فقه العلم والعمل (٧)
ثم بعث الله الرسل مذكرين به، ومفصلين لما في الفطرة والعقل العلم به جملة كما قال سبحانه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)} [الذاريات: ٥٥].
وقال الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)} [الأعلى: ٩، ١٠].
وقد امتن الله على عباده بتعلم القرآن، وتعلم البيان، ونطق اللسان، فقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)} [الرحمن: ١ - ٤].
وبهذه الحروف والكلمات التي تحمل المعاني علم الله القرآن، وبها علم البيان، وبها فضل الإنسان على سائر الحيوان.
وبها أنزل كتبه، وأرسل رسله، وبها جمعت العلوم وحفظت، وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد.
وبها يتميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، وبها جمعت أشتات العلوم، وبها أمكن تنقلها في الأذهان.
وكم جلب بها من نعمة، ودفع بها من نقمة، وأقيلت بها من عثرة، وأقيم بها من حق، وهدي بها من ضلالة، وهدم بها من باطل، وأحيا بها من سنة، وأمات بها من بدعة.
وآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان، ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل والمنافع في لحم وعصب.
وجعل سبحانه الخلق والتعليم ناشئاً عن صفة الرحمة، متعلقاً باسم الرحمن، وهو الاسم الذي تبارك، ومجيء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك، فكل ما ذكر عليه بورك فيه، وكل ما أخلى عنه نزعت منه البركة: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)} [الرحمن: ٧٨].
وثمرة العلم العمل به، والعمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا بشرطين:
الإخلاص لله.
والمتابعة لرسول الله.
والمتابعة تتحقق بستة أمور:
الأول: السبب: فقيام الليل مشروع، لكن من أحياه ليلة النصف من شعبان، أو ليلة المعراج، يعتقد مشروعيتها فهو بدعة.
الثاني: الجنس: فلو ضحى بفرس فهذا لا يجوز؛ لأن الأضحية مشروعة ببهيمة الأنعام، والفرس ليس بمشروع.
الثالث: القدر: فلو زاد صلاة سادسة لم يقبل منه.
الرابع: الكيفية: فلو غسل رجليه في الوضوء قبل يديه لم يصح لمخالفته الشرع.
الخامس: الزمان: فلو حج أو صام رمضان في غير وقته لم يصح.
السادس: المكان: فلو اعتكف في غير المسجد لم يصح.
وشرف العلم تابع لشرف المعلوم، فأزكى العلوم وأشرفها وأعظمها وأكملها العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فهو سبحانه الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يعلم ما في السموات وما في الأرض.
ويعلم ما بينهما وما تحت الثرى.
ويعلم ما في قعر البحار.
وما في جو السماء.
عالم الغيب والشهادة.
يعلم كل شعرة ومنبتها.
وكل شجرة ومغرسها.
وكل زرع وحبه.
وكل نبات وثمرته.
وكل رطب ويابس.
ومسقط كل ورقة: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)}
[الأنعام: ٥٩].
ويعلم سبحانه عدد كل كلمة.
وعد الرمل الحصى والتراب.
وحجمه ووزنه ومكانه.
ويعلم مثاقيل الجبال.
ومكاييل البحار والأنهار والرياح.
ويعلم أعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم، وحركاتهم وسكناتهم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)} [الملك: ١٤].
وشرائع الإسلام وأحكامه على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب.
فلله عزَّ وجلَّ حكمان:
حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح.
وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن.
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل علانية المنافقين ويكل سرائرهم إلى الله، فيناكحون ويرثون ويورثون، ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا، ولا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة.
وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر، بل إلى الله وحده، والله يتولاه في الدار الآخرة، فنحكم في الظاهر بصحة صلاة المنافق والمرائي، مع أنه لا يسقط عنه العقاب، ولا يحصل له الثواب في الآخرة، فالله وحده هو الأعلم بما في صدور العالمين.
وليس مقصود العلم العمل فقط، بل المقصود مع ذلك الإيمان بالله، ولو كان المقصود من العلم العمل فقط لكان المنافقون في الجنة، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يعملون بلا إيمان.
وجهد الصحابة كان أولاً على أنفسهم بالعلم والعمل ثم على غيرهم، فأصلحوا أنفسهم أولاً، ثم أخرج الله بأعمالهم وصفاتهم الناس من الظلمات إلى النور.
والشيطان حريص على جعل الإنسان يجتهد على الناس وينسى نفسه، وبهذا لا يتأثر الناس منه، ولا يقبلون قوله، وإذا اجتمع هذا مع نسيان الإنسان نفسه بلغ الشيطان مراده من الإنسان.
فالداعي حقاً من يدعو الناس إلى الله، ويقيمهم على الدعوة إلى الله، فالدعوة هي أم الأعمال، وبها تحيا الأوامر والسنن.
والمعلم حقاً من يعلم الناس الدين وأحكامه، ويأمرهم بتعليم الناس ذلك والعمل به، ويسبقهم إلى كل عمل صالح.
والصلاة أول الأوامر بعد الإيمان، والفرق بين الإسلام والكفر هو الصلاة، وإقامة الصلاة تكون بفعلها وأمر الناس بأدائها، وإقامتها بسننها وآدابها وشروطها، وتزيين ظاهرها بتطبيق السنن، وتزيين باطنها بالتوجه التام إلى الله، فيصلي العبد لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فلا بدَّ أن نقيم الصلاة ظاهراً وباطناً حتى نقيم سائر الأعمال بالتوجه التام إلى الله، وحسن العمل خارج الصلاة، وإذا كنا في الصلاة في الغفلة فكيف في سائر أعمالنا كم تكون الغفلة؟.
ولا تكون الصلاة صحيحة إلا بعلم كامل، ولا نقوم بأي عمل في الدين إلا بعلم، والعلم هو ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السنن والأحكام.
ولتحصيل حقيقة العلم لا بدّ أن نعرف فضائل العلم، لتقبل النفوس على طلبه، وتعبد الله بموجبه، وبدون العلم الناس لا يعرفون الله ولا رسوله ولا أوامره ولا دينه.
وكل الناس يعملون، ولكن ليس كل الناس يفلحون، فمن عمل بأمر الله ورسوله أفلح، ومن عمل بهواه خسر، فسليمان عليه السلام عمل بملكه بأمر الله ورسوله فأفلح، وفرعون عمل بملكه بهواه فهلك.
والعلم هو الطريق لمعرفة العمل المأمور به شرعاً، والوعظ هو الباعث على العلم والعمل، والأحسن ألا يكون الوعظ يومياً؛ لئلا يسأم الناس، أما العلم فإنه يُطلب على قدر الطاقة، والناس في ذلك متفاوتون، وأكملهم أعلمهم وأتقاهم {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)} [طه: ١١٤].
مختارات

