قصة إبراهيم عليه السلام (٤)
[وقد اعترضَ السُّهيلي ) على هذا الاستدلال بما حاصلُه: أن قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] جملة تامة وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جملة أخرى ليست في حيِّز البشارة.
قال: لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكونَ مخفوضًا إلا أنْ يُعادَ معه حرفُ الجرِّ، فلا يجوز أن يُقالَ: مررت بزيد ومن بعده عمرو، حتى يُقال: ومن بعده بعمرو.
وقال: فقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] منصوبٌ بفعل مُضمَر، تقديرُه: ووهبنا لإسحاق يعقوبَ.
وفي هذا الذي قالَه نظر.
ورجَّح أنَّه إسحاق، واحتجَّ بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال: وإسماعيلُ لم يكن عندَه، إنما كان في حال صِغَرِه هو وأمُّه بحيالِ مكَّةَ، فكيف يبلغُ معه السعي؟! وهذا أيضًا فيه نظرٌ، لأنه قد رُوي أنَّ الخليلَ كان يذهبُ في كثيرٍ من الأوقاتِ راكبًا البراقَ إلى مكَّة، يَطلع على ولده وأمته ثم يرجع، والله أعلم ).
فمن حُكي القولُ عنه بأنَّه إسحاق كعبُ الأحبار، ورُوي عن عمرَ، والعبَّاس، وعليّ، وابن مسعود، ومَسروق، وعِكرمة، وسعيد بن جبير، ومُجاهد، وعَطاء، والشَّعبي، ومُقاتل، وعُبيد بن عمر، وأبي مَيْسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شَقيق، والزُّهْري، والقاسم، وابن أبي بُرْدة، ومكحول، وعُثمان بن حاضر، والسُّدِّي، والحَسن، وقتادة، وأبي الهُذَيل، وابن سابط، وهو اختيارُ ابن جرير )، وهذا عَجبٌ منه، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبَّاس، ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل ﵇.
قال مجاهد، وسعيد، والشعبي، ويُوسف بن مهران، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عباس: هو إسماعيل ﵇.
وقال ابن جرير: حدَّثني يُونس، أنبأنا ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرو بن قَيْس: عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عبَّاس:أنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود ).
وقال عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه: هو إسماعيل.
وقال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن الذبيح، فقال: الصَّحيحُ أنه إسماعيل ﵇.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عليٍّ، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطُّفَيْل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، والحسن، ومجاهد، والشَّعبي، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح؛ أنَّهم قالوا: الذبيحُ هو إسماعيل ﵇.
وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيمَ وسارَة لما مَرُّوا عليهم () مجتازينَ ذاهبينَ إلى مدائنِ قومِ لوط ليدمِّروا عليهم لكفرهم وفُجورهم، كما سيأتي بيانُه في موضِعه إن شاء اللّه تعالى.
قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٣٠].
يذكرُ تعالى أنَّ الملائكةَ - قالوا: وكانوا ثلاثةً: جبريلُ، وميكائيلُ وإسرافيلُ - لما وَردُوا على الخليل، حَسِبهم أولًا أضيافًا، فعاملَهم معاملةَ الضيوف، شوى لهم عِجْلًا سمينًا من خيار بقره، فلمَّا قرَّبَه إليهم وعرضَ عليهم، لم يرَ لهم همَّةً إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوَّة الحاجة إلى الطعام، فنكرهم إبراهيمُ ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] أي: لندَمِّرَ عليهم، فاستبشرتْ عند ذلك سارَةُ غضبًا للّه عليهم، وكانت قائمةً على رؤوس الأضياف، كما جرتْ به عادة الناس من العرب وغيرهم، فلما ضحكت استبشارًا، قال اللّه تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: بشَّرتها الملائكةُ بذلك ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]أي: في صرخة ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]، أي: كما يفعلُ النساء عند التعجُّب ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] أي: كيف يلدُ مثلي وأنا كبيرةٌ وعقيمٌ أيضًا، وهذا بعلي، أي: زوجي شيخًا، تعجَّبت من وجود ولدٍ والحالة هذه ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣].
وكذلك تعجَّب إبراهيمُ ﵇ استبشارًا بهذه البشارة، وتثبيتًا لها وفرحًا بها ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٤، ٥٥] أكَّدوا الخبرَ بهذه
البشارة، وقرَّروه معه، فبشَّروهما ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] وهو إسحاق، وأخوه إسماعيل غلام حليمِ، مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفَه ربُّه بصدق الوعد والصبر.
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وهذا مما استدلَّ به محمَّدُ بن كعب القُرَظي وغيره، على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيل، وأن إسحاق لا يجوزُ أن يُؤمرَ بذبحه بعدَ أنْ وقعتِ البشارةُ بوجوده ووجود ولده يعقوب، المشتق من العَقِب من بَعْده.
