قصة إبراهيم عليه السلام (٣)
[ذكر مولد إسماعيل ﵇ من هاجر]
قال أهلُ الكتاب: إنَّ إبراهيمَ ﵇ سألَ اللّه ذريَّةً طيِّبةً، وإنَّ اللّهَ بشرَّه بذلك، وإنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشر سنين، قالتْ سارَة لإبراهيم ﵇: إنَّ الربَّ قد أحرمني الولدَ، فادخلْ على أَمَتِي هذه لعلَّ اللّه يرزقنا منها ولدًا، فلمَّا وهَبَتْهَا له دخلَ بها إبراهيم ﵇، فحين دخلَ بها حملتْ منه.
قالوا: فلما حمَلَتْ ارتفعتْ نفسُها، وتعاظمتْ على سيِّدتها، فغارتْ منها سارَةُ، فشكتْ ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلي بها ما شئتِ، فخافتْ هاجرُ فهربتْ فنزلتْ عند عَيْنٍ هناكَ،فقال لها ملَكٌ من الملائكة: لا تخافي فإنَّ اللّه جاعلٌ من هذا الغلام الذي حمَلْتِ خيرًا، وأمرَها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلدُ ابنًا وتُسمِّيه إسماعيل، ويكونُ وحشَ النَّاس، يدهُ على الكُلِّ، ويدُ الكُلِّ به، ويملكُ جميعَ بلاد إخوته.
فشكرتِ اللّه ﷿ على ذلك.
وهذه البشارةُ إنما انطبقتْ على ولدِه محمَّد صلواتُ اللّه وسلامه عليه، فإنه الذي سادتْ به العربُ، وملكت جميعَ البلاد غربًا وشرقًا، وآتاها اللّه من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمَّة من الأمم قبلَهم، وما ذاكَ إلا بشرفِ رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالتِه، ويُمْن بشارتِه، وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض.
ولما رجعتْ هاجَرُ وضعتْ إسماعيلَ ﵇.
قالوا: وولدثْه ولإبراهيمَ من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.
ولما ولد إسماعيل أوحى اللّه إلى إبراهيم يُبَشِّرُه بإسحاق من سارَة، فخرَّ للّه ساجدًا، وقال له: قد استجبتُ لك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثَّرتُه ونمَّيتُه جدًّا كثيرًا، ويُولد له اثنا عشر عظيمًا، وأجعله رئيسًا لشعب عظيم.
وهذه أيضًا بشارةٌ بهذه الأُمَّة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيمًا هم الخلفاء الراشدون، الاثنا عشرَ المُبشَّر بهم في حديث عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يكونُ اثنا عشرَ أميرًا" ثم قالَ كلمةً لم أفهمْها،فسألتُ أبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريشٍ" أخرجاه في الصحيحين ).
وفي رواية: "لا يزالُ هذا الأمرُ قائمًا - وفي رواية: عزيزًا - حتى يكونَ اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش"
فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة: أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعلي!.
ومنهم: عمر بن عبد العزيز أيضًا.
ومنهم بعضُ بني العبَّاس، وليس المرادُ أنهم يكونون اثني عشر نسقًا، بل لا بُدَّ من وجودِهم.
وليس المرادُ الأئمة الاثني عشر الذين يعتقدُ فيهم الرافضةُ، الذين أوَّلُهم على بن أبي طالب، وآخرُهم المنتظَرُ بسِرْدابِ سامراء (١)، وهو محمَّدُ بن الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من عليّ، وابنه الحسن بن عليٍّ حين تركَ القِتالَ وسلَّمَ الأمر لمعاوية، وأخمدَ نار الفتنة، وسَكَنَ رحى الحروب بين المسلمين، والباقون من جُملة الرعايا، لم يكن لهم حكمٌ على الأمة في أمر من الأمور.
وأما ما يعتقدونَه بسرداب سامراء، فذاكَ هَوَسٌ في الرؤوس، وهَذَيانٌ في النفوس، لا حقيقةَ له ولا عين ولا أثر.
