قصة موسى عليه السلام (١٠)
ذكر بناء قبّة الزمان…
قال أهل الكتاب: وقد أمر اللّه موسى ﵇ بعمل قبّة من خشب الشمشار )، وجلود الأنعام، وشعر الأغنام، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضّة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ولها عشر سُرادقات؛ طول كلِّ واحدٍ ثمانية وعشرون ذراعًا، وعرضه أربعة أذرعٍ، ولها أربعةُ أبواب وأطنابٌ من حريرٍ، ودمقس مصبغ، وفيها دفوف وصفائح من ذهب وفضّة، وفي كلِّ زاوية بابان، وأبوابٌ أُخر كبيرةٌ، وستورٌ من حريرٍ مصبغ وغير ذلك مما يطول ذِكره.
وبعمل تابوتٍ من خشب الشمشار، يكون طولُه ذراعين ونصفًا وعرضه ذراعين وارتفاعُه ذراعًا ونصفًا، ويكون مضبَّبًا (١) بذهبٍ خالصٍ من داخله وخارجه وله أربع حَلَقٍ في أربع زواياه، ويكون على حافتيه كروبيان (٢) من ذهبٍ، يعنون صفة ملكين بأجنحة وهما متقابلان، صنعه رجل اسمه بصليال.
وأمره أن يعمل مائدةً من خشب الشمشار طولها ذراعان وعرضها ذراع ونصف لها ضِبَاب ذهب
وإكليل ذهب بشفة مرتفعة بإكليلٍ من ذهب وأربع حَلق من نواحيها من ذهب مُغرزة في مثل الرمّان، من خشب ملبّس ذهبًا، واعمل صِحافًا (٣) ومصافي وقصاعًا على المائدة.
واصنع منارة من ذهبٍ دليّ (٤)، وفيها ست قصبات من ذهب من كل جانب ثلاث، على كلِّ قصبة ثلاثة سُرُج، وليكن في المنارة أربعة قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضًا، وهو الذي عمل المذبح أيضًا، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم، وهو أوّل يومٍ من الربيع، ونصب تابوت الشهادة، وهو - واللّه أعلم - المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨].
وقد بُسط هذا الفصل في كتابهم مطوّلًا جدًّا، وفيه شرائع لهم، وأحكام، وصفة قربانهم وكيفيته.
وفيه أن قبّة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدِّم على مجيء بيت المقدس، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلّون فيها وإليها، ويتقرّبون عندها.
وأن موسى ﵇ كان إذا دخلها يقفون عندها )، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرّون عند ذلك سُجَّدًا للّه ﷿، ويكلم اللّهُ موسى ﵇ من ذلك العمود الغمام الذي هو نورٌ، ويخاطبه، ويناجيه، ويأمره، وينهاه، وهو واقف عند التابوت صامدٌ إلى ما بين الكَرُوبِيِّيْنَ، فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه اللّهُ ﷿ إليه من الأوامر والنواهي.
وإذا تحاكموا إليه في شيءٍ ليس عنده من اللّه فيه شيء يجيء إلى قبّة الزمان، ويقف عند التابوت، ويصمد لما بين ذينك الكروبِيِّيْنَ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة.
وقد كان هذا مشروعًا لهم في زمانهم، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ في معبدهم وعند مصلّاهم، فأمّا في شريعتنا فلا، بل قد نُهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لِئّلا تشغل المصلّين؛ كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما وسّع في مسجد رسول اللّه ﷺ للّذي وكّله على عمارته: ابنِ للناسِ ما يُكنُّهم، وإياكَ أن تُحمِّر أو تُصَفِّر فتفتن الناس.
وقال ابن عباس: لا تُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسَهم وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه لهذه الأمّة عن مشابهة من كان قبلهم من الأمم، إذ جمع اللّه همّهم في صلاتهم على التوجّه إليه والإقبال عليه، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكّر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة.
فلله الحمد والمِنَّة.