وعند أهل الكتاب: أنَّه أَحضرَ مع العِجْل الحَنِيْذِ (١) - وهو المشويُّ - رغيفًا من مَلَّةٍ، فيه ثلاثة أكتالٍ وسَمْنٍ ولبن.
وعندهم: أنَّهم أكلوا، وهذا غَلَطٌ مَحْضٌ.
وقيل: كانوا يُورُون أنَّهم يأكلونَ والطَّعامُ يتلاشى في الهواء.
وعندهم: أنَّ اللّه تعالى قال لإبراهيم: أمَّا سارا امرأتك، فلا يُدعى اسمُها سارا، ولكنْ اسمُها سارَة، وأُباركُ عليها وأُعطيك منها ابنًا وأباركُه، و يكونُ الشُّعوب وملوكُ الشعوب منه.
فخرَّ إبراهيم على وجهه - يعني ساجدًا -وضحكَ قائلًا في نفسه: أبعد مئة سنةٍ يُولد لي غلامٌ، أو سارَةُ تلدُ وقد أتتْ عليها تسعونَ سنة؟!
وقال إبراهيمُ للّه تعالى: ليتَ إسماعيلَ يعيشُ قدَّامكَ.
فقال اللّه لإبراهيمَ: بحقِّي إن امْرأتك سارَة تلدُ لك غلامًا، وتدعو اسمَه إسحاق إلى مثلِ هذا الحينِ من قابل، وأوثقُه ميثاقي إلى الدهر، ولخلفِه من بعده.
وقد استجبت لكَ في إسماعيلَ، وباركتُ عليه وكبَّرتُه ونمَّيتُه جدًا كثيرًا، ويُولد له اثنا عشرَ عظيمًا، وأجعلُه رئيسًا لشعبٍ عظيم.
وقد تكلَّمنا على هذا بما تقدَّم، واللّه أعلم.
فقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] دليلٌ على أنها تستمتعُ بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده بولد ولده يعقوب، أي: يُولد في حياتِهما لتقرَّ أعينُهما به كما قرَّتْ بوالده، ولو لم يرد هذا لم يكن لذكرِ يعقوبَ وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة، ولما عيَّن بالذكر دلَّ على أنهما يتمتعان به ويُسرَّان بولده، كما سُرَّا بمولد أبيه من قبله.
وقال تعالى:﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٤٩].
وهذا إن شاء اللّه ظاهرٌ قويٌّ، ويُؤيِّده قوة ما ثبت في الصحيحين: من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلتُ يا رسول اللّه! أيُّ - مسجد وُضعَ أوَّل؟ قال: "المسجد الحرام"قلت: ثم أيّ؛ قال: "المسجد الأقصى".
قلت: كم بينهما؟
قال: "أربعون سنة" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حَيْثُ أدركت الصَّلاةَ فصلِّ، فكلُّها مسجد" ).
وعند أهل الكتاب: أن يعقوبَ ﵇ هو الذي أسَّس المسجدَ الأقصى، وهو مسجد إيليا بيت المقدس، شرَّفه اللّه.
وهذا مُتَّجِهٌ، ويشهدُ له ما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكونُ بناء يعقوبَ - وهو إسرائيل ﵇ بعد بناءَ الخليل وابنه إسماعيل المسجدَ الحرام بأربعينَ سنةً سواء، وقد كان بناؤُهما ذلك بعد وجود إسحاق، لأن إبراهيمَ ﵇ لمَّا دَعا قال في دعائه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١].
وما جاء في الحديث ): من أنَّ سُليمان بن داود ﵉، لما بنَى بيتَ المقدس سألَ اللّه خِلالًا ثلاثًا، كما ذكرناه عند قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] وكما سنُورده في قصَّته.
فالمرادُ من ذلك أنَّه جدَّد بناءَه، كما تقدَّم من أنَّ بينهما أربعينَ سنةً، ولم يقلْ أحدٌ إنَّ بين سليمان وإبراهيم أربعينَ سنةً، سوى ابن حِبَّان في "تقاسيمه" وأنواعه، وهذا القولُ لم يُوافق عليه، ولا سُبِقَ إليه.
* * *
ذكر بناية (٣) البيت العتيق
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦، ٢٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٤ - ١٢٩].
يذكرُ تعالى عن عبده ورسوله وصفيِّه وخليله إمام الحنفاء ووالد الأنيباء إبراهيم ) عليه أفضل صلاة وتسليم أنَّه بنى البيتَ العتيقَ الذي هو أوَّلُ مسجدٍ وُضِعَ لعموم النَّاس، يعبدون اللّه فيه، وبوَّأه اللّه مكانَه، أي: أرشدَه إليه ودلَّه عليه.
وقد روينا عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب وغيره؛ أنَّه أُرشد إليه بوحي من اللّه ﷿، وقدَّمنا في صفة خلق السموات أنَّ الكعبةَ بحيالِ البيت المَعْمُور، بحيث إنَّه لو سقطَ لسقطَ عليها، وكذلك معابدُ السموات، كما قال بعض السلف: إنَّ في كلِّ سماءً بيتًا يعبدُ اللّهَ فيه أهلُ كلِّ سماءً، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض.