والمقصودُ أنَّ هاجرَ ﵍ لما وُلدَ لها إسماعيلُ، اشتدَّتْ غيرةُ سارَةَ منها، وطلبتْ من الخليل أن يُغيبَ وجهَها عنها، فذهبَ بها وبولدِها، فسارَ بهما حتى وضعَهما حيث مكَّة اليوم.
ويُقال: إنَّ ولدَها كان إذ ذاكَ رضيعًا.
فلمَّا تركَهما هناكَ وولَّى ظهرَه، قامت إليه هاجرُ، وتعلَّقتْ بثيابه، وقالت: يا إبراهيم! أين تذهبُ وتدَعُنا هاهنا؛ وليس معنا ما يكفينا، فلم يُجبْها، فلمَّا ألَّحتْ عليه وهو لا يُجيبها،قالت له: آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قالت: فإذًا لا يُضيعُنا.
وقد ذكرَ الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ﵀ في كتاب "النوادر" أنَّ سارَةَ تغضَّبتْ على هاجرَ، فحلفتْ لتقطعنَّ ثلاثةَ أعضاء منها، فأمرَها الخليلُ أن تَثقب أُذنيْها، وأن تخفضَها (٢)، فتبرَّ قَسَمها.
قال السهيلي: فكانت أوَّلَ من اختتن من النساء، وأَوَّلَ من ثُقبت أُذُنُها منهن، وأوَّل من طَوَّلت ذَيْلها.
* * *
ذكر مُهاجرة إبراهيمَ بابنه إسماعيل وأمّه هاجر إلى جبال فاران، وهي أرضُ مكّة وبنائه البيتَ العتيق
قال البخاري ): قال عبدُ اللّه بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حَدَّثَنَا عبد الرزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمرُ، عن أيُّوبَ السِّختيانيِّ وكثيرٍ بن كَثير بن المُطَّلب بن أبي وَداعة - يزيدُ أحدُهما على الآخر - عن سعيدِ بن
جُبَيْرِ، عن ابن عبَّاس، قال: أوَّلُ ما اتَّخذَ النِّساءُ المِنْطَق (٣)من قِبَلِ أُمِّ إسماعيلَ، اتَّخذتْ مِنْطقًا، لتُعفِّيَ أثرَها على سارَة، ثمَّ جاءَ بها إبراهيمُ وبابنها إسماعيلَ، وفي ترضِعُه، حتَّى وضعَهما عندَ البيت، عند دَوْحةٍ (٤) فوق زمزمَ في أعلى المسجد، وليس بمكَّةَ يومئذٍ أحد، وليس بها ماءٌ، فوضعَهما هنالك، ووضعَ عندَهما جرابًا فيه تمرٌ، وسِقاء (٥) فيه ماءٌ، ثم قفَّى (٦) إبراهيمُ مُنْطلقًا، فتبعتْه أمُّ إسماعيلَ، فقالتْ: يا إبراهيمُ أين تذهبُ وتترُكنا بهذا الوادي الذي ليس به إنسٌ ولا شيء؛ فقالت له لك مرارًا، وجعل لا يلتفتُ إليها، فقالتْ له آللّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قالت: إذًا لا يُضيِّعُنا، ثم رجعتْ.
فانطلقَ إبراهيمُ حتَّى إذا كان عند الثنيَّة حيث لا يَرَونه، استقبلَ بوجههِ البيتَ، ثم دعا بهؤلاء الدَّعواتِ، ورفع يَدَيْه،فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وجعلتْ أمُّ إسماعيل تُرْضعُ إسماعيلَ وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عَطِشتْ، وعَطِشَ ابنُها، وجعلتْ تنظرُ إليه يتلوَّى - أو قال يتلبَّط (٧) - فانطلقتْ كراهيةَ أنْ تنظرَ إليه، فوجدت الصَّفا أقربَ جَبَل في الأرض يليها، فقامتْ عليه ثمَّ استقبلتِ الوادي تنظرُ هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطتْ من الصَّفا حتى إذا بلغتِ الوادي رفعتْ طرفَ دِرْعها، ثم سعتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ، حتى إذا جاوزتِ الوادي، ثم أتتِ المروةَ فقامتْ عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، ففعلتْ ذلك سبعَ مرات.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ "فلذلك سعى الناس بينهما"(٨).