وقد كانت قبّة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يُصلُّون إليها وهي قبلتهم، وكعبتهم، وإمامُهم كليم الله موسى ﵇، ومُقدِّم القربان أخوه هارون ﵇.
فلما مات هارون ثمّ موسى ﵉، استمرّت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان.
وهو فيهم إلى الآن.
وقام بأعباء النبوّة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشَع بن نون ﵇، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس، كما سيأتي بيانه.
والمقصود هنا أنّه لما استقرْت يده على البيت المقدّس نصب هذه القبّة على صخرة بيت المقدس، فكانوا يصلّون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلّتها، وهي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله ﷺ، وقد - صلى إليها رسول الله ﷺ قبل الهجرة، وكان يجعل الكعبة بين يديه.
فلما هاجر أُمِر بالصلاة إلى بيت المقدس، فصلّى إليها ستة عشر، وقيل: سبعة عشر شهرًا.
ثم حُوّلت القبلة إلى الكعبة، وهي قبلة إبراهيم، في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر، وقيل: الظهر، كما بسطنا ذلك في "التفسير"عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيات ) [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤].
* * *
قال اللّه ﵎: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨٣].
قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير،عن ابن عباس قال: كان قارون ابنَ عم موسى.
وكذا قال إبراهيم النَّخَعِي (٥)، وعبد اللّه بن الحارث بن نوفل، وسِماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وزاد فقال:هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث.
قال ابن جرير: وهذا قول أكثر أهل العلم أنّه كان ابن عمّ موسى.
وردَّ قولَ ابن إسحاق: إنه كان عم موسى.
قال قتادة: وكان يُسمّى النُّورَ لِحُسْنِ صوته بالتوراة، ولكن عدوّ اللّه نافق كما نافق السّامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.
وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرًا طولًا ترفُعًا على قومه.
وقد ذكر اللّه تعالى كثرة كنوزة حتى إن مفاتحه لكان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد.
وقد قيل: إنها كانت من الجلود، وإنها كانت تحمل على ستين بغلًا فالله أعلم.
وقد وعظه النّصحاء من قومه قائلين: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أي لا تبطر بما أُعطيت، وتفخر على غيرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.
يقولون:لتكن همّتك مصروفةً إلى تحصيل ثواب اللّه في الدار الآخرة، فإنّه خيرٌ وأبقى، ومع هذا ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: وتناول منها بمالك ما أحلّ اللّه لك فتمتّع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: وأحسن إلى خَلق اللّه كما أحسن اللّه خالقُهم وبارئُهم إليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ولا تُسئ إليهم، ولا تفسد فيهم، فتقابلهم ضدّ ما أُمرت فيهم فيعاقبك، ويسلبك ما وهبك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
فما كان جوابه لهذه النّصيحة الصّحيحة الفصيحة إلا أن ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم، ولا إلى ما إليه أشرتم، فإن اللّه إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه، وأني أهلٌ له، ولولا أني حبيب إليه، وحَظِيٌّ عنده لما أعطاني ما أعطاني.
قال الله تعالى رادًّا عليه ما ذهب إليه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، فلو كان ما قال صحيحًا لم نعاقب أحدًا ممن كان أكثر مالًا منه، ولم يكن ماله دليلًا على محبتنا له، واعتنائنا به كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
وهذا الردّ عليه يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه من معنى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
وأمّا من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صَنْعة الكيمياء، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح؛ لأن الكيمياء تخييل وصبغة، لا تحيل الحقائق، ولا تشابه صنعة الخالق، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاءُ به مِن كافر به، وقارون كان كافرًا في الباطن منافقًا في الظاهر.
ثمّ لا يصح جوابه لهم لهذا على التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم.
وقد وضحنا هذا في كتابنا "التفسير" ) وللّه الحمد.
قال اللّه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمُّلٍ عظيمٍ من ملابس، ومراكب، وخدمٍ، وحشمٍ، فلما رآه من يعظّم زهرة الحياة الدنيا تمنّوا أن لو كانوا مثله، وغَبَطوه بما عليه وله، فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفَهم الصحيح الزهّاد الألِبَّاءُ قالوا لهم:﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: ثواب الله في الدار الآخرة خيرٌ وأبقى وأجلُّ وأعلَى.
قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ أي: وما يلقّى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمّة السامية
إلى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنيَّة إلّا مَن هدى اللّهُ قلْبَهُ، وثبَّت فؤاده، وأيّد لُبَّه، وحقق مراده.
وما أحسن ما قال بعض السلف: إن اللّه يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات.
قال اللّه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لما ذكر اللّه تعالى خروجه في زينته واختياله فيها وفخره على قومه بها قال: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ كما روى البخاري ) من حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺقال: "بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إزارَهُ إذْ خُسِفَ بهِ فَهُو يَتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يَومِ القيامَةِ" ثمّ رواه البخاري من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحوه.
وقد ذُكر عن ابن عباس والسُّدي أن قارون أعطى امرأة بغيًّا مالًا على أن تقول لموسى ﵇ وهو في ملأٍ من الناس:إنّك فعلت بي كذا وكذا، فيقال: إنّها قالت له ذلك، فأرعد من الفرق، وصلّى ركعتين، ثمّ أقبل عليها فاستحلفها مَنْ دَلّكِ على ذلك وما حملك عليه؟ فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك، واستغفرت اللّه، وتابت إليه، فعند ذلك خرّ موسى للّه ساجدًا، ودعا اللّه على قارون، فأوحى اللّه تعالى إليه إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك.
فاللّه أعلم.
وقد قيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته مرّ بجحفله، وبغاله، وملابسه على مجلس موسى ﵇ وهو يذكّر قومه بأيام اللّه، فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه، فدعاه موسى ﵇ فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا موسى أما لئن كنتَ فُضِّلت عليَّ بالنبوة فلقد فُضِّلتُ عليك بالمال، ولئن شئت لتخرجن فلتدعُوَن عليّ، ولأدعون عليك، فخرج وخرج قارون في قومه، فقال له موسى: تدعو أو أدعو؟ قال: أدعو أنا، فدعا قارون فلم يُجَب في موسى.
فقال موسى: أدعو؟ قال: نعم.
فقال موسى:اللهم مُرِ الأرض فلتطغى اليوم، فأوحى اللّه تعالى إليه:إني قد فعلتُ، فقال موسى: يا أرضُ خذيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم، ثمّ قال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، ثمّ إلى مناكبهم، ثمّ قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم، فأقبلت بها حتى نظروا إليها، ثمّ أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوي، فاستوت بهم الأرض.
وقد روي عن قتادة أنّه قال: يُخسف بهم كلَّ يوم قامةٌ إلى يوم القيامة.
وعن ابن عباس أنّه قال: خُسف بهم إلى الأرض السابعة.
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ضربنا عنها صفحًا وتركناها قصدًا.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]، ولمّا حلّ به ما حلّ من الخسف، وذهاب الأموال، وخراب الدار، وإهلاك النفس والأهل والعقار، ندم ) من كان تمنى مثل ما أوتي، وشكروا اللّه تعالى الذي يدبّر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقد تكلّمنا على لفظ (ويك) في "التفسير" )، وقد قال قتادة: (ويكأن) بمعنى: ألم تَرَ أنّ، وهذا قولٌ حسنٌ من حيثُ المعنى واللّه أعلم.
ثمّ أخبر تعالى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وهي دار القرار، وهي الدار التي يُغْبَط من أُعطيها، ويُعزَّى من حُرمها إنّما هي معدّة ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ فالعلوُّ هو التكبُّر، والفخر، والأشر، والبطر ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ وهو عمل المعاصي اللّازمة والمتعدّية من أخْذِ أموال الناس، وإفساد معايشهم، والإساءة إليهم، وعدم النصح لهم، ثمّ قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقصّة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر،لقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان، وقد تكون بعد ذلك في التِيه، وتكون الدار عِبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة:[من الكامل]
يا دارَ عَبْلةَ بالجِوَاءَ تَكَلَّمي … وَعِمي صَباحًا دارَ عَبْلةَ واسْلَمي
والله أعلم.