فأمرَ اللّه تعالى إبراهيم ﵇ أن يبنيَ له بيتًا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشدَه اللّه إلى مكان البيتِ المهيّأ له، المعيَّن لذلك، منذ خلق السموات والأرض، كما ثبتَ في الصحيحين: "إن هذا البلدَ حرَّمه اللّه يومَ خلقَ السموات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة اللّه إلى يوم القيامة".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أنَّ البيتَ كان مبنيًّا قبلَ الخليل ﵇.
ومن تمسَّك في هذا بقوله: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فليس بناهضٍ ولا ظاهرٍ، لأن المراد مكانه المقدَّر في علم اللّه، المقرَّر في قدرته، المعظَّم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدمَ إلى زمان إبراهيم.
وقد ذُكِرَ أنَّ آدم نصب عليه قُبَّةً، وأن الملائكة قالوا له: قد طُفْنا قبلَك بهذا البيت، وأنَّ السفينة
طافتْ به أربعين يومًا أو نحو ذلك، ولكن كلُّ هذه الأخبار عن بني إسرائيل.
وقد قرَّرنا أنها لا تصدَّقُ ولا تكذبُ، فلا يُحتجُّ بها، فأما إن ردَّها الحقُّ فهي مردودة.
وقد قال اللّه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أي: أوّل بيت وُضعَ لعموم النَّاس للبركة والهدى البيت الذي ببكة.
قيل: مكة،وقيل: محل الكعبة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]أي: على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده، وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدونَ به ويتمسَّكون بسنَّته، ولهذا قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: الحجَر الذي كان يقف عليه قائمًا، لما ارتفعَ البناءُ عن قامَته، فوضعَ له ولدُه هذا الحجرَ المشهورَ ليرتفعَ عليه لمَّا تعالى البناءُ، وعَظُمَ الفناء، كما تقدَّم في حديث ابن عباس الطويل.
وقد كان الحجَر مُلصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيَّام عُمرَ بن الخطاب ﵁، فأخّره عن البيت قائلًا: لئلا يَشغل المصلين عندَه الطائفين بالبيت، واتُّبعَ عمرُ بن الخطاب ﵁ في هذا، فإنه قد وافقه ربُّه في أشياءَ، منها: في قوله لرسوله ﷺ لو اتَّخَذنا مِن مقام إبراهيمَ مُصلَّى، فأنزل اللّه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ) [البقرة: ١٢٥].
وقد كانتْ آثارُ قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أوَّل الإسلام، وقد قال أبو طالب في قصيدته () اللاميَّة المشهورة: [من الطويل]
وثورٍ ومَنْ أرسى ثَبِيْرًا مكانَه … وراقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونازِلِ (٢)
وبالبيتِ، حق البيت، من بطنِ مكَّةٍ … وباللّهِ إنّ اللّهَ ليس بغَافِلِ
وبالحَجر المُسْوَدِّ إذ يَمْسَحُونه … إذا اكتنفُوه بالضُّحى والأصائلِ (٣)
ومَوْطئ إبراهيمَ في الصّخرِ رَطْبةٌ … على قَدَمَيْهِ حَافيًا غيرَ ناعِل
يعني أنَّ رجلَه الكريمة غاصتْ في الصخرة، فصارتْ على قَدْر قَدَمه حافيةً لا مُنتعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: في حال قولهم ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فهما في غاية الإخلاص والطاعة للّه ﷿،وهما يسألان من اللّه السميع العليم أن يتقبَّلَ منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].
والمقصودُ أن الخليلَ بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع، في وادٍ غير ذي زَرْعٍ، ودعا لأهلها
بالبركة وأن يُرْزقوا من الثمرات، مع قلَّة المياه وعدم الأشجار والزروع والثِّمار، وأن يجعلَه حَرَمًا مُحرَّمًا، وآمنًا مُحتّمًا، فاستجابَ اللّه وله الحمدُ له مسألته، ولبَّى دعوتَه، وآتاه طلبته، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وسألَ اللّهَ أنْ يبعثَ فيهم رسولًا منهم، أي: من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصحية، لتتمَّ عليهم النعمتان الدنيوية والدينية، سعادة الأولى والأخرى.
وقد استجابَ اللّه له، فبعثَ فيهم رسولًا وأيّ رسول، ختمَ به أنبياءَه ورسلَه، وأكملَ له من الدِّين، ما لم يُؤتِ أحدًا قبلَه، وعمَّ بدعوتِه أهلَ الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائِصه من بين سائر الأنبياء، لشرفِه في نفسه، وكمالِ ما أُرسلَ به، وشَرفِ بُقعتهِ، وفصاحة لغتِه، وكمال شَفقتِه على أُمَّته، ولطفه ورحمته، وكريم مَحْتِدِهِ (٤)، وعظيم مولده، وطيب مَصْدَرِه ومَوْرده.
