ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم عليهما الصلاة والسلام (٣)
وأعتدت لهنَّ ضِيافة مثلهنَّ، وأحضرتْ في جملة ذلك شيئًا مما يُقَطعُ بالسكاكين؛ كالأَتْرُجُ (١) ونحوه.
وآتتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكِّينًا، وكانت قد هيَّأتْ يوسفَ ﵇، وألبستْه أحسنَ الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرتْه بالخروج عليهن بهذه الحالة.
فخرجَ وهو أحسنُ من البَدْر لا محالة ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعظمنَه وأجللنَه وهِبْنه، وما ظننَّ أن يكونَ مثل هذا في بني آدم، وبهرهنَّ حُسْنه، حتى اشتغلنَ عن أنفسهن، وجعلنَ يحززنَ في أيديهنَ بثلك السكاكين، ولا يشعرنَ بالجراح ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وقد جاء في حديث الإسراء "فمررتُ بيوسفَ وإذا هو قد أعطي شَطْرَ الحُسْن"
قال السهيلي ) وغيره من الأئمة: معناه أنَّه كان على النصْفِ من حُسْن آدمَ ﵇، لأن الله تعالى خلقَ آدمَ بيده، ونفخَ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحُسْنِ البشريِّ، ولهذا يدخلُ أهلُ الجنّةِ الجنَّةَ على طُولِ آدمَ وحُسْنه، ويُوسف كان على النصفِ من حُسْنِ آدمَ، ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنَّه لم تكن أنثى بعد حوَّاء أشبه بها من سَارَة امرأة الخليل ﵇.
قال ابن مسعود: وكان وجهُ يوسفَ مثل البرق، وكان إذا أتته امرأةٌ لحاجةٍ غطَّى وجهه.
وقال غيره: كان في الغالب مبرقعًا لئلا يراه النَّاسُ، ولهذا لمَّا قام عذرن امرأة العزيز في محبَّتِها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهنَّ ما جرى من تقطيعِ أيديهن بجِراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدَّهش عند رؤيتِه ومعاينتِه.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحتْه بالعِفَّة (٤)التَّامَّة، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وكان بقيَّةُ النساء حرَّضْنَهُ على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشدَّ الإباء، ونأى لأنه من سُلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إن وَكَلْتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملكُ لنفسي نفعًا ولا ضَزَأ إلا ما شاء الله، فأنا ضعيفٌ إلا ما قوَّيتني وعصمتني وحفظتني، وحُطتني بحولك وقؤتك، ولهذا قال تعالى:﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ
مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٤١].
يذكرُ تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي: ظهرَ لهم من الرأي بعدما علموا براءةَ يوسفَ أن يسجنوه إلى وقتٍ، ليكونَ ذلك أقلّ لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها، وليظهروا أنه راودَها عن نفسها فسُجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا مما قدَّر اللّه له، ومن جملة ما عصمَه به، فإنَّه أبعدُ له عن معاشرتِهم ومخالطتِهم، ومن هاهنا استنبطَ بعضُ الصوفية، ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة ألَّا تجد (٢)!.
قال اللّه تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدُهما ساقي الملك واسمه فيما قيل "نبو"، والآخر خبَّازه، يعني الذي يلي طعامَه، وهو الذي يقول له الترك "الجاشنكير"واسمه فيما قيل "مجلث" كان الملك فد اتَّهمَهما في بعض الأمور فسجنَهما.
فلما رأيا يوسفَ في السجن أعجبَهما سَمْتُه وهديُه ودلُّه، وطريقته وقولُه وفعلُه، وكثرةُ عبادته ربَّه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تُناسبُه.
قال أهلُ التفسير: رأيا في ليلة واحدة، أما الساقي فرأى كأن ثلاثَ قضبان من حَبَلةٍ (٣)، وقد أورقت وأينعتْ عناقيدَ العِنبِ، فأخذَها فاعتصرَها في كأسِ الملك وسقاه.
ورأى الخبَّازُ على رأسه ثلاثَ سِلالٍ من خبزٍ وضَواريَ الطيور تأكلُ من السَّلَ الأعلى، فقصَّاها عليه،وطلبا منه أن يُعبرهما لهما وقالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرَهما أنه عليمٌ بتعبيرها، خبيرٌ بأمرها و ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.
