ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم عليهما الصلاة والسلام (٤)
الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: فإن هذا الذي أخبرناكَ من أخذهم أخانا لأنَّه سرقَ أمر اشتهرَ بمصر، وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجيّةً له ولا خلقه، وإنما سوَّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل.
قال ابن إسحاق وغيره: لما كان التفريط منهم في "بنيامين"مترتبًا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال.
وهذا كما قال بعضُ السلف: إنَّ من جزاء السيئة السيئة بعدَها، ثم قال:﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بحالي، وما أنا فيها من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يُقدِّرُه ويفعله، وله الحِكمةُ البالغة،والحجَّة القاطعة ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عن بنيه ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ذكَّره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرَّك ما كان كامنًا، كما قال بعضهم: [من الكامل]
نقِّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى … ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّلِ )
وقال آخر: [من الطويل]
لقد لامَني عندَ القُبور على البُكا … رفيقي لتذرافِ الدُّموع السَّوافِكِ (١)
فقالَ أتبكي كلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ … لقبرٍ ثوى بينَ اللِّوى فالدكادك (٢)
فقلتُ له إن الأسى يبعثُ الأسى … فَدَعْني فهذا كلّهُ قبرُ مالك )
وقوله ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف، فلما رأى بنوه ما يُقاسيه من الوَجْد وألم الفراق ﴿قَالُوا﴾ له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يقولون لا تزالُ تتذكره حتى ينحلَ جسدُك، وتضعف قوَّتُك، فلو رَفقْتَ بنفسك كان أولى بك ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكو إلى الله ﷿، وأعلم أن الله سيجعلُ لي مما أنا فيه فَرَجًا ومخْرَجًا، وأعلم أن رؤيا يوسفَ لابُدَّ أن تقعَ، ولابُدَّ أن أسجدَ له أنا وأنتم حسبَ ما رأى، ولهذا قال:﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم مُحرّضًا على تَطلُّبٍ يوسفَ وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
الكافرون.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٨٨ - ٩٣].
يُخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه، وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصَّدقة عليهم بردَّ أخيهم "بنيامين" إليهم ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: من الجَدْب وضيق الحال وكثرة العِيال ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يُتجاوزَ عنها.
قيل: كانت دراهم رديئة.
وقيل: قليلة.
وقيل: حبّ الصنوبر وحبّ البُطْم، ونحو ذلك.
وعن ابن عباس: كانت خلق الغرائر (٣) والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل: بقبولها.
قاله السُّدِّي.
وقيل: برد أخينا إلينا.
قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عُيينة: إنما حرمت الصَّدقةُ على نبيِّنا محمد ﷺ ونزعَ بهذه الآية.
رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبقَ عندهم سواه من ضعيف المال، تعرَّف إليهم وعطفَ عليهم قائلًا لهم عن أمر ربِّه وربِّهم وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال الذي يعرفون ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وتعجَّبوا كلَّ العجب، وقد تردَّدوا إليه مرارًا عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يعني أنا يوسف الذي صنعتُم معه ما صنعتُم، وسلفَ من أمرِكم فيه ما فرَّطتم، وقوله: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال، ولهذا قال ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا، وشدة معاقد عِزِّنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربِّنا، وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا، وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: فضَّلكَ وأعطاكَ ما لم يُعْطِنا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: فيما أسدينا إليكَ، وهانحن بين يديك ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لستُ أُعاقبكُم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم زادَهم على ذلك فقال ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ومن زعم أن الوقفَ على قوله لا تثريبَ عليكم، وابتدأ بقوله ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقوله ضعيف، والصحيح الأول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذي يلي جسدَه، فيضعوه على عينيْ أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهبَ بإذن الله، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات.
ثم أمرَهم أن يتحمَّلوا بأهلهم أجمعينَ إلى ديار مصرَ، إلى الخير والدَّعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٤ - ٩٨].
قال عبدُ الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، سمعت ابنَ عبَّاس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجتِ العيرُ، هاجتْ ريحٌ فجاءتْ يعقوبَ بريحِ قميص يوسف ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحَه من مسيرة ثمانية أيام ).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم: عن أبي سنان، به.
وقال الحسنُ البصري وابن جُريج المكي: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخًا، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.
وقوله ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تقولون إنما قلتَ هذا من الفند، وهو الخَرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جُبير وقتادة: تفندون: تسفهون.