ولهذا استحقَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ إذ كان باني كعبة أهل الأرضِ أن يكونَ منصبُه ومحلُّه وموضعُه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبةُ أهل السماء السابعة المُبارك المبرور، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبَّدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت، وما وردَ في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية، فمن أرادَه فليراجعْه ثَمَّ وللّه الحمد.
فمن ذلك ما قال السُّدِّي: لما أمرَ اللّه إبراهيمَ وإسماعيلَ أن يبنيا البيتَ، ثم لم يدريا أين مكانه، حتى بعثَ اللّه ريحًا يُقال له "الخجوج" ع(٥) لها جناحان ورأس، في صورة حيَّة، فكنستْ لهما ما حولَ الكعبة عن أساس البيت الأوَّل، واتَّبعَاهَا بالمعاول يحفران، حتى وضعا الأساسَ، وذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] ().
فلما بلغا القواعدَ وبنيا الركنَ، قال إبراهيمُ لإسماعيل: يا بني اطلبْ لي [حجرًا حسَنًا أضعُه هاهنا.
قال: يا أبتِ! إني كسلان لَغِبٌ.
قال: عليَّ ذلكَ.
فانطلقَ، وجاءَه جبريلُ] ()بالحَجَرِ الأسودِ من
الهِنْد، وكان أبيضَ ياقوتة بيضاء مثل الثَّغامة (٦).
وكان آدمُ هبطَ به من الجنَّة، فاسوَدَّ من خطايا النَّاسَ، فجاءَه إسماعيلُ بحجر، فوجدَه عند الركن.
فقال يا أبتِ منْ جاءك بهذا؟ قال: جاء به منْ هو أنشطُ منك.
فبنيا وهما يدعوان الله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وذكرَ ابنُ أبي حاتم: أنَّه بناه من خمسة أجبل، وأنَّ ذا القرنين - وكان مَلِكَ الأرضِ إذ ذاك - مرَّ بهما وهم يبنيانه،فقال: منْ أمركما بهذا؛ فقال إبراهيم: الله أمرنا به.
فقال:وما يُدريني بما تقولُ، فشهدتْ خمسةُ أكبشٍ أنَّه أمرَه بذلك، فآمنَ وصدَّق.
وذكر الأزرقي: أنَّه طافَ مع الخليل بالبيت.
وقد كانت الكعبة ) على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بَنَتْها قريش، فقصَّرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال، مما يلي الشام، على ما هي عليه اليوم.
وفي الصحيحين ): من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم؛ أنَّ عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبرَ ابن عمر، عن عائشةَ، أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تريْ إلى قومِك حين بنوا الكعبةَ اقتصروا عن قواعد إبراهيم"فقلتُ: يا رسولَ الله: ألا تردَّها على قواعد إبراهيم؟ فقال:"لولا حدثان قومِك بالكفر لفعلتُ" وفي رواية: "لولا أنَّ قومَك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر، لأنفقت كنزَ الكعبة في سبيل الله، ولجعلتُ بابَها بالأرض، ولأدخلت فيها الحِجْرَ".
وقد بناها ابنُ الزبير رحمه اله في أيَّامه على ما أشار إليه رسولُ الله ﷺ، حسبما أخبرتْه خالتُه عائشة أُمُّ المؤمنين عنه، فلما قتلَه الحَجَّاجُ في سنة ثلاثٍ وسبعين، كتبَ إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أنَّ ابنَ الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسِه، فأمرَ بردِّها إلى ما كانت عليه، فنَقضُوا الحائطَ الشَّاميَّ، وأخرجوا منها الحِجْرَ، ثم سَدُّوا الحائط وردَموا الأحجارَ في جَوْفِ الكعبة، فارتفعَ بابُها الشرقيّ، وسدُّوا الغربيَّ بالكُليَّة، كما هو مشاهد إلى اليوم.
ثم لما بلغَهم أنَّ ابن الزبير إنما فعلَ هذا لما أخبرتْه عائشة أم المؤمنين نَدِموا على ما فَعلوا، وتأسَّفوا أن لو كانوا تركوه وما تولَّى من ذلك.
ثم لما كان في زمن المَهْدي بن المنصور استشارَ الإمامَ مالكٍ بن أنس في ردِّها على الصِّفة التي بناها ابن الزبير، فقال له:إني أخشى أن يتخذَها الملوكُ لعبةً، يعني كلَّما جاءَ مَلِكٌ بناها على الصِّفَة التي يُريد، فاستقرَّ الأمرُ على ما هي عليه اليوم.
* * *
قال اللّه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
لما وفَّى ما أمرَه ربُّه به من التكاليف العظيمة، جعلَه للناس إمامًا يقتدون به، ويأتمُّون بهديْه، وسألَ اللّهَ أن تكونَ هذه الإمامة متصلةً بسببه، وباقيةً في نسبه، وخالدةً في عَقبه، فأُجيبَ إلى ما سأل ورامَ، وسُلِّمَتْ إليه الإمامة بزمام، واستثني من نيلها الظالمون، واختُصَّ بها من ذرِّيته العلماءُ العاملون، كما قال تعالى:﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٧].
فالضميرُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائدٌ على إبراهيم على المشهور، ولوطٌ وإن كان ابنَ أخيه، إلا أنَّه دخلَ في الذريَّة تغليبًا، وهذا هو الحاملُ للقائل الآخر: إن الضميرَ على نوحٍ كما قدَّمنا في قصته، واللّه أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦].
الآية.
فكلُّ كتاب أُنزل من السماء على نبيٍّ من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته.
وهذه خِلْعةٌ سنيَّة لا تُضاهى، ومرتبةٌ عليَّةٌ لا تُباهى.
وذلك أنَّه وُلدَ له لصُلبِهِ ولدان ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارَة، ووُلد لهذا يعقوبُ، وهو إسرائيل الذي ينتسبُ إليه سائرُ أسباطِهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدًا بحيث لا يعلمُ عددَهم إلا الذي بعثهم، واختصَّهم بالرسالة والنبوة حتى خُتِمُوا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل.
وأما إسماعيل ﵇، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبيِّنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، ولم يُوجد من سُلالتِه من الأنبياء سوى خاتَمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدمَ في الدنيا والآخرة محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ المكي، ثم المدني صلوات اللّه وسلامه عليه، فلم يُوجد من هذا الفرع الشريف والغُصْن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدُّرَّة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السَّيِّد الذي يفتخرُ به أهلُ الجمع، ويغبطُه الأَوَّلون والآخرون يوم القيامة.
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم، كما سنُورده أنه قال:"سأقومُ مقامًا يرغبُ إليَّ الخَلْقُ كلُّهم حتى إبراهيم" )فمدحَ إبراهيمَ أباه مِدْحةً عظيمةً في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضلُ الخلائق بعده على الإطلاق، في هذه الحياة الدنيا ويومَ يُكشفُ عن سَاق.
وقال البخاري ): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جريرٌ، عن منصور، عن المِنهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْن ويقول: "إنَّ أباكما كان يُعوِّذ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ: أعوذُ بكلماتِ اللّه التَّامة، من كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّة، ومنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة".
ورواه أهل السنن ): من حديث منصور به.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابًا بسطناها في التفسير )وقرَّرناها بأتمِّ تقرير، والحاصلُ: أنَّ اللّه ﷿ أجابَه إلى ما سألَ، فأمرَه أن يعمد إلى أربعةٍ من الطيور، واختلفوا في تعيينها ) على أقوال، والمقصود حاصل على كلِّ تقدير، فأمره أن يُمرقَ لحومَهنَّ وريشهنَّ، ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسمًا، ويجعل على كلِّ جبل منهنَّ جزءًا، ففعل ما أُمِرَ به، ثم أُمِرَ أن يدعوهنَّ بإذن ربهن، فلما دعاهنَّ، جعلَ كلُّ عضو يطيرُ إلى صاحبه، وكلُّ ريشة تأتي إلى أختها، حتى اجتمعَ بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقولُ للشيء: كن فيكون.
وأتينَ إليه سعيًا، ليكونَ أبينَ له وأوضحَ لمشاهدته يأتين طيرانًا.
ويقال: إنه أُمر أن يأخذَ رؤوسهنَّ في يده، فجعلَ كلُّ طائر يأتي فيُلقي رأسَه، فيتركَّبُ على جثَّته كما كان، فلا إله إلا اللّه.
وقد كان إبراهيمُ ﵇ يعلمُ قدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى علمًا يقينيًا، لا يحتمل النقيضَ، ولكنْ أحبَّ أنْ يُشاهدَ ذلك عيانًا، ويترقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه اللّه إلى سؤاله، وأعطاه غاية مأموله.
وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨] يُنكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين، كون الخليل على ملَّتِهم وطريقتهم، فبرَّأه اللّه منهم، وبيَّن كثرَةَ جهلهم وقلة عقلهم في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] أي: فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعدَه بمدد متطاولة، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] إلى أن قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فبيَّن أنه كان على دين اللّه الحنيف، وهو القصدُ إلى الإخلاص والانحراف عمدًا عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٤١] فنزَّه الله ﷿ خليلَه ﵇ عن أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وبيَّن أنه كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] يعني الذين كانوا على مِلَّتِهِ من اتباعه فى زمانه، ومن تمسَّك بدينه من بعدهم ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] يعني محمدًا ﷺ، فإن الله شرعَ له الدِّينَ النيف الذي شرعه للخليل، وكمَّله اللّه تعالى له وأعطاه ما لم يُعْط نبيًا ولا رسولًا قبلَه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ
اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
وقال البخاري ): حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، عن مَعْمر، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ ﷺ لما رأى الصُّوَرَ في البيت لم يدخلْ حتى أُمِر بها فمُحيت، ورأى إبراهيمَ وإسماعيلَ بأيديهما الأزلامُ، فقال:"قاتلَهم اللّه، واللّه إن استقسما بالأزلام قطّ".
