فقه العلم والعمل (٣)
ثم أصيب العلم بثلاث آفات:
الأولى: أنه خرج من المسجد إلى خارج المسجد فانطفأ نوره، وبقي في الأذهان بصورة معلومات لا تحرك القلب والبدن، ولا تبعث على العمل.
الثانية: أنه تولد عن هذا العلم الكبر وكثرة الجدل عند العالم والمتعلم بسبب عدم العمل به، وثمرة العلم الإلهي التواضع لله، والعمل به، فانطفأ نور آخر.
الثالثة: أنه فقد الإخلاص؛ لأن حطام الدنيا بدأ يؤكل به، وصار القفز إلى المناصب والوظائف عن طريقه، ولم يطلب لله تعبداً، فانطفأ نور آخر من نوره، بل هو أعظم نوره.
وعلم بلا نور.
ولا تواضع.
ولا إخلاص.
ظلمة على ظلمة على ظلمة، ظلمات بعضها فوق بعض، فأنى تبصر الأمة طريقها في هذه الظلمات.
والعلم هو قائد العمل، والعمل ثمرة العلم.
ولقبول العمل شروط:
الأول: الإيمان بالله، وهو التوجه إليه بالعمل.
الثاني: الإخلاص، وهو توحيده بذلك العمل.
الثالث: العلم، وهو أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الرابع: حفظ العمل بحسن الأخلاق.
فلو كانت أعمال العبد كالجبال وهو يؤذي الناس فهو خاسر؛ لأن الناس يأخذون حسناته يوم القيامة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار» أخرجه مسلم (١).
وعلوم الدين الواردة في الكتاب والسنة قسمان:
خبر.
وإنشاء.
فالخبر: ما يطلب العلم به، والإنشاء: ما يطلب فعله أو تركه.
والخبر نوعان:
خبر عن الخالق.
وخبر عن مخلوقاته.
فالخبر عن الخالق كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا توحيد الربوبية، وإما دعاء إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما يعبد من دونه، وهذا هو توحيد الألوهية.
وإما خبر عن إكرام الله لأهل توحيده وطاعته في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وعن جزائهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
وإما أحكام وتشريع، وهذا من حقوق التوحيد، فإن التشريع كالخلق حق لله وحده كما قال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: ٥٤].
وأما الخبر عن المخلوقات كوصف خلق السماء والأرض.
والسهول والجبال، والبحار والأنهار.
والنبات والحيوان.
والإنسان.
ونحو ذلك مما في الدنيا.
ووصف الجنة، ووصف النار، وأحوال الحشر والبعث، ونحو ذلك مما يجري يوم القيامة.
ففي القرآن علم كل شيء كما قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
وآفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات فلا بدَّ أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران، فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا تميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة، والسنة بدعة.
وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بدَّ أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه؛ لأن أحكام الرب كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس.
فمن أراد الدنيا وزينتها فلا بدَّ أن يهدم الآخرة ويهمل أعمالها؛ لأنشغاله بغيرها، ومن أراد الآخرة وأعمالها فلا بدَّ أن يهدم الدنيا ويعرض عن زينتها؛ لأنشغاله بغيرها.
فالدنيا والآخرة ضرَّتان إن ملت إلى إحداهما أضررت بالأخرى، ولا يمكن الجمع بينهما، فليؤثر العبد ما يبقى على ما يفنى، وما يحبه الله على ما يبغضه، وما هو أنفع وأدوم وأجمل: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)} [الأعلى: ١٦، ١٧].
والعلماء هم أولو الأمر وأهل الاقتداء، يقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران، ويشفى بهم العليل، ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم، وأقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم، لما كانت لله وبالله، وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم.
وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة.
والعلماء ثلاثة:
الأول: عالم استنار بنور العلم، واستنار به الناس منه، فهذا من خلفاء الرسل وورثة الأنبياء.
الثاني: عالم استنار بنوره، ولم يستنر به غيره، فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصراً على نفسه، فبينه وبين الأول ما بينهما.
الثالث: عالم لم يستنر بنوره، ولم يستنر به غيره، فهذا علمه وبال عليه، وبسطته للناس فتنة لهم، وبسطة الأول رحمة لهم.
فالمؤمن الموفق من هداه الله وعلمه وأعانه، وحبب إليه العلم والعمل والتعليم.
وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، فهذا لا تزيده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالاً، وكفراً وطغياناً: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: ٦٤].
وقال سبحانه: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)} [المائدة: ٤١].
وسبيل الله التي يحبها هي الجهاد وطلب العلم وتعليمه، ودعوة الخلق به إلى الله، فقوام الدين بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، ولهذا قرن الله بهما في قوله سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)} [الحديد: ٢٥].
ولما كان كل من الجهاد بالسيف.
والجهاد باللسان.
يسمى في سبيل الله، فسر الصحابة رضي الله عنهم قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)} [النساء: ٥٩].
بأن المراد بأولي الأمر: الأمراء المتقون.
والعلماء الربانيون.
فإنهم المجاهدون في سبيل الله، هؤلاء بأيديهم، وهؤلاء بألسنتهم.
والأمراء يرجعون إلى العلماء فيما أشكل عليهم، فعاد الأمر إلى فضل العلم والعلماء، وأنهم أئمة الناس الذين يقتدى بهم.
والعلم الحق هو المعرفة وإدراك الحق، وهو الذي يثمر العمل والقنوت والطاعة لله، والتوجه إليه في جميع الأمور.
وهو الذي يجعل المسلم يشعر بجلال الله فيخشاه، ويحس بآلائه ونعمه فيحمده ويشكره، ويذكر العبد بتقصيره فيستغفر الله ويتوب إليه.
وهو الذي يمنح القلب نعمة الرؤية والتأثر بما في هذا الكون من مظاهر الجلال والجمال والإحسان، فيقبل على ربه محباً له عابداً له.
وهو الذي يجعل المسلم يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، فيعمل بما يحبه ويرضاه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن، وتشحن الرأس، ولا تؤثر في القلب، ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس.
فأصحاب هذا العلم إنما يجمعون معلومات حفظوها في أذهانهم، ونطقت بها ألسنتهم، ولم تتأثر بها قلوبهم.
أما العلم الحقيقي فهو الذي يورث القنوت لله، والخشية منه، والخشوع له، واطمئنان القلب إليه، وأنسه به، ومراقبته في جميع الأحوال، والعمل بشرعه.
وإنما يعرف أصحاب القلوب الواعية المدركة لما وراء الظواهر من حقائق بالانتفاع بما ترى وتعلم، وبذكر الله في كل حال، وفي كل شيء تراه أو تسمعه أو تلمسه، ولا تنساه في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٨١).
مختارات