قيل: معناه مهما رأيتُما من حلم فإني أعَبِّره لكم قبلَ وقوعه، فيكونُ كما أقول.
وقيل: معناه إني أخبرُكما بما يأتيكما من الطعام قبل مَجيئهِ حلوًا أو حامضًا، كما قال عيسى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وقال لهما: إن هذا من تعليم اللّه إياي، لأني مؤمنٌ به مُوحِّد له، مُتَبعٌ مِلَّة آبائي الكرام إبراهيم
الخليل وإسحاق ويعقوب ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ أي: بأن هدانا لهذا ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: بأن أمرنا أن ندعوَهم إليه، ونرشدَهم وندلَّهم عليه، وهو في فِطَرِهم مركوزٌ وفي جِبِلَّتِهم مغروزٌ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
ثم دعاهم إلى التوحيد، وذمّ عبادة ما سوى اللّه ﷿، وصغَّر أمرَ الأصنام وحقَّرَها، وضعَّفَ أمرَها، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩، ٤٠] أي: هو المتصرف في خلقه، الفعَّال لما يُريد، الذي يَهدي منْ يشاءُ، ويُضلُّ منْ يشاء ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: وحدَه لا شريك له و ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم والصراط القويم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فهم لا يَهتدون إليه، مع وضوحه وظهوره، وكانت دعوتُه لهما في هذه الحال في غاية الكمال، لأنَّ نفوسَهما مُعظِّمةٌ له، منبعثة على تلقِّي ما يقول بالقَبول، فناسبَ أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه.
ثمَّ لما قام بما وجبَ عليه وأرشدَ إلى ما أرشدَ إليه، قال:﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ قالوا: وهو الساقي، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ قالوا: وهو الخبَّاز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: وقعَ هذا لا محالةَ، ووجبَ كونُه على حالة، و لهذا جاء في الحديث "الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّرْ فإذا عُبِّرَتْ وقعتْ").
وقد رُوي عن ابن مسعود، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهما قالا لم نرَ شيئًا.
فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] يُخبر تعالى أنَّ يوسفَ ﵇ قال للذي ظنَّه ناجيًا منهما وهو الساقي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكرْ أمري وما أنا فيه من السجن بغير جُرْمٍ عند الملك.
وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب.
ولا ينافي ذلك التوكل على ربِّ الأرباب.
وقوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى النَّاجي منهما الشيطانُ أن يذكرَ ما وصَّاه به يوسف ﵇.
قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد، وهو الصواب،وهو منصوصُ أهل الكتاب ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع.
وقيل: إلى السبع.
وقيل:إلى الخمس.
وقيل: ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي.
ويقال:بضع نسوة، وبضعة رجال.
ومنعَ الفرَّاءُ استعمالَ البضع فيما دون العشر.
قال: وإنما يُقال: نيف.
وقال اللّه تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] وهذا ردٌّ لقوله.
قال الفراء: ويُقال بضعة عشر، وبضعة وعشرون إلى التسعين،ولا يُقال: بضع ومئة، وبضع وألف.
وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر، فمنعَ أن يُقال: بضعة وعشرون إلى تسعين.
وفي الصحيح: "الإيمان بضعٌ وستون" وفي رواية: "وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"
ومن قال: إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسفَ، فقد ضُعِّفَ ما قاله، وإن كان قد رُوي عن ابن عباس وعكرمة، والحديث الذي رواه ابنُ جرير ) في هذا الموضع ضعيفٌ من كل وجه.
تفرَّد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي ) المَكِّيّ، وهو متروك.
ومُرسلُ الحسن وقتادة لا يُقبل ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى، واللّه أعلم.
فأما قول ابن حبَّان في صحيحه عند ذكر السبب الذي من أجله لبثَ يوسف في السجن ما لبثَ: أخبرنا الفضل بن الحباب الجُمحيّ، حَدَّثَنَا مُسدَّد بن مُسَرهدٍ، حَدَّثَنَا خالدُ بن عبدِ اللّه، حَدَّثَنَا محمّدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "رحمَ اللّه يوسفَ لولا الكلمة التي قالها ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبثَ في السجن ما لبثَ، ورحمَ اللّه لوطًا إنْ كان ليأوي إلى رُكْنٍ شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال: فما بعثَ اللّه نبيًّا بعده إلا في ثروة من قومه".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة، له أشياء ينفردُ بها، وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدِّها.