لم يخرِّجْه مسلم.
وفي بعض ألفاظ البخاري ): "قاتلَهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يستقسمْ بها قطُّ".
وقوله: ﴿أُمَّةً﴾ أي: قدوة، إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يُقتدى به فيه ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: خاشعًا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مخلصًا على بصيرة: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١] قائمًا بشكر ربِّه بجميع جوارحِه من قلبه ولسانه وأعمالِه ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أي: اختاره اللّه لنفسه واصطَفَاه لرسالته، واتَّخذه خليلًا، وجمعَ له بين خيري الدنيا والآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] يرغِّب تعالى في اتباع إبراهيم ﵇، لأنه كان على الدِّين القويم والصِّراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أَمر به ربُّه، ومدحَه تعالى بذلك، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، ولهذا اتَّخذه اللّه خليلًا، والخُفَةُ هي غاية المحبَّة، كما قال بعضُهم: [من الخفيف]
قد تَخَلَّلْتَ مَسْلك الرُّوحِ مني … وبذا سُمِّي الخليلُ خليلًا )
وهكذا نالَ هذه المنزلة خاتمُ الأنبياء وسيِّدُ الرسل محمد صلواتُ اللّه وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين )وغيرهما: من حديث جُنْدب البَجليّ، وعبد اللّه بن عمرو، وابن مسعود، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "أيها الناس إن اللّه اتَّخذني خليلًا، كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلًا".
وقال أيضًا في آخرِ خطبةٍ خطبَها: "أيُّها النَّاسُ لو كنتُ مُتَّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكنَّ صاحبَكم خليلُ اللّه".
أخرجاه من حديث أبي سعيد ).
وثبت أيضًا من حديث عبد اللّه بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاريُّ في "صحيحه" ): حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا شعبة، عن حبيب بن جُبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إنَّ معاذا لما قدمَ اليمن صلَّى بهم الصُّبْح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
فقال رجل من القوم: لقد قرَّت عينُ أُمِّ إبراهيم.
وقال ابن مردويه ): حَدَّثَنَا عبدُ الرحيم بن محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن يعقوب الجُوزجاني بمكَّة، حَدَّثَنَا عبدُ اللّه الحنفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بن صالح، عن سلمةَ بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلسَ ناسٌ من أصحاب رسول اللّه ﷺينتظرونه، فخرجَ حتى إذا دنا منهم سمعَهم يتذاكرون، فسمعَ حديثَهم، وإذا بعضُهم يقول: عَجبًا، إن اللّه اتَّخذَ من خلقه خليلًا، فإبراهيم خليله.
وقال آخر: ماذا بأعجبَ اللّه كَلَّمَ موسى تكليمًا.
وقال آخر: فعيسى روحُ الله وكلمتُه.
وقال آخر: آدمُ اصطفاه اللّه.
فخرجَ عليهم فسلَّم، وقال: "قد سمعتُ كلامَكم وعجبَكم أن إبراهيمَ خليلُ الله، وهو كذلك، وموسى كليمُه، وهو كذلك، وعيسى رُوحه وكلمتُه، وهو كذلك، وآدمُ اصطفاه اللّه، وهو كذلك.
ألا وإني حبيبُ الله ولا فخرَ، ألا وإني أوَّلُ شافع وأوَّلُ مُشفع ولا فخر، وأنا أَوَّلُ منْ يُحرِّك حلقةَ باب الجنَّة فيفتحه اللّه، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الأوَّلينَ والآخرين يوم القيامة، ولا فخر".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وله شواهدُ من وجوه أخر، واللّه أعلم.
ورواه الحاكم في مستدركه ): من حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتنكرون أن تكون الخُلَّة لإبراهيم، والكلامُ لموسى، والرؤية لمحمَّد، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد السُّلمي، حَدَّثَنَا الوليد، عن إسحاق بن بشَّار، قال: لما اتَّخذ اللّه إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل، حتى إنْ كان خفقانُ قلبه ليُسمع من بُعد كما يُسمع خفقان الطير في الهواء ).
وقال عُبيد بن عُمير: كان إبراهيمُ ﵇ يُضيِّفُ النَّاسَ، فخرجَ يومًا يلتمسُ إنسانًا يُضيِّفه، فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجعَ إلى داره، فوجدَ فيها رجلًا قائمًا، فقالَ: يا عبد الله ما أدخلكَ داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربِّها.
قال: ومنْ أنتَ؟ قال: أنا مَلَكُ الموتِ، أرسلني ربِّي إلى عبد من عباده أبشِّره بأن اللّه قد اتخذه خليلًا، قال: منْ هو؟ فوالله إنْ أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينَّه،
ثم لا أبرحُ له جارًا، حتَّى يُفرِّقَ بيننا الموتُ.