وقد ذكر اللّه تعالى مذمّة قارون في غير ما آية من القرآن.
قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣، ٢٤].
وقال تعالى في سورة العنكبوت، بعد ذكر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ
أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٩، ٤٠].
فالذي خسف اللّه به الأرض قارون - كما تقدّم - والذي أغرق فرعون وهامان وجنودَهما أنّهم كانوا خاطئين.
وقد قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن، حَدَّثَنَا سعيد، حَدَّثَنَا كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال الصَّدَفي عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ أنّه ذكر الصلاة يومًا فقال: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْها كانَتْ لَهُ نُوْرًا وبُرْهَانًا ونجاةً يومَ القِيامة، ومَنْ لَم يُحَافِظْ عَلَيْها لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهانٌ ولا نَجَاةٌ، وكانَ يَوْمَ القيامةِ مَعَ قَارُونَ وفِرْعَونَ وهامان وأُبَيُ بنِ خَلَفٍ".
انفرد به أحمد، ﵀.
* * *
باب ذِكر فضَائِل موسى ﵇ وَشمائِله وصفاته ووفاته )
قال اللّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣].
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالآتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وتقدّم في "الصحيحين" عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "لا تُفَضِّلُوني عَلَى مُوسَى، فإنّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القيامَةِ فأكُونُ أوَّلَ مَنْ يفِيْقُ فأجِدُ مُوْسَى باطِشًا بِقائمةِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أَصعِقَ فأفاقَ قَبْلي أمْ جُوزي بِصَعْقَةِ الطُوْرِ" وقدَّمنا أنه مِنْ رسول اللّه ﷺ مِنْ باب الهَضْمِ والتواضع، وإلّا فهو صلوات اللّه وسلامُه عليه خاتم الأنبياء، وسيّد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعًا جزمًا لا يحتمل النقيض.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣، ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
قال الإمام أبو عبد اللّه البخاري: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا رَوح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن ومحمد وخِلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إنَّ مُوْسَى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيْرًا لا يَرَى جِلْدَهُ شَيْءٌ استحياءً منه، فآذاهُ مَن أذاه مِن بني إسْرائيلِ، فقالوا: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإما أُدْرَة وإمّا آفةٌ.
وإنَّ اللّهَ ﷿ أرادَ أنْ يُبَرِّأَهُ مِمَّا قالُوا لِموسى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيابَهَ عَلى الحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وأنّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبهِ، فأخَذَ مُوسى عَصَاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَل يَقُولُ: ثَوبي حَجَرٌ، ثوبي حَجَرٌ، حَتّى انْتَهَى إلى مَلإٍ مِن بني إسْرائيل، فَرَأَوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللهُ وبرّأهُ مِمّا يَقُوْلُونَ.
وقامَ الحجَرُ فأخَذَ ثَوبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بالحجَرِ ضَرْبًا بعصاهُ، فواللّهِ إن بالحجَرِ لنَدَبًا مِنْ أَثَر ضَرْبهِ ثلاثًا أوْ أرْبعًا أو خَمْسًا، قال: فذلك قولُه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن شقيق، وهمّام بن منبه، عن أبي هريرة، به.
وهو في "الصحيحين" من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عنه، به.
ورواه مسلم من حديث عبد اللّه بن شقيق العقيلي عنه.
قال بعض السلف: كان من وجاهته أنّه شفع في أخيه عند اللّه، وطلب منه أن يكون معه وزيرًا، فأجابه الله إلى سُؤاله، وأعطاه طَلِبَتَهُ، وجعله نبيًا كما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
ثم قال
البخاري: حَدَّثَنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا الأعمش: سألت أبا وائل قال سمعت عبد اللّه قال: قَسَم رسول اللّه ﷺ قسمًا، فقال رجل: إنّ هذه قِسْمةٌ ما أُريد بها وجه اللّه، فأتيت النبي ﷺ -فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه.