وقال مجاهد أيضًا والحسن تهرمون ).
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال قتادة والسُّدي:قالوا له كلمة غليظة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: بمجرد ما جاءَ ألقى القميصَ على وجه يعقوبَ، فرجعَ من فوره بصيرًا بعدما كان ضريرًا، وقال لبنيه عند ذلك ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلمُ أنَّ الله سيجمعُ شَمْلي بيوسفَ، وستقرُّ عيني به، وسيُريني فيه ومنه ما يسرُّني، فعند ذلك ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.
طلبوا إليه أن يستغفرَ لهم الله ﷿ عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيِّتهم التوبةُ قبلَ الفعل قيَّضهُم الله للاستغفار عند
وقوع ذلك منهم، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوه وما عليه عوَّلوا قائلًا ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال ابن مسعود، وإبراهيم التَّيْميُّ، وعمرو بن قيس، وابن جُرَيْج، وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السَّحر ).
قال ابن جرير: حدَّثني أبو السَّائب، حدَّثنا ابنُ إدريس، سمعتُ عبدَ الرحمن بن إسحاق يذكرُ عن مُحارب بن دِثَار، قال: كان عمٌّ لي ) يأتي المسجدَ، فسمعَ إنسانًا يقول: اللهم دعوتني فأجبتُ، وأمرتني فأطعتُ، وهذا السَّحرُ فاغفرْ لي.
قال:فاستمعَ الصوتَ فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسألَ عبدَ الله عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ أخَّرَ بنيه إلى السَّحر بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ).
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
وثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربُّنا كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له".
وقد وردَ في حديثٍ أنَّ يعقوبَ أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة.
قال ابن جرير: حدَّثني المثنَّى، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، حدَّثنا الوليد، أنبأنا ابن جُرَيْج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ:﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقولُ: "حتى تأتيَ ليلةُ الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه" ).
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا على ابن عباس ﵁.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١].
هذا إخبارٌ عن حال اجتماع المتحابِّين بعد الفُرْقة الطويلة التي قيل: إنها ثمانون سنة، وقيل: ثلاث
وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن.
وقيل: خمس وثلاثون سنة، قاله قتادة.
وقال محمد بن إسحاق: ذكروا أنه غابَ عنه ثماني عشرة سنة.
قال: وأهلُ الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة.
وظاهر سياق القصة يُرشد إلى تحديد المدة تقريبًا، فإن المرأة راودتْه وهو شابٌّ ابن سبع عشرة فيما قاله غير واحد، فامتنع فكان في السجن بضع سنين، وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أُخرج فكانت سنواتُ الخِصْب السبع، ثم لما أمحل النَاسُ في السبع البواقي، جاء إخوتُه يمتارون في السنة الأولى وحدَهم، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين، وفي الثالثة تعرَّف إليهم وأمرَهم بإحضار أهلهم أجمعين، فجاؤوا كلُّهم ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ اجتمع بهما خصوصًا وحدَهما دون إخوته ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قيل هذا من المقدَّم والمؤخَّر، تقديرُه: ادخلوا مصرَ وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير، وهو معذور.
قيل: تلقَّاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قاله السُّدِّي.
ولو قيل: إن الأمرَ لا يحتاجُ إلى هذا أيضًا، وإنه ضمَّن قوله ادخلوا معنى اسكنوا وأقيموا بها ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ لكان صحيحًا مليحًا أيضًا.
وعند أهل الكتاب: أن يعقوبَ لما وصلَ إلى أرض "جاشر"وهي أرض "بلبيس" خرج يوسف لتلقِّيه، وكان يعقوبُ قد بعثَ ابنه يهوذا بين يديه مُبشِّرًا بقدومه.
وعندهم: أنَّ الملك أطلقَ لهم أرضَ "جاشر" يكونون فيها، ويقيمون بها بنعَمهم ومواشيهم.
وقد ذكرَ جماعةٌ من المفسِّرين أنه لما أزفَ قدومُ نبيِّ الله يعقوب وهو إسرائيل، أرادَ يوسفُ أن يخرجَ لتلقِّيه، فركبَ معه الملكُ وجنودُه خدمةً ليوسف، وتعظيمًا لنبيِّ الله إسرائيل، وأنه دعا للملك، وأنَّ الله رفعَ عن أهل مصرَ بقيَّة سنيّ الجَدْب ببركة قدومه إليهم، فالله أعلم.
