فقه حمل الأمانة (٣)
إن الجاهلية ليست فترة من الزمان مضت فقط، إنما هي انحسار معنى الألوهية والعبادة على هذا النحو، هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك، وهم يحسبون أنهم على دين الله كما قال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
فهل يليق بالمسلمين أن يؤدوا الشعائر لله، بينما أربابهم في الحياة غير الله، يشرعون لهم بما لم يأذن به الله فيطيعونهم، وتلك عبادتهم إياهم.
والله عزَّ وجلَّ هو الذي خلق هذا الكون، وله الأمر والحكم فيه، فهو الذي يحكم العباد بسلطانه وشريعته، وهو الذي يدينون له وحده، ويخضعون لأمره ونهيه، ويتبعون ما شرعه لهم في جميع أحوالهم، فلا يجوز لهم أن يشركوا معه أحداً سواه.
إن على المصلحين والدعاة إلى الله أن يعملوا لإعادة هذا الدين في حياة الأمة إلى الوجود الفعلي في مختلف شعب الحياة، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في أغلب بقاع الأرض، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام، وإن بقيت المآذن والمساجد، والأدعية والشعائر' تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين، وتوهمهم أنه لا يزال بخير، وهو يمحى من الوجود محواً، وتطرد شرائعه وأحكامه من واقع الحياة طرداً، وتهدم أركانه وواجباته وسننه كل حين.
إن مجتمع التوحيد والإيمان قد وجد في مكة، قبل أن توجد الشعائر، وقبل أن توجد المساجد، وجد من يوم قيل للناس: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٨٥].
فعبدوه، ولم تكن عبادتهم حينئذ ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت، إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة لله وحده في كل شيء قبل نزول الشرائع.
وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع والشعائر، ودان الناس لربهم بهذا وهذا على حد سواء.
إن الناس لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة لطواغيت، إلى الإسلام وعبادة الله وحده، إلا عن طريق ذلك الطريق الطويل البطيء، الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة من أول يوم فأفلحت.
ذلك الطريق الذي بدأه فرد، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم تتبعه طليعة مؤمنة، ثم تتحرك هذه العصبة في وجه الجاهلية، وتعاني ما تعاني، حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق، ويمكن لها في الأرض فتقيم الشعائر والشرائع في جميع أحوالها، ثم يدخل الناس في دين الله أفواجاً: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)} [الحج: ٤٠، ٤١].
وهذه الأمة التي اختارها الله لحمل أمانة الدين والدعوة إليه، لها صفات، وعليها واجبات، ولها مكانة عند الله، ومكانة عند الناس.
وقد جمع الله المنهاج الذي رسمه لهذه الأمة، ولخص التكاليف التي ناطها به، وقرر مكانها الذي قدره لها بقوله:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٧، ٧٨].
إن الله عزَّ وجلَّ يناديهم بالصفة التي ميزهم بها عن غيرهم وهي الإيمان، ثم يأمرهم بالركوع والسجود، وهما ركنا الصلاة البارزان، ثم يأمرهم ثالثاً بالأمر العام بالعبادة، وهي أشمل من الصلاة.
فعبادة الله تشمل الفرائض كلها، وتزيد عليها كذلك كل عمل، وكل حركة، وكل نية، يتوجه بها العبد إلى ربه، ثم يختم بفعل الخير عامة في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة.
يأمر الله عزَّ وجلَّ الأمة المسلمة بذلك رجاء أن تفلح، فهذه هي أسباب الفلاح:
العبادة تصلها بالله خالقها.
وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة على قاعدة الإيمان بالله.
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة، من الصلة بالله، واستقامة الحياة، نهضت بالتبعة الشاقة: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
والجهاد في سبيل الله يشمل:
جهاد النفس.
وجهاد العدو.
وجهاد الشر والفساد.
كلها سواء.
وجاهدوا في الله حق جهاده فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده، وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة، ينبغي أن يقابل منها بالشكر، وحسن الأداء لهذه الأمانة.
وهو تكليف محفوف برحمة الله، فلا حرج فيه ولا مشقة.
وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه، ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته، فلا تبقى طاقته حبيسة مكتومة، ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم الذي يتلف كل شيء بلا حساب.
إنه منهج الله الذي أكرم به البشرية، ملة أبيكم إبراهيم، منبع التوحيد الذي بقي في ذريته، لم ينقطع من الأرض، كما انقطع من قبل إبراهيم، وقد سماكم الله بالمسلمين من قبل، وبعد نزول القرآن.
والإسلام هو إسلام الوجه والقلب لله وحده لا شريك له، فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الرسل والرسالات والأجيال، حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد الله إليها بالوصاية على البشرية إلى يوم القيامة.
فهذه الأمة هي القوامة على البشرية بعد نبيها، وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وهي أمينة على ذلك، ومسئولة عنه.
فعليها أداء الشهادة لهذا الدين من خلال واقعها، ومنهج حياتها، كما أراد الله، ليدخل الناس في دين الله أفواجاً، وهي مسؤولة عنهم، وشاهدة عليهم.
فما أعظم الكرامة.
وما أكبر المهمة.
وما أثقل الأمانة.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يشهد على هذه الأمة، وهذه الأمة تشهد على الناس: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: ٧٨].
وقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي، وطبقته في حياتها الواقعية، ومشت به في الناس.
حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله من مكان القيادة والعزة، إلى مكان التابع في ذيل القافلة، حتى تحكم فيها أحفاد القردة والخنازير من اليهود والنصارى.
وما تزال ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اصطفاها الله له.
وهذا الأمر العظيم يقتضي الاحتشاد له، والاستعداد له: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها الله لها، وشرفها بها.
مختارات