فلما أشرفتْ على المروة سمعتْ صوتًا، فقالت: صهٍ - تريد نفسها - ثم تسمَّعتْ فسمعتْ أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، فإذا هي بالملك عند مَوْضعِ زمزمَ، فبحثَ بعَقبِه - أو قال بجناحه - حتَّى ظهرَ الماءُ، فجعلتْ تحوِّضه (٩)، وتقول بيدها هكذا، وجعلتْ تغرفُ من الماء في سِقائها، وهي تفورُ بعدما تَغْرِفُ.
قال ابن عباس قال النبي ﷺ: "يرحمُ اللّه أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم" أو قال: "لو لم تغرفْ من الماء، لكانت زمزمُ عينًا معينًا" (١٠).
فشربتْ وأرضعتْ ولدَها، فقال لها الملَكُ: لا تخافي الضَّيْعة (١١)، فإن هاهنا بيتَ اللّه، يبني هذا الغلامُ وأبوه، وإنَّ اللّه لا يُضيْعُ أهله.
وكانَ البيتُ مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السُّيولُ، فتأخذُ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مَرَّتْ بهم رُفْقةٌ من جُرْهم - أو أهل بيتِ من جرهم - مقبلينَ من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكَّة، فرأوا طائرًا عائفًا (١٢)، فقالوا: إن هذا الطَّائرَ ليدورُ على الماء، لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا (١٣)، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
قال: وأُمُّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: تأذنينَ لنا أن ننزلَ عندك؛ قالت: نعم، ولكنْ لا حق لكم في الماء.
قالوا: نعم.
قال عبد الله بن عبَّاس: قال النبي ﷺ: "فألفى ذلك أُمَّ إسماعيلَ وهي تُحبُّ الأُنْسَ".
فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان لها أهلُ أبياتٍ منهم، وشبَّ الغُلامُ، وتعلَّمَ العربيةَ منهم، وأنفسهم وأعجبَهم حينَ شبَّ فلما أدركَ زوَّجُوهُ امرأةً منهم.
وماتتْ أُمُّ إسماعيل، فجاء إبراهيمُ بعدما تزوَّجَ إسماعيل يُطالعُ تَرِكته، فلم يجدْ إسماعيلَ، فسألَ امرأته عنه، فقالتْ: خرجَ يبتغي لنا.
ثمَّ سألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، نحن في ضيقٍ وشدَّةٍ، وشَكَتْ إليه.
قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه السلام وقولي له يُغَيِّرْ عَتَبة بابه.
فلما جاء إسماعيلُ كأنَّهُ آنسَ شيئًا، فقال:هل جاءَكُمْ من أحدٍ؟ فقالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنكَ فأخبرتُه، وسألني كيف عَيْشُنا، فأخبرتُه أنَّا في جَهْدٍ وشدَّةٍ.
قال: فهل أوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأَ عليكَ السَّلام ويقولُ لك: غَيِّر عتبةَ بابكَ.
قال: ذاكَ أبي، وأمرني أن أُفارقَكِ، فألحقي بأهلِكِ.
فطلَّقها، وتزوَّج منهم أخرى ولبثَ عنهم إبراهيم ما شاء اللّه.
ثم أتاهم بعدُ فلم يجدْه، فدخلَ على امرأتِه، فسألَها عنه،فقالت: خرجَ يبتغي لنا.