وكان جملة منْ قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم، فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود: ثلاثة وستين إنسانًا.
وقال موسى بن عبيدة: عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شدَّاد، كانوا ثلاثة وثمانين إنسانًا.
وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانًا.
قالوا: وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمئة ألف مقاتل.
وفي نص أهل الكتاب: أنَّهم كانوا سبعين نفسًا، وسمَّوهم.
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل: كانت أُمه قد ماتت، كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين: فأحياها الله تعالى.
وقال آخرون: بل كانت خالتُه ليلى، والخالةُ بمنزل الأم.
وقال ابن جرير ) وآخرون: بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمِّه إلى يومئذ، فلا يُعوَّل على نقل أهل الكتاب فيما خالفَه، وهذا قوي، والله أعلم.
ورفعهما على العرش أي: أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجدَ له الأبوان والإخوة الأحدَ عشر تعظيمًا وتكريمًا، وكان هذا مشروعًا لهم، ولم يزلْ تلك معمولًا به في سائر الشرائع حتَى حَرُمَ في مِلَّتنا.
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا تعبير ما كنتُ قَصَصْتُه عليكَ من رؤيتي الأحدَ عشر كوكبًا والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي: بعد الهمِّ والضيق جعلني حاكمًا نافذَ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية وكانوا يسكنون أرضَ العربات من بلاد الخليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: فيما كان منهم إليّ من الأمر الذي تقدَّم وسبقَ ذكره.
ثم قال ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي:إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابَه ويسَّرها وسهَّلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وُييَسِّرها بلطيف صُنْعه وعظيم قُدْرته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بجميع الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره.
وعند أهل الكتاب: أن يوسفَ باع أهلَ مصرَ وغيرَهم، من الطعام الذي كان تحتَ يده، بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث، وما يملكونه كله، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء.
ثم أطلقَ لهم أرضهم، وأعتقَ رقابهم، على أن يعملوا ويكون خُمُسُ ما يستغلُّون من زَرْعهم وثمارهم للملك، فصارت سُنَّةَ أهل مصرَ بعده.
وحكى الثعالبيُّ ): أنه كان لا يشبعُ في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعانَ، وأنه إنما كان يأكل أكلةً واحدة نصفَ النهار.
قال: فمن ثمَّ اقتدى به الملوكُ في ذلك.
قلت: وكان أميرُ المؤمنين.
عمرُ بن الخطاب ﵁ لا يشبعُ بطنه عام الرمادة حتى ذهبَ الجدْبُ وأتى الخِصْبُ.
قال الشافعي: قال رجلٌ من الأعراب لعمرَ بعدما ذهب عام الرمادة: لقد انجلتْ عنك، وإنك لابن حرَّة.
ثم لما رأى يوسفُ ﵇ نعمتَه قد تمَّت، وشملَه قد اجتمعَ، عرفَ أن هذه الدار لا يُقرّ بها قرار، وأنَّ كلَّ شيء فيها ومنْ عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربِّه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسألَ منه وهو خيرُ المسؤولين أن يتوفَاه -أي: حينَ يتوفَاه- على الإسلام، وأن يُلحقه بعبادِه الصَّالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: "اللهم أحينا مسلمين وتوفَّنا
مسلمين" ).
أي: حين تتوفانا.
ويُحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ﵇، كما سألَ النبيُّ ﷺ عند احتضاره أن يرفعَ روحَه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصَّالحين من النَّبييِّن والمرسلين، كما قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" ) ثلاثًا، ثم قضى.
ويُحتمل أنَّ يوسف ﵇ سأل الوفاة على الإسلام مُنْجزًا في صحَّة منه وسلامةٍ، وأن ذلك كان سائغًا في ملَّتهم وشِرْعتهم، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنَّى نبيّ قط الموتَ قبل يوسف.