ثم قال: "يَرْحَمُ اللّهُ مُوسى، قَدْ أوْذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ".
وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش، به.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام مولى لهمْدان، عن زيد بن أبي زائد، عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه ﷺلأصحابه: "لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فإنّي أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إلَيْكُم وَأنا سَلِيْمُ الصَّدْرِ".
قال وأتى رسولَ اللّهِ ﷺمالٌ فقسمه، قال: فمررتُ برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: واللّه ما أراد محمدٌ بقسمته وجه اللّه ولا الدارَ الآخرة، فثبتُّ حتى سمعتُ ما قالا.
ثمّ أتيت رسولَ اللّه فقلت: يا رسول اللّه إنّك قلتَ لنا: "لا يُبَلّغُني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أصْحَابي شَيْئًا" وإني مررتُ بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا.
فاحمرَّ وجهُ رسول اللّه ﷺ وشقّ عليه.
ثمّ قال: "دعْنا مِنْكَ فَقَدْ أوْذِيَ مُوسَى أكْثَرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ".
وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، عن الوليد بن أبي هاشم، به.
وفي رواية للترمذي ولأبي داود من طريق ابن العبد، عن إسرائيل، عن السُّدّي، عن الوليد، به.
وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه.
وقد ثبت في "الصحيحين" في أحاديث الإسراء أن رسول اللّه ﷺ مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره.
ورواه مسلم عن أنس.
وفي "الصحيحين" من رواية قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ أنّه مرّ ليلة
أُسْرِي به بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل: هذا موسى فسلِّم عليه، قال: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَال: مَرْحَبًا بالنبي الصَّالح والأخِ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تجاوَزْتُ بَكَى، قيلَ له: ما يُبْكِيك؟ قالَ: أبْكي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أمَّتهِ أكْثرُ مما يَدْخُلها من أمّتي"، وذكر إبراهيم في السماء السابعة.
وهذا هو المحفوظ، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس، من أن إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام اللّه، فقد ذكر غير واحد من الحفّاظ أن الذي عليه الجادة أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وأنه مسندٌ ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثمّ لا يعودون إليه آخر ما عليهم ).
واتفقت الروايات كلّها على أن اللّه تعالى لما فرض على محمد ﷺ وأمته خمسين صلاةً في اليوم والليلة، فمرّ بموسى قال:ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشدّ المعالجة، وإن أمتك أضعف أسماعًا، وأبصارًا، وأفئدة، فلم يزل يترددُ بين موسى وبين اللّه ﷿ويخفف عنه كل مرة حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال اللّه تعالى: هي خمس وهي خمسون، أي بالمضاعفة، فجزى الله عنا محمدًا ﷺ خيرًا.
وجزى اللّه عنا موسى ﵇ خيرًا.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا حُصَين بن نمير، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول اللّه ﷺ يوما فقال: "عُرِضَتْ عَلَيّ الأُمَمُ وَرَأيْتُ سَوادًا كَثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هذا مُوسَى في قَوْمه".
هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرًا.
وقد رواه الإمام أحمد مطولًا فقال: حَدَّثَنَا شَريح، حَدَّثَنَا هشيم حَدَّثَنَا حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جُبير فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت.
قال: وكيف فعلت؟ قلت: اسْتَرْقَيْتُ.
قال: وما حملك على ذلك؟ قال: قلت: حديثٌ حدَّثناه الشعبي عن بُريدة الأسلمي أنه قال: "لا رُقْيَةَ إلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حمّةٍ".
فقال سعيد - يعني ابنَ جُبير - قد أحسن منِ انتهى إلى ما سمع.
ثمّ قال: حدّثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِي وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنبي ومعه الرَّجُل والرجلان، والنّبي وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، إذْ رُفع لي سَوَادٌ عَظِيْمٌ،فَقُلْتُ: هذهِ أُمَّتي؟ فقيلَ: هذا مُوسى وقومُه، ولكِنِ انْظُرْ إلى الأفُقِ فإذا سَوَادٌ عَظِيْمٌ.
ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ إلى هذا الجانِبِ فإذا سَوَادٌ عَظِيْمٌ، فقيلَ: هذه أُمَّتُكَ وَمَعَهُم سَبْعُون ألفًا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولا عَذَابٍ".
ثمّ نهض رسول الله ﷺ فَدَخَلَ، فخاض القوم في ذلك فقالوا: مَن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ؟ فقال بعضهم: لعلّهم الذين صحبوا النبي ﷺ.
وقال بعضهم: لعلّهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا باللّه شيئًا قطُ، وذكروا أشياء.
فخرج إليهم رسول الله ﷺفقال: "ما هذا الذي كُنْتُم تَخُوضُوْنَ فيه"؟ فأخبروه بمقالتهم،فقال: "هُمُ الذينَ لا يَكْتَوُوْنَ وَلا يَسْتَرْقُوْنَ وَلَا يَتَطَيَّرُوْنَ وَعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ"، فقام عُكاشة بن مِحْصَن الأسدي فقال: أنا منهم يا رسولَ الله؟ قال: "أنْتَ مِنْهُم".
ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول اللّه؟ فقال "سبَقَكَ بها عُكَاشَةُ".
وهذا الحديث له طرق كثيرة جدًا، وهو في الصحاح والحسان وغيرها، وسنوردها إن شاء اللّه تعالى في باب صِفَة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها.
وقد ذكر اللّه تعالى موسى ﵇ في القرآن كثيرًا، وأثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مرارًا وكررها كثيرًا، مطو لة ومبسوطة ومختصرة، وأثنى عليه بليغًا.
وكثيرًا ما يقرنه الله تعالى ويذكره، ويذكر كتابه مع محمد ﷺ وكتابه، كما قال في سورة البقرة ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].
وقال اللّه تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ١ - ٤].
وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١، ٩٢].
فأثنى تعالى على التوراة، ثمّ مدح القرآن العظيم مدحًا عظيمًا، وقال تعالى في آخرها: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤، ١٥٥].
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا
تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ … ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٨].
فجعل القرآن حاكمًا على سائر الكتب غيره، وجعله مصدِّقًا لها ومبينًا ما وقع فيها من التحريف والتبديل، فإن أهل الكتاب استُحفِظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها، ولا على ضبطها وصونها، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهومِهم، وقصورهم في علومهم، ورداءة قصودهم، وخيانتهم لمعبودهم، عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة.
ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البيّن على اللّه وعلى رسله ما لا يحدُّ ولا يوصف، وما لا يوجد مثله ولا يعرف.
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠].
وقال اللّه تعالى في سورة القَصَص: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨، ٤٩].
فأثنى اللّه على الكتابين وعلى الرسولين، ﵉.
وقالت الجن لقومهم: إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى.
وقال ورقة بن نوفل لما قصَّ عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى من أول الوحي، وتلا عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] قال: سُبُّوحٌ سبوح، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران.
وبالجملة فشريعة موسى ﵇ كانت عظيمة، وأمته كانت أمّةً كثيرة، ووجد فيهم أنبياء وعلماء وعبَّاد وزهاد وملوك وأمراء وسادات وكبراء.
لكنّهم كانوا فبادوا، وتبدّلوا كما بُدِّلت شريعتهم، ومُسخوا قِردة وخنازير، ثمّ نسخت بعد كل حساب ملَّتهم، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها، ولكن سنورد ما فيه مَقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء اللّه.
وبه الثقة وعليه التُّكلان.
* * *
(١) ضبَّبَ الخشب: ألبسه الحديد أو الذهب أو نحوهما.
(٢) الكروبيون: الملائكة المقربون.
(٣) الصحاف: جمع صَحْفَة، وهي آنية الطعام.
والمصافي: جمع مصفاة.
(٤) في العهد القديم: ذهب نقي
(٥) النَّخَعي، بفتح النون والخاء المعجمة: نسبة إلى النخع،
مختارات