قال: كيف أنتم؟ وسألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم، فقالت: نحنُ بخيرٍ وسَعَةٍ، وأثنتْ على اللّه،فقال: ما طعامُكم؟ قالت: اللَّحْمُ.
قال: فما شرابكم؟قالت: الماء.
قال: اللَّهُمَّ باركْ لهم في اللَّحم والماء.
قال النبي ﷺ: "ولم يكن لهم يومئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم حَبٌّ لدعا لهم فيه، فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكَّةَ إلا لم يوافقاه".
قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثبِّتْ عَتَبَة بابه.
فلمَّا جاءَ إسماعيلُ قال: هل أتاكُم من أحدٍ؟قالت: نعم، أتانا شيخٌ حَسَنُ الهيئةِ، وأثنتْ عليه، فسألني عنكَ فأخبرته، فسألني كيف عَيْشُنا، فأخبرتُه أنَّا بخيرٍ قال:فأوصاكِ بشيءَ؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليكَ السَّلام، ويأمُركَ أنْ تُثَبِّتَ عَتَبَة بابكَ.
قالَ: ذاك أبي، وأمرني أن أُمْسككِ.
ثم لبثَ عنهم ما شاءَ اللّه، ثم جاءَ بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نَبْلًا له تحت دوحةٍ قريبًا من زمزمَ، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنعُ الولدُ بالوالد والوالدُ بالولد.
ثم قال: يا إسماعيلُ! إنَّ اللّه أمرني بأمرٍ.
قال: فاصنعْ ما أمركَ به ربُّك.
قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينك.
قال: فإنَّ اللّهَ أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمةً (١٤) مرتفعةٍ على ما حَوْلها.
قال:فعند ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ، فجعلَ إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يبني، حتَّى إذا ارتفعَ البناءُ جاء بهذا الحَجَر فوضعَه له، فقامَ عليه وهو يبني، وإسماعيلُ يُناوله الحجارةَ، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: وجعلا يَبنيان حتى يدورا حولَ البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ".
ثم قال ): حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن محمّد، حَدَّثَنَا أبو عامر عبدُ الملك بن عمرو، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن نافع، عن كثيرِ بن كثيرِ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عبَّاس قالَ: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان، خرجَ بإسماعيل وأمِّ إسماعيل ومعهم شَنَّةٌ (١٥) فيها ماء.
وذكرَ تمامه بنحو ما تقدَّم.
وهذا الحديثُ من كلام ابن عباس، وموشَّحٌ برفع بعضِه، وفي بعضه غَرَابةٌ، وكأنَّه مما تلقَّاه ابنُ عبَّاس عن الإسرائيليات،وفيه: أن إسماعيلَ كان رضيعًا إذ ذاك.
وعند أهل التوراة أنَّ إبراهيمَ أمره بأن يختنَ ولدَه إسماعيل، وكلَّ منْ عنده من العبيد وغيرهم، فختنَهم، وذلك بعد مُضيِّ تسع وتسعينَ سنةً من عُمره، فيكون عمرُ إسماعيلَ يومئذٍ ثلاثَ عشرة سنة، وهذا امتثالٌ لأمر اللّه ﷿ في أهله، فيدلُّ على أنَّه فعله على وجْهِ الوجوب، ولهذا كانَ الصحيحُ من أقوالِ العلماء أنَّه واجبٌ على الرجال، ما هو مقرَّر في موضعه.
وقد ثبتَ في الحديث الذي رواه البخاريُّ ): حَدَّثَنَا قُتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا مغيرةُ بنُ عبد الرحمن القُرشيُّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ: "اختتنَ إبراهيمُ النبيُّ
﵇ وهو ابنُ ثمانين سنة بالقَدُوم".
تابعَه عبدُ الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزِّناد، وتابعَه عَجْلان عن أبي هريرة، ورواه محمَّدُ بن عمرٍو عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة.
وهكذا رواه مسلم ): عن قُتَيْبة به.
وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيمُ بعدما أتتْ عليه ثمانونَ سنةً، واختتنَ بالقَدُوم" ) والقَدُوم هو الآلة، وقيل:موضع.
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين، والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذِكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اختتن إبراهيمُ وهو ابنُ مئةٍ وعشرينَ سنةً، وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة" رواه ابن حبَّان في "صحيحه" ).
وليس في هذا السِّياق ذِكْرُ قصَّة الذبيح، ولم يذكره في قدماتِ إبراهيمَ ﵇ إلا ثلاثَ مرات، أُولاهنَّ بعد أن تزوَّج إسماعيلُ بعدَ موت هاجرَ، وكيف تركهم من حيث صِغَر الولد على ما ذكرَ إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم.
وقد ذُكرَ أن الأرض كانت تُطوى له، وقيل: إنه كان يركبُ البراقَ إذا سارَ إليهم، فكيف يتخلَّفُ عن مُطالعة حالهم وهم في حال الضَّرورة الشديدة والحاجة الأكيدة.
وكأنَّ بعضَ هذا السِّياق مُتلقَّى من الإسرائيلياتِ، ومُطرَّز بشيءٍ من المرفوعاتِ، ولم يذكرْ فيه قصَّة الذبيح، وقد دلَّلنا على أن الذبيحَ هو إسماعيلُ على الصحيح في سورة ) الصافات.
* * *
[قصة الذبيح]
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
مُبِينٌ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣].
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لمَّا هاجرَ من بلاد قومِه سألَ ربَّه أن يهبَ له ولدًا صالحًا، فبشَره اللّه تعالى بغلامٍ حليمٍ، وهو إسماعيلُ ﵇، لأنَّه أَوَّلُ منْ وُلد له على رأسِ ستٍّ وثمانين سنةً من عُمُرِ الخليل، وهذا ما لا خلافَ فيه بين أهل المِلَلِ، لأنَّه أَوَّلُ ولدِه وبكِرُه.
وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي شبَّ وصار يَسعى في مَصَالحه كأبيه، قال مجاهد ): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: شبَّ وارتحلَ، وأطاقَ ما يفعلُه أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا أُري إبراهيمُ ﵇ في المنام أنَّه يُؤمر بذبح ولده هذا، وفي الحديث عن ابن عبَّاس مرفوعًا "رؤيا الأنبياء وحي" ) قاله عُبيد بن عُمَيْر ) أيضًا.
وهذا اختبارٌ من اللّه ﷿ لخليله في أنْ يذبحَ هذا الولد العزيز، الذي جاءه على كِبَبر وقد طَعَن في السِّنِّ، بعدما أُمر بأن يُسْكنه هو وأمَّه في بلادٍ قَفْرٍ، ووادٍ ليس به حسيسٌ ولا أنيسِ، ولا زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ.
فامتثلَ أمرَ اللّه في ذلك، وتركَهما هناكَ ثقةً باللّه وتوكُّلا عليه، فجعلَ اللّه لهما فَرجًا ومَخرجًا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أُمرَ بعد هذا كلِّه بذبح ولدِه هذا الذي قد أفردَه عن أمر ربه، وهو بِكْرُه ووحيدُه الذي ليس له غيره، أجابَ ربَّه وامتثلَ أمرَه، وسارعَ إلى طاعتِه، ثم عرضَ ذلك على ولدِه ليكونَ أطيبَ لقلبه وأهونَ عليه يأخذه قَسْرًا ويذبَحه قَهْرًا ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] فبادرَ الغلامُ الحليمُ سرُّ والدِه الخليل إبراهيم فقال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وهذا الجواب في غاية السَّداد والطاعة للوالدِ ولربِّ العباد.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، قيل: أسلما، أي: استسلما لأمر اللّه وعزَما على ذلك،وقيل: هذا من المقدَّم والمؤخَّر، والمعنى: تلَّه للجبين: أي ألقاه على وجهه.