والذي في الصحيحين ) يشهدُ بغلطها، واللّه أعلم.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٣ - ٤٩] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف ﵇ من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن مَلِكَ مصرَ، وهو الريَّان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب: رأى كأنَّه على حافَة نهر، وكأنَّه قد خرجَ منه سبع بقرات سمان، فجعلنَ يرتعنَ في روضة هناك، فخرجتْ سبْعٌ هُزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعنَ معهنَّ، ثم مِلْنَ عليهنَّ فأكلنهنَّ، فاستيقظ مذعورًا، ثم نامَ فرأى سبعَ سنبلات خُضْرٍ في قصبةٍ واحدةٍ، وإذا سبع أُخرُ دقاقٌ يابسات، يأكلنهنَّ، فاستيقظَ مذعورًا.
فلما قصَّها على ملئِه وقومِه، لم يكن فيهم من يُحسنُ تعبيرَها، بل ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط أحلام من الليل، لعلَّها لا تعبيرَ لها، ومع هذا فلا خبرةَ لنا بذلك،ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكَرَ النَّاجي منهما الذي وصَّاه يوسفُ بأن يذكرَه عند ربه فنسيَه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله ﷿، وله الحكمة في ذلك، فلما سمعَ رؤيا الملكِ ورأى عَجْزَ النَّاس عن تعبيرها، تذكَّرَ أمرَ يوسف، وما كان أوصاه به من التَّذْكار،ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ﴾ أي: تذكَر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعدَ مدَّةٍ من الزمان، وهو بضعُ سنينَ، وقرأ بعضهُم كما حُكيَ عن ابن عبَّاس وعكرمة والضَّحَّاك ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد نسيان، وقرأها مجاهد (بعد أمْهٍ) بإسكان الميم، وهو النسيان أيضًا، يقال: أمِهَ الرجلُ يامَهُ أمْهًا وأمَهًا: إذا نسي، قال الشاعر: [من الوافر]
أمِهْتُ وكنتُ لا أنسى حديثًا … كذاكَ الدهرُ يردي بالعقول
فقال لقومه وللملك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلوني إلى يوسفَ، فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وعند أهل الكتاب أن الملكَ لما ذكرَه له الساقي استدعاه إلى حضرتِه، وقصَّ عليه ما رآه، ففسَّره له.
وهذا غَلَطٌ، والصوابُ ما قصَّه الله في كتابه القرآن، لا ما غُرَّ به هؤلاء الجهلة الثيران، من قرَّايٍ وَرَبَّان ).
فبذلَ يوسفُ ﵇ ما عندَه من العلم بلا تأخرٍ ولا شرطٍ، ولا طلبٍ للخروج )سريعًا، بل أجابَهم إلى ما سألوا، وعبَّرَ لهم ما كان من منام الملك الدَالِّ على وقوع سبع سنين من الخصب، ويعقُبها سبعٌ جدب.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يعني:يأتيهم الغيث والخِصْبُ والرفاهية
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: ما كانوا يعصرونَه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسُّمْسُم وغيرها، فعبَّرَ لهم، وعلى الخير دلَّهم وأرشدَهم إلى ما يعتمدونه في حالتيْ خِصْبهم وجَدْبهم، وما يفعلونه من ادِّخار حبوبِ سنيِّ الخِصْب في السبع الأول في سنبله، إلا ما يُرصدُ بسبب الأكلِ، ومن تقليل البذر في سنيِّ الجَدْب في السبع الثانية، إذ الغالبُ على الظَّنِّ أنه لا يردُّ البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣].
لما أحاطَ الملكَ علمًا بكمال علم يُوسف ﵊، وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه، أمرَ بإحضاره إلى حضرتِه، ليكونَ من جملة خاصَّتِه.
فلما جاءه الرسولُ بذلك أحبَّ ألا يخرجَ حتى يتبينَ لكلِّ أحد أنه حُبسَ ظلمًا وعدوانًا، وأنه بريءُ السَّاحة مما نسبوه إليه بهتانًا ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل: معناه إنَّ سيدي العزيز يعلمُ براءتي مما نُسبَ إليَّ.
