فقه حمل الأمانة (٢)
ومن أعظم الأمانات وأهمها الحكم بما أنزل الله في أي جيل، وفي أي قبيل، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فإنما يرفض ألوهية الله ويرد أمره، وذلك كفر.
وقد وصف الله عزَّ وجلَّ من لم يحكم بما أنزل الله بثلاث صفات هي:
الكفر.
الظلم.
الفسق
فقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)} [المائدة: ٤٤].
وقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)} [المائدة: ٤٥].
وقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)} [المائدة: ٤٧].
فالظلم صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر باعتباره رافضاً لألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده وحده.
وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة الله الصالحة المصلحة لأحوالهم، وهو ظالم لنفسه بإيرادها موارد الهلكة، وتعريضها لعقاب الكفر، وتعريض حياة الناس وهو معهم للفساد.
وصفة الفسق صفة ثالثة، تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل، فهو فاسق بخروجه عن منهج الله، واتباع غير طريقه.
فالكفر برفض ألوهية الله ممثلاً في رفض شريعته.
والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله.
والفسق بالخروج عن منهج الله وتجاوزه إلى غيره.
لقد ربى الله تبارك وتعالى هذه الأمة بمنهج القرآن، وقوامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله، في نفوسها وحياتها وقوامتها على البشرية.
لقد رباها الله عزَّ وجلَّ بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى التشريعات، وشتى الابتلاءات.
وأعدها سبحانه بعقيدتها، وسلوكها، وأخلاقها، وشريعتها، ونظامها، لأن تقوم على دين الله في الأرض، ولأن تتولى القوامة على البشر.
وقد حقق الله ما يريده بهذه الأمة، فقامت في واقع الحياة الأرضية في عهده - صلى الله عليه وسلم - تلك الصورة الوضيئة من دين الله، حين كان دين أولئك سمعنا وأطعنا.
وتملك البشرية ذلك اليوم حين تعود إلى ربها، وتجاهد لبلوغ رضاه، فيعينها الله، والله غالب على أمره، وبيده مقاليد الأمور.
والناس في الدنيا قسمان:
١ - قسم خلقه الله لجهنم، وهؤلاء هم الذين ينكرون الحق ويكذبون به فلهم جهنم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)} [الأعراف: ١٧٩].
٢ - وقسم متمسكون بالحق، ويدعون الناس إليه، ويحكمون به، ويدافعون عنه، ولا ينحرفون عنه كما قال سبحانه: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)} [الأعراف: ١٨١].
فهذه الأمة الثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، فهم يهدون بالحق، ويدعون إلى الحق، فهم لا يقتصرون على معرفة الحق والعمل به، إنما يتجاوزونه إلى الهداية به والدعوة إليه، ويتجاوزون معرفة الحق والهداية به، إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس، والحكم به بينهم، تحقيقاً للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق.
فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس.
ولا مجرد وعظ يهدى به ويعرف.
إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله بلا استثناء.
يحكم اعتقادهم.
ويحكم شعائرهم التعبدية.
ويحكم حياتهم الواقعية.
ويحكم أخلاقهم وسلوكهم.
ويحكم أفكارهم وعلومهم.
يصبغها بلونه.
ويضبطها بموازينه: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)} [الأعراف: ١٧٠].
وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق وحده.
والأموال والأولاد فتنة قد تقعد الناس عن الاستجابة لله والرسول خوفاً وبخلاً.
والحياة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياة كريمة.
لا بدَّ لها من تكاليف.
ولا بدَّ لها من تضحيات.
ولقلع هذا الحرص ينبه الله عباده إلى فتنة الأموال والأولاد، فهي موضع فتنة وابتلاء، ويحذرهم من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان، ومن التخلف عن دعوة الجهاد، وعن النكوص عن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة.
واعتبار هذا كله خيانة لله والرسول، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض.
وهي إعلاء كلمة الله في الأرض.
وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق والعدل، وتنفيذ أوامر الله في عباده على مدار الزمان.
ومع هذا التحذير، التذكير بما عند الله من أجر عظيم، يرجح بالأموال والأولاد التي تقعد الناس عن التضحية والجهاد في سبيل الله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)} [الأنفال: ٢٧، ٢٨].
فعلى الأمة المسلمة التي آمنت بالله أن تجاهد لتقرير عقيدة الإيمان في القلوب، وإقامة منهج الله في خلقه، وبذلك تكون قد أدت الأمانة التي حملتها.
فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان فقط.
وليس مجرد عبادات وأدعية وأذكار فقط.
إنما هو مع ذلك منهج حياة كاملة شاملة لبناء واقع الحياة الإنسانية على قاعدة (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).
وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق، ورد المجتمع كله إلى حكمه وشرعه، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء، وتأمين الحق والعدل ومكارم الأخلاق للناس جميعاً.
وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت، وتعمير الأرض، والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله، بمنهج الله، وفق سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكل هذه أمانات عظيمة من لم ينهض بها فقد خانها، وخاس بعهد الله الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله.
وأداء ذلك كله يحتاج إلى الصبر والتضحية، وإلى الاستعلاء على فتنة الأموال والأولاد، والى التطلع إلى ما عند الله من الأجر العظيم لمن أدى الأمانة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)} [الأنفال: ٢٨].
فقد وهب الله عباده الأموال والأولاد ليبلوهم بها، ويفتنهم بها، فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنع العبد وتصرفه.
أيشكر الله عليها، ويؤدي حق النعمة فيها؟.
أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة، لئلا يخفق في الامتحان، ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض.
فقد يضعف لثقل الأمر، خاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد، فيلوح الله له بما هو خير من ذلك وأبقى، ليستعين به على مقاومة الفتنة، ويتقوى ويثبت.
وبعض الناس يظن أن الاعتراف بألوهية الله في ذاته هو الإيمان.
وأن الناس متى اعترفوا بأن الله إلههم فقد بلغوا الغاية.
دون أن يرتبوا على الألوهية مقتضاها وهو العبودية.
فيطيعونه ويخضعون له في كل شيء.
فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له.
ولا يحكمون في أمرهم كله غيره.
وبعضهم يظن أن العبودية تتحقق بمجرد تقديم الشعائر لله.
ويحسبون أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده.
فقد عبدوا الله وحده، بينما كلمة (العبادة) مشتقة من عبد، وعبد تفيد ابتداء: دان وخضع.
وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع، لا يستغرق كل حقيقة الدينونة، ولا كل مظاهرها.
يا حسرة على العباد من سوء الفهم.
وسوء الظن.
وسوء الجهل.
مختارات