فأمَّا في شريعتنا فقد نُهي عن الدعاء بالموت إلَّا عند الفتن، كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد ): "وإذا أردتَ بقومٍ فتنة فتوفَّنا إليكَ غير مفتونين" وفي الحديث الآخر: "ابن آدمَ الموتُ خيرٌ لك من الفِتْنة" وقالت مريم ﵍: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]وتمنَّى الموتَ علىُّ بن أبي طالب لما تفاقمتِ الأمورُ، وعظمتِ الفِتنُ، واشتدَّ القتالُ، وكَثُرَ القيلُ والقالُ، وتمنَّى ذلك البخاريُّ أبو عبد الله صاحب الصحيح، لما اشتدَّ عليه الحالُ، ولقيَ من مخالفيه الأهوال.
فأما في حال الرفاهية: فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما: من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ به، إما مُحسنًا فيزدادُ، وإما مُسيئًا فلعلَّهُ [أنْ] يَسْتَعْتِبَ، ولكن ليقلْ اللَّهُمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي" ) والمرادُ بالضُرِّ هاهنا ما يخصُّ العبدَ في بدنه من مرضٍ ونحوه لا في دينهِ.
والظاهرُ أن نبيَّ الله يوسفَ ﵇سألَ ذلك إما عند احتضارِه أو إذا كان ذلك أن يكونَ كذلك.
وقد ذكرَ ابنُ إسحاق عن أهل الكتاب: أن يعقوبَ أقام بديار مصر عند يوسف سبعَ عشرة سنة، ثم توفي ﵇، وكان قد أوصى إلى يوسفَ ﵇ أن يُدفنَ عند أبويْه إبراهيم وإسحاق.
قال السُّدِّي: فصبرَ، وسَيَّره إلى بلاد الشام فدفنَه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجدَّه الخليل، ﵈.
وعند أهل الكتاب: أن عمرَ يعقوبَ يوم دخلَ مصرَ مئة وثلاثون سنة.
وعندهم: أنه أقام بأرض مصر سبعَ عشرة سنة، ومع هذا قالوا: فكان جميع عمره مئة وأربعين سنة.
هذا نصُّ كتابهم، وهو غلط إما في النسخة أو منهم، أو قد أسقطوا الكسرَ، وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا، فكيف يستعملون هذه
الطريقة هاهنا.
وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]يُوصي بنيه بالإخلاص، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء ﵈.
وقد ذكرَ أهل الكتاب أنَه أوصى بنيه واحدًا واحدًا، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، وبشَّرَ يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تُطيعه الشعوب، وهو عيسى ابن مريم، والله أعلم.
وذكروا: أنه لمَّا ماتَ يعقوبُ بكى عليه أهلُ مصرَ سبعين يومًا، وأمرَ يوسفُ الأطبَّاءَ فطيَّبوه بطيبٍ ومكثَ فيه أربعين يومًا، ثم استأذن يوسفُ ملكَ مصرَ في الخروج مع أبيه ليدفنَه عند أهله، فأذنَ له، وخرجَ معه أكابرُ مصرَ وشيوخُها، فلما وصلوا "حبرون" ) دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيمُ الخليل من عفرون بن صخر الحيثي، فدُفنَ فيها، وعملوا له سبعة أيام.
قالوا: ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزَّى إخوةُ يوسفَ ليوسفَ في أبيهم وترقَّقوا له، فأكرمهم وأحسنَ منقلبهم، فأقاموا ببلاد مصر.
ثم حضرتْ يوسفَ ﵇ الوفاةُ، فأوصى أن يُحملَ معهم إذا خرجوا من مصرَ فيدفن عند آبائه، فحنَّطوه ووضعُوه في تابوت، فكان بمصرَ حتى أخرجَه معه موسى ﵇، فدفنَه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا: فماتَ وهو ابن مئة سنة وعشر سنين.
هذا نصُّهم فيما رأيته، وفيما حكاه ابن جرير أيضًا.
وقال مبارك بن فَضَالة،عن الحسن: أُلقي يوسفُ في الجُبِّ وهو ابنُ سبعَ عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانينَ سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرينَ سنة، ومات وهو ابن مئة سنة وعشرين سنة.
وقال غيره:أوصى إلى أخيه يهوذا صلواتُ الله عليه وسلامُه.
(١) السَّوافك: المنصبّة، يقال سفَكَه: إذا صبَّه وأراقه.
(٢) اللَّوى: ما التوى من الرمل واعوجَّ، والدَّكادكِ: جمع الدك: وهو ما استوى من الرمل والأرض.
(٣) "الغرائر": جمع الغرارة، وهي وعاء من الخيش ونحوه، يُوضع فيه القمح ونحوه.
مختارات