أي: فمر الملكَ فليسألهنَّ: كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهنَّ إيايَ وحثِّهنَّ لي على الأمر الذي ليس برشيدٍ ولا سديدٍ؟ فلما سُئلنَ عن ذلك اعترفنَ بما وقع من الأمر، وما كان منه من الأمر الحميد ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فعند ذلك ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وهي "زليخا"﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهرَ وتبيَّنَ ووضحَ، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبعَ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فيما يقوله من أنه بريء، وأنه لم يُراودني، وأنه حُبِسَ ظلمًا وعدوانًا وزورًا وبهتانًا، وقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ قيل: إنه من كلام يوسفَ، أي: إنما طلبتُ تحقيق هذا، ليعلمَ العزيزُ أني لم أخنْهُ بظهر الغيب.
وقيل: إنه من تمام كلام "زليخا" أي: إنما اعترفتُ بهذا ليعلمَ زوجي أني لم أخنْه في نفسِ الأمر، وإنما كان مُراودةً لم يقع معها فعل فاحشةٍ، وهذا القولُ هو الذي نصرَه طائفةٌ كثيرةٌ من أئمة المتأخرين وغيرهم، ولم يحكِ ابنُ جرير وابن أبي حاتم سوى الأول.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: إنه من كلام يوسف، وقيل: من كلام "زليخا" وهو مُفرَّع على القوليْن الأوَّلين، وكونُه من تمام كلام "زليخا" أظهرُ وأنسبُ وأقوى، واللّه أعلم.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٧].
لما ظهرَ للملك براءةُ عِرْضِه
ونزاهةُ ساحتِه عمَّا كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من خاصَّتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي.
فلما كلَّمه وسمعَ مقالَه، وتبيَّنَ حالَه ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: ذو مكانة وأمانة ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلبَ أن يولّيه النظرَ فيما يتعلق بالأهراء (٤)؛ لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضيّ سبع سنيِّ الخِصْبِ، لينظرَ فيها بما يرضي اللّه في خَلْقِه من الاحتياط لهم والرِّفْق بهم، وأخبر المَلِكَ: إنه حفيظ، أي:قوي على حفظ ما لديه أمين عليه، عليمٌ بضبط الأشياء ومصالح الأهراء، وفي هذا دليلٌ على جواز طلب الولاية لمن علمَ من نفسه الأمانةَ والكفاءة.
وعند أهل الكتاب أنَّ فرعونَ عظَّمَ يوسف ﵇ جدًا وسلَّطَه على جميع أرض مصر، وألبسه خاتَمه الحريرَ، وطوَّقَه الذهبَ، وحملَه على مركبه الثاني، ونُودي بين يديْه: أنتَ ربّ ومُسلَّط.
وقال له: لستُ أعظمَ منكَ إلا بالكرسيّ.
قالوا:وكان يوسفُ إذ ذاك ابنَ ثلاثينَ سنة وزوَّجه امرأةً عظيمةَ الشأن.
وحكى الثعالبيُّ ): أنه عزلَ "أطفيرَ" عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل: إنه لما مات زوَّجه امرأته "زليخا" فوجدَها عذراءَ، لأن زوجَها كان لا يأتي النساءَ، فولدتْ ليوسفَ ﵇رجلين، وهما: "أفرايم" و "منشا" قال: واستوثقَ ليوسفَ مِلْكُ مصرَ، وعمل فيهم بالعدل، فأحبَّه الرجال والنساء.
وحُكي أنَّ يوسفَ كان يوم دخلَ على الملك عمرُه ثلاثين سنة، وأن المَلِكَ خاطبَه بسبعين ) لغةً، وكلُّ ) ذلك يُجاوبه بكلِّ لغةٍ منها، فأعجبه ذلك مع حداثه سنه، فاللّه أعلم.