قيل: أراد أن يذبحَه من قفاه لئلا يُشاهده في حال ذَبْحِه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضَّحَّاك.
وقيل: بل أضجعه كما تُضْجَعُ الذبائحُ، وبقي طرفُ جبينه لاصقًا بالأرض.
وأسلما: أي سمَّى إبراهيم وكبَّر، وتشهَّد الولدُ للموت.
قال السُّدِّي وغيره: أمرَّ السكينَ على حَلْقِه فلم تقطعْ شيئًا.
ويُقال: جعلَ بينها وبين حلقه صفيحةً منْ نُحاسٍ، فاللّه أعلم.
فعند ذلك نُودي من اللّه ﷿ ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] أي: قد حصلَ المقصودُ من اختباركَ وطاعتكَ ومبادرتكَ إلى أمر ربِّكَ، وبَذْلكَ ولدَك للقربان، كما سمحتَ ببدنِكَ للنيران، وكما مَالُكَ مبدْولٌ للضِّيفان، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] أي: الاختبار الظاهر البيِّن.
وقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: وجعلنا فداءَ ذبح ولدِه ما يسَّره الله تعالى له من العِوَضِ عنه.
والمشهورُ عن الجمهور أنه كَبْشٌ أبْيضُ أعْيَنٌ (١٦) أقْرَنٌ (١٧)، رآه مربوطًا بسمُرةٍ (١٨) في ثبير (١٩).
قال الثوري: عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كَبْشٌ قد رعى في الجنَّة سبعين خريفًا ).
وقال سعيد بن جبير: كان يرتعُ (٢٠) في الجنَّة حتى تشقَّقَ عنه ثبير، وكان عليه عِهْنٌ (٢١) أحمر.
وعن ابن عباس: هبطَ عليه من ثبير كَبْشٌ أعينُ أقرنُ له ثُغاءٌ فذبحَه، وهو الكبشُ الذي قرَّبه ابنُ آدم، فَتُقُبِّلَ منه.
رواه ابن أبي حاتم ).
قال مجاهد ): فذبحَه بمنى.
وقال عبيد بن عُمير ): ذبح بالمقام.
فأما ما رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّه كان وعلًا، وعن الحسن:أنَّه كان تَيْسًا من الأروى، واسمه جرير، فلا يكاد يَصِحُّ عنهما، ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذٌ من الإسرائيليات، وفي القرآن كفايةٌ عما جرى من الأمر العظيم، والاختبار الباهر، وأنه فُدِيَ بذبحٍ عظيمٍ، وقد وردَ في الحديث أنَّه كان كبشًا.
قال الإمام أحمد ): حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا منصور، عن خاله نافع، عن صفيَّة بنت شيبةَ، قالت: أخبرتني امرأة من بني سُليم وَلَّدَتْ عامَّة أهل دارنا، قالت: أرسلَ رسول اللّه ﷺ إلى عثمانَ بن طلحة.
وقالت مرَّة: إنَّها سألتْ عثمانَ: لِمَ دعاكَ رسولُ اللّه ﷺ؟قال: "إنِّي كنتُ رأيتُ قَرْني الكبش حين دخلتُ البيتَ، فنسيتُ أنْ آمرَك أنْ تُخَمِّرَهُما فَخَمِّرْهُما، فإنَّه لا ينبغي أن يكونَ في البيت شيءٌ يَشغلُ المصلِّي".
قال سفيان: لم تزلْ قرنا الكبش في البيت حتَّى احترقَ البيتُ فاحترَقا.
وهذا رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ رأسَ الكَبْش لم يزلْ مُعلَّقًا عند ميزاب الكعبة قد يبسَ.
