فقه العلم والعمل (٦)
والعلوم الشرعية على قسمين:
نظرية.
وعملية.
أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها وأعلاها معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه، وأوامره.
وأما العلوم العملية فنوعان:
أعمال القلوب.
وأعمال الجوارح.
فأعمال القلوب: تزكية النفس بالإيمان واليقين، وتربيتها بالأخلاق الحسنة كالصبر والحلم، والشفقة والرحمة، والمحبة والتواضع، والصدق والإخلاص، ونحو ذلك.
وأعمال الجوارح: العبادات، والمعاملات، والمعاشرات.
ولا تجد هذه العلوم كلها مفصلة إلا في القرآن الكريم كما قال سبحانه: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)} [الإسراء: ١٢].
فهو كتاب عظيم.
كثير خيره.
دائم عطاؤه.
كثيرة بركته.
يبشر بالثواب والمغفرة.
ويزجر عن القبيح والمعصية: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)} [فصلت: ٤٢].
إن العلم الذي منحه الله للإنسان لم يخلق مقومات الحياة، ولا هو أعطى شيئاً لم يكن موجوداً، ولكنه وفَّر الرفاهية للإنسان في الكون بإذن الله.
واستخدم هذا العلم من لا يؤمن بالله ظلماً وعدواناً في القتل والتشريد، وإهانة الأمم والشعوب وإذلالها، ونهب ثروات وخيرات الأمم، ونشر الرعب والخوف في العالم.
والعالم اليوم بلغ في العلم الإنساني مبلغاً عالياً، وكلما زادت الاكتشافات زاد الخوف، وزاد الرعب فما السبب؟.
السبب أن هذا العلم ما سار على منهج الله، فكل كشف علمي في الأرض يزيد الإنسان إقبالاً على ربه، فهو إظهار لقدرة الله في الكون، وإبداعه في الخلق، أذن الله بخروجه على يد بعض خلقه كما قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)} [فصلت: ٥٣].
إن الذين فتح الله لهم باباً من أبواب العلم كان يجب أن يكونوا أكثر الناس خشية لله؛ لأن الله أطلعهم على آية من آياته، وميزهم عن غيرهم بما علموه من آثار قدرة الله.
ولكن بعض العقول تغتر وتعتقد أنها هي التي فعلت، فتهلل لهم البشر، وهم لا يستطيعون سد عرق انفجر في الإنسان، أو تحريك أصبع أصابه شلل.
إن الإنسان يقتله جشعه، فهو أحياناً يملك المال الذي يكفيه طول حياته ويزيد، ولكنه يطلب مزيداً من المال، ويشقي نفسه في الحصول عليه.
وكل مخلوق لله يأكل على قدر حاجته، فالطير والحيوان والحشرات تلتهم من الطعام ما يكفيها فقط وتترك الباقي.
أما الإنسان فهو الوحيد الذي يجمع ويأكل أكثر من حاجته، مع أن الله أعلمه أنه سيصل إليه رزقه تاماً.
وهذا الجشع البشري هو أساس الشقاء الذي جعله العلم الإنساني أساساً لكمال الحياة الدنيا ورفاهيتها.
والله عزَّ وجلَّ جعل الدنيا وسيلة للآخرة، وهذا العلم الإنساني جعلها مقصداً لا غاية بعدها.
فهؤلاء الذين لديهم العلم الإنساني بلا إيمان يعيشون في رعب وشقاء، وينتظرهم في الآخرة شقاء أشد وأبقى: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)} [الرعد: ٣٤].
أما أهل العلم الإلهي، فهم أكثر الناس طمأنينة، وأشدهم خشية لله، وأشكرهم للمنعم، أولئك لهم الأمن في الدنيا والآخرة، وهم المهتدون إلى سواء السبيل:
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
والعلم الإنساني مهما كان كله جهالة بالنسبة للعلم الإلهي؛ لأن العلم الإلهي يربط المخلوق بالخالق، فيعرف عظمته وقدرته، وجماله وجلاله ويعرف دينه وشرعه.
والعلم الإنساني يربط المخلوق بالمخلوق، يدور حول الأرض وما فيها وما تنبت، وحول الجبال وما فيها من المعادن والأسرار، وحول الناس والدواب والأنعام.
والعلماء كلما كشف الله لهم من العلوم والأسرار في هذا الكون، هم أكثر الناس خشية لله، فهم يرون الإعجاز في كل ما خلقه الله.
وقد ذكر الله سبحانه العلم البشري كله في آية واحدة كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)} [الحج: ٦٣].
والعلم نعمة كبرى خص الله بها بعض خلقه، ومن أكرمه الله بهذه النعمة فيجب أن تكون طاعته لله أكمل، وشكره له أتم، ومعصيته أقبح، ولهذا كان أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فهو أول من تسعر به النار.
وقواعد الشرع تقتضي أن يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم، وأن يغفر له ما لا يغفر للعالم.
ونعمة الله على العالم بما أودعه من العلم أعظم من نعمته على الجاهل.
وحكم الله على أن من حبي بالإنعام، وخص بالفضل والإكرام، ثم أطلق لنفسه العنان في الشهوات، وتجرأ على انتهاك الحرمات، واستخف بالتبعات والسيئات، أنه يقابل من الانتقام والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته.
