فقه التوفيق والخذلان (٢)
والناس في الحياة قسمان:
أحدهما: من قابلوا أمر الله بالترك ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بعدم الشكر ومنعه بالتسخط، ولم يستجيبوا لله والرسول.
فهؤلاء أعداء الله ورسوله، وهم شر البرية، وليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة، فإذا مزقه الموت، صاروا إلى الحسرة والعذاب الأليم.
وهؤلاء أكثر الخلق كما قال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)} [يوسف: ١٠٣].
وهؤلاء هم الأشقياء في الدنيا، المخلدون في النار يوم القيامة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)} [البينة: ٦].
الثاني: قسم قالوا: أنت ربنا ونحن عبيدك، فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا أمسكنا عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك.
سمعنا وأطعنا، وآمنا بالله ورسوله، فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة، فإذا مزقه الموت، صاروا إلى النعيم المقيم كما قال سبحانه: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)} [البقرة: ٢٥].
فانظر لنفسك من أي الفريقين أنت؟
وبأي العملين اشتغلت؟.
ومن أطعت ومن عصيت؟.
وماذا قدمت وماذا أخرت؟
وكل إنسان يوم القيامة سوف يخبر بما قدم وأخر: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)} [القيامة: ١٣].
هل قدم حاجات الدنيا أو حاجات الدين؟.
أو أخر حاجات الدنيا أو حاجات الدين؟.
وهل قدَّم أوامر الله على شهوات النفس؟.
أو أخَّر شهوات النفس أو أوامر الله عزَّ وجلَّ؟.
وهل قدم محبوبات الرب على محبوبات النفس؟.
والله عزَّ وجلَّ خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أموالهم وأنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم، ليسلموا إليه النفوس التي خلقها له، فتطيع ربها وتعبده بشرعه الذي أنزله.
وقد خلق الله عباده، وخلق كل شيء من أجلهم كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)} [لقمان: ٢٠].
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق بالعقل والعلم.
والبيان والنطق.
والشكل والصورة الحسنة.
والهيئة الشريفة.
واكتساب العلوم، والتخلق بالأخلاق الشريفة الفاضلة من البر والصدق والإيمان، والطاعة والانقياد.
وقد اشترى الله عز وجل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل ثمن ذلك الجنة كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١].
وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة لله، مصطفاة عنده، مرضية لديه، وقدر السلعة يُعرف بجلالة قدر مشتريها، وبمقدار ثمنها.
فإذا عرف الإنسان قدر السلعة.
وعرف مشتريها.
وعرف الثمن المبذول فيها.
علم شأنها ومرتبتها في الوجود.
فالسلعة أنت أيها المؤمن، والله المشتري، والثمن الجنة، والنظر إلى وجه الرب، وسماع كلامه في دار الأمن والسلام والخلود.
والله عزَّ وجلَّ هو الملك العزيز الجبار، لا يصطفي لنفسه إلا أعز الأشياء وأشرفها وأعظمها قيمة وقدراً.
وإذا كان الرب قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له داراً في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدمه، يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه، وحياته وموته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض.
ثم إن العبد لجهله أبق عن سيده ومالكه، معرضاً عن رضاه.
ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه، وصالح عدوه الشيطان، ووالاه من دونه، وصار من جنده، مؤثراً لمرضاته على مرضاة وليه وخالقه ومالكه، فقد باع نفسه التي اشتراها منه إلهه ومالكه، وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه، على عدوه الشيطان، أبغض خلقه إليه، واستبدل غضب ربه برضاه، ولعنته برحمته ومحبته.
فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟
{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)} [الزمر: ١٥].
وإذا أراد الله عزَّ وجلَّ خذلان من عصاه استدرجه، والاستدراج معناه أن يعامل الله العصاة والمجرمين باللطف والإحسان، مع تماديهم في الغي والإجرام.
وذلك بأن يزيد الله نعمه عليهم، فيظنون أنها لطف من الله تعالى بهم، فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي، حتى تحق عليهم كلمة العذاب كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)} [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].
فكلما أحدثوا ذنباً، فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير والنعم، فيزدادون بطراً وإمعاناً في الغي والفساد، ثم يأخذهم الله تعالى أغفل ما يكونون: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)} [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].
فالتوفيق أن لا يكل الله العبد إلى نفسه، بل يتولاه ويعينه ويدافع عنه.
مختارات