قال: ذلك العبدُ أنتَ.
قال: أنا؟ قال: نعم.
قال: فبم اتَّخذني ربِّي خليلًا؟ قال:بأنَّك تُعطي النَّاسَ ولا تسألُهم.
رواه ابن أبي حاتم ).
وقد ذكره اللّه تعالى في القرآن كثيرًا في غير ما موضع بالثناء عليه.
والمدح له.
فقيل ): إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعًا، منها خمسة عشر في البقرة وحدها.
وهو أحدُ أولي العزم الخمسة، المنصوص على أسمائهم تخصيصًا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى،وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] الآية.
ثم هو أشرفُ أُولي العزم بعد محمَّدٍ ﷺ، وهو الذي وجده ﵇ في السماء السابعة، مسندًا ظهره بالبيت المعمور، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، في حديث الإسراء ): من أنّ إبراهيمَ في السادسة، وموسى في السابعة، فممَّا انتُقد على شريكٍ في هذا الحديث، والصحيح الأول.
وقال أحمد ): حدثنا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إنَّ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن".
تفرَّد به أحمد ).
ثم مما يدلُّ على أنَّ إبراهيمَ أفضلُ من موسى على الصحيح الحديث الذي قال فيه: "وأخَّرتُ الثالثة ليوم يرغبُ إليّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيم" رواه مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁ ).
وهذا هو المقامُ المحمودُ الذي أخبرَ عنه صلواتُ اللّه وسلامه عليه بقوله: "أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يوم القيامة ولا فخر".
ثم ذكرَ استشفاع الناس بآدمَ ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلُّهم يحيدُ عنها، حتى يأتوا محمد ﷺ: "فيقول: أنا لها، أنا لها" … الحديث
وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر )، ومسلم )، والنسائي )، من طرقٍ عن يحيى بن سعيد القَطَّان، عن عُبيد اللّه، وهو ابن عمر العُمَريّ به.
قال البخاريُّ: حَدَّثَنَا عليٌّ بن عبد اللّه، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبيد اللّه، حدَّثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس؟ قال:"أتقاهم".
قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: "فيوسف نبي الله ابن نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه؟ ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
ثم قال البخاري:قال أبو أسامة ومعتمر، عن عبيد اللّه، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما )، وحديث عبدة بن سليمان )، والنسائي من حديث محمد بن بشر )، أربعتُهم عن عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ).
وقال أحمد ): حَدَّثَنَا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه".
تفرَّد به أحمد.
وقال البخاري ): حَدَّثَنَا عبدة، حَدَّثَنَا عبد الصمد عن ) عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
تفرَّد به من طريق عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، به.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد ): حَدَّثَنَا يحيى، عن سفيان، حدَّثني مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: "يُحشرُ النَّاس حفاة عراة غرلًا، فأول من يُكسى إبراهيم
﵇" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] "فأخرجَاه في الصحيحين ): من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجَّاج )، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به.
وهذه الفضيلة المعيَّنة لا تقتضي الأفضليةَ بالنسبة إلى ما قابلَها مما ثبتَ لصاحب المقام المحمود، الذي يغبطُه به الأوَّلون والآخرون.
وأما الحديث الآخر الذي قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع وأبو نعيم، حَدَّثَنَا سفيان هو الثوري، عن مختار بن فُلْفلٍ، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا خيرَ البريَّة! فقال: "ذاكَ إبراهيم" )، فقد رواه مسلم ) من حديث الثوري وعبد اللّه بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتُهم، عن المختار بن فلفل.
وقال الترمذي ): حسن صحيح.
وهذا من باب الهَضْم والتواضح مع والده الخليل ﵇، كما قال: "لا تُفضِّلوني على الأنبياء، وقال: لا تُفضِّلوني على موسى فإن الناس يُصعقونَ يومَ القيامة، فأكونُ أوَّلَ من يفيقُ، فأجدُ موسى باطشًا بقائمةِ العَرْشِ، فلا أدري أفاقَ قبلي أم جُوزي بصَعْقةِ الطُّور".
وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صَلواتُ اللّه وسلامُه عليه، من أنه سيد ولد آدم يومَ القيامة ).
وكذلك حديث أُبيِّ بن كعب في صحيح مسلم: "وأخرْتُ الثالثةَ ليوم يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيم" ).
ولما كان إبراهيمُ ﵇ أفضلَ الرسل وأولي العزم بعد محمَّد صلواتُ اللّه وسلامه عليهم أجمعين، أُمر المُصلِّي أن يقولَ في تشهده ما ثبتَ في الصحيحين: من حديث كعب بن عُجْرة وغيره، قال: قلنا: يا رسولَ اللّه! السلام عليك قد عرفناه، فكيفَ الصَّلاةُ عليك؛ قال: "قولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ على محمّد وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيم، وباركْ على محمَّد وعلى آلمحمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ) ".