قال اللّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ أي: بعد السجن والضيق والحَصْر، صار مطلقَ الرِّكاب لديار مصرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ أي: أين شاء حلَّ منها مكرَّمًا محسودًا معظَّمًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هذا كلُّه من جزاء اللّه وثوابه للمؤمن، مع ما يدَّخرُ له في آخرتِه من الخير الجزيل والثواب الجميل، ولهذا قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
ويقال: إن "أطفير" زوج "زليخا" كان قد ماتَ، فولاه الملك مكانَه، وزوَّجه امرأته "زليخا" فكان وزيرَ صدق.
وذكر محمد بن إسحاق: أن صاحبَ مصر الوليد بن الريَّان أسلم على يديْ يوسف ﵇، فاللّه أعلم، وقد قال بعضُهم:[من الطويل]
وراءَ مضيقِ الخوفِ متّسعُ الأمنِ … وأوَّلُ مفروحٍ به غايةُ الحُزْنِ
فلا تيأسنْ، فاللّهُ مَلَّكَ يوسفًا … خزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٢] يُخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه ) إلى الديار المصريَّة يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سنيّ الجَدْب وعمومِها على سائر البلاد والعباد، وكان يوسفُ ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا، فلما دخلوا عليه عرفَهم ولم يعرفوه، لأنهم لم يخطرْ ببالهم ما صارَ إليه يوسفُ ﵇ من المكانة والعَظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب: أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم، وأرادَ ألا يعرفوه، فأغلظَ لهم في القول، وقال: أنتم جواسيسُ جئتُم لتأخذوا خبرَ بلادي.
فقالوا: معاذَ اللّه! إنما جئنا نمتارُ (٥) لقومنا من الجَهْد والجُوع الذي أصابنا ونحنُ بنو أب واحدٍ من كنعانَ، ونحنُ اثنا عشرَ رجلًا، ذهبَ منا واحدٌ، وصغيرُنا عند أبينا.
فقال: لا بُدَّ أن أستعلمَ أمرَكم.
وعندهم: أنه حبسَهم ثلاثةَ أيَّام، ثم أخرجهم، واحتبسَ شمعونَ عندَه ليأتوه بالأخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: أعطاهم من الميرة ما جرتْ به عادته في إعطاء كل إنسان حملَ بعير، لا يزيدُه عليه ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهبَ منَّا واحدٌ وبقيَ شقيقُه عند أبينا، فقال: إذا قدمتُم من العام المقبل فأْتُوني به معكم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي: قد أحسنت نزلكم وقِراكم، فرغَّبهم ليأتوه به، ورهَّبهم إن لم يأتوه به قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي:فلستُ أعطيكم ميرةً، ولا أقربُكم بالكُليَّة، عكسَ ما أسدى إليهم أولًا، فاجتهدَ في إحضاره معهم لِتملَّ شوقه منه بالترغيب والترهيب ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنجتهدُ في مجيئه معنا وإتيانِه إليكَ بكلِّ ممكن ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانَه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوَّضون به عن الميرةِ في أمتعتهم من حيثُ لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل: أراد أن يردُّوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل: خشيَ ألا يكونَ عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل: تذمَّم (٦) أن يأخذ منهم عوضًا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرُها.
وعند أهل الكتاب أنها كانت صُورًا من وَرق، وهو أشبه، واللّه أعلم.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٣ - ٦٨].
يذكرُ تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم.
وقولهم له: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: بعد عامنا هذا إن لم تُرسلْ معنا أخانا، فإن أرسلتَه معنا لم يُمنعْ منَّا ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: أي شيء نُريد وقد رُدَّتْ إلينا بضاعتنا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نمتارُ لهم ونأتيهم بما يُصلحُهم في سَنَتهم ومَحْلهم ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ﴾ بسببه ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: في مقابلة ذهاب ولده الآخر، وكان يعقوبُ ﵇ أضنَّ شيءً بولده "بنيامين" لأنه كان يشمُّ فيه رائحةَ أخيه، ويتسلَّى به عنه، ويتعوَّض بسببه منه، فلهذا قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تغلبوا كلُّكم عن الإتيان به ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أ كَّد المواثيقَ وقرَّرَ العهودَ، واحتاطَ لنفسه في ولده، ولن يُغني حَذرٌ من قَدَر.
ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة لما بعثَ الولد العزيز، ولكنَّ الأقدار لها أحكامٌ، والربُّ تعالى يُقدِّرُ ما يشاءُ ويختارُ ما يُريد، ويحكم ما يشاءُ، وهو الحكيم العليم.
