع واللحى، ولهم البكر من كلِّ أموالهم وأنفسهم.
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصّة بلعام صحيح، قد ذكره غير واحد من علماء السّلف.
لكن لعلّه لما أراد موسى دخول بيت المقدس [أول مقدمه من الديار المصرية، ولعلّه مراد ابن إسحاق، ولكن ما فهمه بعض الناقلين عنه.
وقد قدّمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم.
أو لعلّ هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه، فإن في هذا السياق ذكر حُسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس، أو لعلّه كان هذا بجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدًا بيت المقدس] كما صرح به السُّدِّي.
والله أعلم.
وعلى كلّ تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين.
وبعده موسى في التيه أيضًا كما قدّمنا، وأنه نسأل ربّه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك.
فكان الذي خرج بهم من التيه، وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇، فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا، وكانت من أحصن المدائن سورًا، وأعلاها قصورًا، وأكثرها أهلًا، فحاصرها ستة أشهر.
ثمّ إنهم أحاطوا بها يومًا وضربوا بالقرون -يعني الأبواق- وكبّروا تكبيرةَ رجلٍ واحدٍ، فتفسّخ سورها، وسقط وجبة واحدة، فدخلوها، وأخذوا ما وجدوا فيها من المغانم، وقتلوا اثني عشر ألفًا من الرجال والنساء، وحاربوا ملوكًا كثيرةً.
ويقال: إن يوشع ظهر على أحدٍ وثلاثين ملكًا من ملوك الشام.
وذكروا أنه انتهى محاصرته له إلى يوم جمعةٍ بعد العصر.
فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان، قال لها:إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليَّ، فحبسها الله عليه حتى تمكّن من فتح البلد، وأمر القمر فوقف عن الطلوع، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر.
والأول، وهو قضية الشمس، مذكورة في الحديث الذي سأذكره.
وأما قضية القمر فمن عند أهل الكتاب، ولا ينافي الحديث، بل فيه زيادة تستفاد فلا تُصدق ولا تُكذب، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر، والأشبه -والله أعلم- أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم، وفتح أريحا كان وسيلة إليه.
والله أعلم.
قال الإمام أحمد: حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الشَّمسَ لم تُحْبَسْ لِبَشرٍ إلّا لِيوشَع لَياليَ سَارَ إلى بَيْتِ المقْدِس" انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري.
وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇، لا موسى، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا.
وفيه أن هذا كان من خصائص يوشَع ﵇، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺعلى ركبته، فسأل رسول الله أن يردّها عليه حتى يصلّي العصر فرجعت.
وقد صححه أحمد بن صالح المصري، ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله.
وتفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها.
والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "غزا نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لا يَتْبَعني رَجُلٌ قد مَلكَ بُضْعَ امرأةٍ وهُو يُريدُ أن يَبْنيَ بها ولَمَّا يَبْنِ، ولا آخرُ قَدْ بَنَى بنيانًا ولم يَرْفَع سُقُفَها، ولا آخرُ قَدِ اشْتَرى غنمًا أو خَلِفاتٍ وهو يَنْتَظِرُ أولادَها.
فغزا فدنا منَ القَريةِ حِينَ صُلي العصر أو قريبًا من ذلكَ، فقال للشمسِ: أنتِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهم احْبِسْها عَلَيَّ شَيئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيه حتّى فَتحَ اللهُ عليه، فَجَمَعُوا ما غَنِموا فاتت النارُ لتأكُلَه، فأبت أنْ تطعمَه،فَقالَ: فِيْكُم غُلُولٌ (٣) فلْيبايِعْني مِن كُلِّ قَبيلةٍ رَجُلٌ، فبايعوهُ، فلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بيدِهِ، فقالَ: فيكُمُ الغُلُولُ، ولْتُبايعني قبيلَتُكَ، فبايعَتْهُ قبيلَتُه، فلَصِقَ بيدِ رَجُلَين أو ثلاثةٍ، فقالَ: فيكُم الغُلولُ، أنتم غَللتم، فأخْرَجُوا له مثلَ رأسِ بَقَرَةٍ من ذهب، قالَ: فوضَعُوه بالمالِ وهو بالضَعِيْد، فأقبلتِ النارُ فأَكَلَتْهُ، فلم تحلَّ الغنائمُ لأحَدٍ مِنْ قَبْلنا، ذلك بأنّ الله رأى ضَعْفَنا وَعَجْزَنا فطيَّبَها لَنا".