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] قالوا: وفي جميع ما أُمر به، وقامَ بجميع خصال الإيمان وشُعبه، وكان لا يَشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل، ولا يُنسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصِّغار.
قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس [في قوله تعالى]: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه اللّه بالطَّهارة: خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والسِّواك، والاستنشاق، وفرْقُ الرأس.
وفي الجسد: تقليمُ الأظفار، وحَلْقُ العانة، والخِتان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم )، وقال: وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك.
قلت: وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الفطرةُ خمسٌ: الختان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" ).
وفي صحيح مسلم وأهل السنن ): من حديث وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي، عن طلق بن حبيب العَنَزي، عن عبد اللّه بن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: "عَشْر من الفِطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحَلْق العانة، وانتقاص الماء" - يعني: الاستنجاء - قال مصعب: ونسيتُ العاشرةَ إلا أن تكون المضمضة.
قال وكيع: انتقاص الماء.
وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الخِتان.
والمقصودُ أنه ﵊ كان لا يَشغله القيامُ بالإخلاص لله ﷿وخشوع العبادة العظيمة، عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كلِّ عضوٍ ما يستحقه من الإصلاح والتحسين، وإزالة ما له
(يُشيْن ) من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قَلْحٍ (٧) أو وَسَخٍ، فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
[ذكر قصره في الجنة]
قال الحافظ أبو بكر البزَّار ): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان القطَّان الواسطي، ومحمد بن موسى القَطَّان، قالا: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إنَّ في الجنَّةِ قصرًا - أحسبه قال - من لؤلؤة ليس فيه فَصْمٌ (٨)ولا وَهْيٌ (٩)، أعدَّه اللّه لخليله إبراهيم ﵇ نُزُلًا".
قال البزار: وحَدَّثَنَاه أحمد بن حُمَيْد ( المروزي، حَدَّثَنَا النَّضْر بن شُمَيْل، حَدَّثَنَا حماد بن سَلمة، عن سِماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمُ رواه عن حمَّاد بن سلمةَ فأسندَه إلا يزيد بن هارون والنَّضْر بن شُمَيْل، وغيرهما يرويه موقوفًا.
قلتُ: لولا هذه العِلَّة لكان على شرط الصحيح ولم يُخرِّجوه.
[ذكر قصة إبراهيم ﵇]
قال الإمام أحمد ): حَدَّثَنَا يونس وحُجَين، قالا: حَدَّثَنَا الليث، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "عُرِضَ عليّ الأنبياءُ، فإذا موسى ضَرْبٌ من الرجال كأنَّه من رجالِ شنوءةَ، ورأيتُ عيسى ابن مريم فإذا أقربُ مَنْ رأيتُ به شبَهًا عروةُ بن مسعود، ورأيتُ إبراهيمَ، فإذا أقربُ منْ رأيتُ به شبَهًا دِحْية".
تفرَّد به الإمام أحمد من هذا الوجه، وبهذا اللفظ.
وقال أحمد ): حَدَّثَنَا أسودُ بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس،قال: قال رسول اللّه ﷺ: "رأيتُ عيسى ابن مريم، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى: فأحمرُ جَعْدٌ عريضُ الصَّدْر.
وأما موسى: فآدمُ، جَسِيْمٌ.
قالوا له: فإبراهيمُ.
قال: انظرُوا إلى صاحِبكم".
يعني نفسه.
وقال البخاري (١): حَدَّثَنَا بيانُ بن عمرو، حَدَّثَنَا النَّضْر، أنبأنا ابنُ عون، عن مجاهد، أنَّه سمعَ ابن عبَّاس، وذكروا له الدجَّال بين عينيْه [مكتوب] كافر، أو (ك ف ر).
فقال: لم أسمعْه، ولكنَّه قال ﷺ: "أما إبراهيمُ: فانظروا إلى صاحبكم.
وأما موسى: فجَعْدٌ آدمُ، على جَملٍ أحمرَ مَخْطومٌ بخُلْبةٍ (٢)، كأني أنظرُ إليه انحدرَ في الوادي".
وهكذا رواه البخاريُّ أيضًا في كتاب الحج (٣) وفي اللباس، ومسلم، جميعًا: عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عديّ، عن عبد اللّه بن عون به.
* * *
(١) الحنيذ: المشوي على الحصى المحمي بالنار.
(٢) ثور وثبير وحِراء: جبال بمكة.
(٣) "اكتنفوه": أحاطوا به.
(٤) "محتده": أصله وحسبه ونسبه.
(٥) "الخجوج": الريح الشديد المَرُّ.
(٦) "الثغامة": شجرة بيضاء الثمر والزهر.
(٧) "قلح": تغير الأسنان بصفرة وخضرة تعلوها.
(٨) "فصْم": كَسْرٌ.
(٩) "وَهيٌ": ضعف.
وفي هامش أ: وهَن، وكذلك في المعجم الأوسط وكشف الأستار.
مختارات