وكذلك في المقابل:
من كثرت حسناته وعظمت، وكان له قدم صدق في الإسلام، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر في شأن حاطب بن أبي بلتعة لما طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقتله؛ لأنه كتب لقريش فقال له: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» متفق عليه (١).
وموسى - صلى الله عليه وسلم - كليم الرحمن ألقى الألواح التي فيها كلام الله حتى تكسرت، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وأخذ بلحية أخيه هارون وجره بها إليه، وهو نبي الله مثله.
وكل هذا لم ينقص من قدره شيئاً عند ربه، وربه تعالى يكرمه ويحبه.
فإن الأمر الذي قام به موسى، والعدو الذي برز له، والصبر الذي صبره، والأذى الذي أوذيه في الله، أولى أن لا تؤثر فيه أمثال هذه الأمور، ولا تخفض منزلته.
ومن له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها.
والعالم إذا زلّ فإنه يحسن إسراع الفيئة، وتدارك الفارط، ومداواة الجرح.
وفيه من معرفته بالله، وبأمر الله، وتصديقه بوعده ووعيده، وخشيته من ربه، وإزرائه عل نفسه بارتكابه معصيته، وإيمانه بالله، وأن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، إلى غير ذلك من الأمور المحبوبة للرب، ما يغمر الذنب ويزيل أثره.
بخلاف الجاهل بذلك أو أكثره، فإنه ليس معه إلا ظلمة الخطيئة وقبحها، وآثارها المردية، فلا يستوي هذا وهذا.
فدل على أن سبب العقوبة قائم، لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشاهد العظيمة، والمواقف الجليلة، والنفع العميم، وهذا مقتضى الحكمة والرحمة، والجود والإحسان، وقد قال سبحانه في شأن يونس: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)} [الصافات: ١٤٣، ١٤٤].
أما العقوبة المضاعفة التي ورد التهديد بها في حق أولئك إن وقع منهم ما يكره كما قال سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)} [الإسراء: ٧٤، ٧٥].
وقوله سبحانه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)} [الحاقة: ٤٤، ٤٥].
وآدم - صلى الله عليه وسلم - لم يسامح بلقمة واحدة، وكانت سبب إخراجه من الجنة كما قال سبحانه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)} [طه: ١٢١].
فتلك العقوبة عين الحكمة.
فإن من كملت عليه نعمة الله، وأكرمه الله بما لم يكرم به غيره، وحبي بالإنعام وخص بالإكرام، وتميز بمزيد القرب من ربه، وجعل في منزلة الولي الحبيب، اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص، بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع.
فلشدة الاعتناء به، ومزيد تقريبه، واصطناعه لنفسه، واصطفائه على غيره، تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم، ونعمته عليه أكمل.
والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه كذلك يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضاً.
فاجتمع في حقه الأمران:
فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويأخذهم ويؤدبهم بما لم يأخذ به غيرهم كما قال سبحانه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)} [طه: ١٢١، ١٢٢].
وكل مؤمن يرى أن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، ولكن رؤية أهل العلم له لون، ورؤية غيرهم له لون آخر كما قال سبحانه: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)} [سبأ: ٦].
فرؤية العلماء أعظم وأكمل من غيرهم لعلمهم بصدق من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة والكتب السابقة.
ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة، ولما يرون في الأوامر والنواهي من الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن لكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره كالصدق والإخلاص، وبر الوالدين وصلة الأرحام ونحو ذلك.
وتنهى عن كل صفة قبيحة تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم والوزر من الشرك والكفر، والزنا والربا، والظلم في الدماء والأموال والأعراض.
وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة تستوجب الحمد والشكر.
والله تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان وعلمه القرآن.
فالإنسان إنما تعلم القرآن بتعليمه سبحانه، كما أنه صار إنساناً بخلقه، فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وعلمه كتابه، وعلمه البيان، كما قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)} [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان الذي علمه الله للإنسان له ثلاث مراتب:
أحدها: البيان الذهني، الذي يميز فيه بين المعلومات.
الثاني: البيان اللفظي، الذي يعبر به بلسانه عن تلك المعلومات.
الثالث: البيان الخطي، الذي يخط به تلك الألفاظ التي تحمل تلك المعلومات.
فالأول بيان للقلب.
والثاني بيان للسمع.
والثالث بيان للعين.
وقد جمع الله عزَّ وجلَّ الثلاثة في قوله سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: ٧٨].
والله حكيم عليم، أعطى الإنسان علم ما فيه صلاح معاشه ومعاده، ومنع عنه علم ما لا حاجة له به، ثم يسر عليه طرق ما هو محتاج إليه من العلم أتم تيسير.
فأعطاه معرفة خالقه وبارئه ومبدعه سبحانه، ومعرفة دينه وشرعه، ويسر عليه طرق هذه المعرفة، فهي أيسر شيء وألذ شيء: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)} [القمر: ٢٢].
وكل ما يراه العبد بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يعقله بقلبه، وكل ما يخطر بالبال، وكل ما تدركه الحواس، فهو دليل على الرب وكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وقد نصب سبحانه من الأدلة والآيات والبراهين ما يدل على وجوده ووحدانيته وصفات كماله مما لا يحصيه إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطر، ووضعه في العقل جملة.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٠٠٧)، ومسلم برقم (٢٤٩٤)، واللفظ له.
مختارات