ثم أمرَهم ألَّا يدخلوا المدينةَ من بابٍ واحدٍ، ولكنْ ليدخلوا من أبوابٍ مُتفرِّقةٍ.
قيل: أراد ألَّا يُصيبَهم أحدٌ بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالًا حسنةً، وصورًا بديعة، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسُّدِّي والضَّحَّاك.
وقيل: أراد أن يتفرَّقوا لعلَّهم يجدون خبرًا ليوسفَ أو يُحدَّثون عنه بأثر، قاله إبراهيم النخعي، والأول أظهر.
ولهذا قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وعند أهل الكتاب: أنه بعثَ معهم هديَّةً إلى العزيز من الفُستق واللَّوز والصَّنوبر والبُطْم والعسل، وأخذوا الدراهمَ الأولى وعوضًا آخرَ.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩].
يذكرُ تعالى ما كانَ من أمرهم حين دخلوا بأخيهم "بنيامين"على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتمِ ذلك، وسلَّاه عما كان منهم من الإساءة إليه.
ثم احتالَ على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمرَ فتيانه بوضع سقايته - وهي التي كان يشربُ بها، ويكيلُ بها للناس الطعام - عن غِرَّته في متاع بنيامين.
ثم أعلمَهم بأنهم قد سرقوا صُواع الملك، ووعدَهم جُعالةً على ردِّه حِمْلَ بعير، وضمنه المنادي لهم، فأقبلوا على من اتَّهمهم بذلك فأنَّبوه وهجَّنوه (٧) فيما قاله لهم ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا خِلافَ ما رميتمُونا به من السرقة ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
وهذه كانت شريعتهم: أنَّ السارقَ يدفعُ إلى المسروق منه، ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال اللّه تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، ثم قال اللّه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾.
أي: لولا اعترافُهم بأن جزاءه من وُجد في رَحْله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسفَ كان أعلم
منهم وأتم رأيًا وأقوى عزمًا وحزمًا، وإنما فعلَ ما فعلَ عن أمر الله له في ذلك، لأنه يترتبُ على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه،فلما عاينوا استخراجَ الصُّواعِ من حمل بنيامين: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسفَ.
قيل: كان قد سرق صنمَ جدِّه أبي أمه فكسرَه.
وقيل: كانت عمَّتُه قد علَّقتْ عليه بين ثيابه وهو صغير منطقَةً كانت لإسحاق، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعتْ، وإنما أرادتْ أن يكونَ عندها وفي حضانتها لمحبَّتها له.
وقيل:كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل: غير ذلك فلهذا ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها، وقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أجابَهم سرًّا لا جهرًا، حلمًا وكرمًا وصفحًا وعفوًا، فدخلوا معه في الترفُّق والتعطُّف، فقالوا: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء.
هذا ما لا نفعله ولا نسمحُ به، وإنما نأخذُ من وجدْنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرَّفَ إليهم حينئذ، وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيِّدًا ).
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٧].
يقول تعالى مخبرًا عنهم: إنهم لما استيأسوا من أخذه منه خَلصُوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرُهم وهو روبيل ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ لقد أخلفتُم عهدَه وفرَّطتم فيه كما فرَّطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبقَ لي وجهٌ أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزالُ مقيمًا هاهنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بأن يقدِّرني على رد أخي إلى أبي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: أخبروه بما رأيتُم من الأمر في ظاهر المشاهدة ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ
(١) "الأَتْرُّج": شجر يحمل ثمرًا كالليمون، حامض الطعم، ويُسمَّى: تفاح العجم.
(٢) أي: ألا تجد ما فيه الابتلاء.
(٣) "الحَبَلة": الأصل أو القضيب من شجرة الأعناب.
(٤) الأهراء: جمع الهُرْي، وهو بيت ضخم يُجمع فيه طعام السلطان (مخزن أو مستودع).
(٥) نمتار: نجلب الميرة، وهي الطعام.
(٦) تذمَّم: امتنع واستنكف.
(٧) هجَّنوه: عابوه، من هجَّن الأمرَ: إذا قبَّحه وعابه.
مختارات