انفرد به مسلم من هذا الوجه
وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة، عن عبيد الله، عن سعيد المقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه،قال: ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري ).
قال:ورواه قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
والمقصود أنّه لما دخل بهم باب المدينة أُمروا أن يدخلوها سُجَّدا، أي: ركّعا متواضعين شاكرين لله ﷿ على ما مَنَّ به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم إياه، وأن يقولوا حال دخولهم: حِطّة، أي: حط عنا خطايانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدّم منا.
ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقَتَه، وهو متواضعٌ حامدٌ شاكرٌ حتى أن عُثنونه، وهو طرف لحيته، ليمس مورك رحله مما يطأطئ رأسَه خضعانًا لله ﷿، ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله ﷺ، ثمّ لما دخلها اغتسل وصلّى ثماني ركعات، وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء.
وقيل: إنّها صلاة الضحى، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى.
وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أُمروا به قولًا وفعلًا،دخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: حنطة في شعرة.
وحاصله أنّهم بدّلوا ما أُمروا به واستهزؤوا به، كما قال الله تعالى حاكيًا عنهم في سورة الأعراف، وهي مكية: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الآيتان: ١٦١ - ١٦٢] وقال تعالى في سورة البقرة، وهي مدنية مخاطبًا لهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الآيتان: ٥٨ - ٥٩].
وقال الثوري، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكّعًا من باب صغير.
رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم.
وكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء.
قال مجاهد والسدي والضحاك: الباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس.
قال ابن مسعود: فدخلوا مقنعي رؤوسهم ضد ما أُمروا به.
وهذا لا ينافي قول ابن عباس إنهم دخلوا يزحفون على أستاههم.
وهكذا في الحديث الذي سنورده بعدُ فإنّهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رؤوسهم.
وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة، أي:ادخلوا سُخداً في حال قولكم حطّة.
قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع: أمروا أن يستغفروا ).
قال البخاري ك: حدّثنا محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن مَعْمر، عن همّام بنِ منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قيلَ لِبَني إسْرائيلَ: ادْخُلوا البابَ سُجَّدًا، وقُولُوا: حِطَّة، فدَخَلوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم،فَبَدَّلُوا وقالُوا: حِطّة حَبة في شَعرة".
وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي، به موقوفًا.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن همام بن منبّه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "قالَ اللهُ لِبني إسْرائيلَ: ادْخُلوا البابَ سُجَّدا وقُولُوا حِطَّة نغفرْ لَكم خَطَاياكُم، فَبَدَّلوا فَدَخَلوا البابَ يَزْحَفُونَ على أسْتَاهِهِم، فقالوا: حَبّة في شَعرة".
ورواه البخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي ): حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم كما حدّثني صالح بن كَيْسان، عن صالح مولى التَّوْءَمة، عن أبي هريرة وعمَّن لا أتَّهم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "دَخَلوا البابَ الذي أُمِرُوا أن يَدْخُلوا فيه سُجَّدًا يَزْحَفُونَ على أسْتَاهِهِم وهُم يقولُونَ: حِنْطة في شَعيرة".
وقال أسباط، عن السُّدي، عن مُرة، عن ابن مسعود قال في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ
الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال: قالوا "هطي سمقاثا ازمه مزبا" فهي في العربية: (حَبَّة حِنْطَة حَمْراء مَثْقُوبة فيها شَعْرهّ سَوْداء)،
وقد ذكر الله تعالى أنّه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرِّجْز الذي أنزله عليهم، وهو الطاعون، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث الزهري عن عامر بن سعد، ومن حديث مالك عن محمد ين المنْكَدِر وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ هذا الوَجَع (أو السّقم) رِجْزٌ عُذِّبَ بهِ بَعْضُ الأمَم قَبلَكم".
وروى النسائي وابن أبي حاتم -وهذا لفظه- من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت فالوا:قال رسول الله ﷺ: "الطاعُونُ رِجْزٌ عَذابٌ عُذّبَ بهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم".
وقال الضحاك عن ابن عباس: الرِّجْز: العذأب وكذا قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والحسن، وقتادة.
وقال أبو العالية: هو الغضب.
وقال الشعبي: الرِجْز: إمّا الطاعون، وإما البرد.
وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
ولما اسقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبمن أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة، فكان مدةُ حياته بعد موسى سبعًا وعشرين سنة.
(١) صكّه: ضربه ودفعه.
(٢) يجوس: يتردد ويتنقل.
(٣) الغُلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة.
مختارات