وهذا وحده دليلٌ على أنَّ الذبيحَ إسماعيلُ، لأنه كانَ هو المقيمُ بمكَّةَ، وإسحاقُ لا نعلمُ أنَّه قدمها في حال صِغَره، واللّه أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنَّه نصٌّ على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيلُ، لأنه ذكرَ قِصَّةَ الذبيح، ثم قال بعده:﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]ومنْ جعله حالًا فقد تكلَّف، ومستنده أنَّه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابُهم فيه تحريفٌ، ولاسيما هاهنا قطعًا لا محيدَ عنه، فإنَّ عندهم أنَّ اللّه أمرَ إبراهيمَ أنْ يذبحَ ابنَه وحيدَه، وفي نسخة من المعرَّبة: بكْرَه إسحاق.
فلفظة إسحاق هاهنا مقحمةٌ مكذوبةٌ مفتراة، لأنه ليس هو الوحيدُ ولا البِكْرُ، ذاكَ إسماعيل.
وإنما حملَهم على هذا حَسْدُ العربِ، فإنَّ إسماعيلَ أبو العرب الذين يسكنون الحجازَ، الذين منهم رسولُ اللّه ﷺ، وإسحاقُ والد يعقوب، وهو إسرائيل، الذين ينتسبونَ إليه، فأرادوا أنْ يجرّوا هذا الشرفَ إليهم، فحرَّفوا كلامَ اللّه، وزادُوا فيه، وهم قومٌ بُهْتٌ (٢٢)، ولم يُقرُّوا بأنَّ الفضلَ بيد الله يُؤتيه من يشاءُ.
وقد قال بأنَّه إسحاق طائفةٌ كثيرةٌ من السَّلف، وغيرهم، وإنما أخذوه - واللّه أعلم - من كعب الأحبار، أو صُحُف أهل الكتاب، وليس في ذلك حديثٌ صحيحٌ عن المعصوم حتَّى نتركَ لأجله ظاهرَ الكتاب العزيز، ولا يُفهم هذا من القرآن بل المفهومُ، بل المنطوقُ، بل النَّصُّ عند التَّأمُّل على أنه إسماعيل.
وما أحسن ما استدلَّ محمَّدُ بن كعب القرظي ) على أنه إسماعيل، وليس بإسحاق، من قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] قال: فكيفَ تقعُ البشارةُ بإسحاق، وأنَّه سيولدُ له يعقوب، ثم يُؤمرُ بذبح إسحاق وهو صغيرٌ قبلَ أن يُولد له، هذا لا يكون، لأنَّه يُناقضُ البشارةَ المتقدِّمة، والله أعلم.
١) "سامراء": وهي مدينة سُرَّ من رأى، وتقع شرقي دجلة، بناها المعتصم، وفيها السرداب المعروف في جامعها، الذي تزعم الشيعة أنَّ مهديَّهم يخرج منه.
(٢) "تخفضها": من الخَفْض وهو الختان للنساء، يُقال: خفض الصبيَّة، ختنها.
(٣) "المِنْطَق": ما يُشدُّ به الوسط.
(٤) "دوحة": شجرة كبيرة.
(٥) "سقاء": قربة صغيرة.
(٦) "قفَّى": ولَّى راجعًا.
(٧) "يتلبَّط": يتمرَّغ، ويضرب بنفسه الأرض.
(٨) في أ: عليهما.
(٩) "تحوِّضُه": تجعله مثل الحوض.
(١٠) "معينًا": ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض.
(١١) "الضيعة": الهلاك.
(١٢) "عائفًا": الطائر الذي يحوم على الماء، ويتردد فوقه، ولا يمضي عنه.
(١٣) "جريًّا": رسولًا.
(١٤) "أكمة": المرتفع من الأرض.
(١٥) "شنة": قربة عتيقة.
(١٦) "أعين": واسع العينين.
(١٧) "أقرن": طويل القرنين.
(١٨) "سَمُرة": شجرة من شجر السَّمُر.
(١٩) "ثبير": جبل بمكة.
(٢٠) يرتع: يأكل ويشرب ما شاء في خصب وسعة.
(٢١) "عهن": صوف.
(٢٢) "بهت": باطل.
مختارات

