فقه التوفيق والخذلان (٣)
والخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد ونفسه ويكله إليها.
والعبد مطروح بين الله، وبين عدوه إبليس.
فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه، وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)} [آل عمران: ١٦٠].
لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا لأحد من خلقك طرفة عين.
ولضعف الإيمان، وضعف اليقين على الأعمال الصالحة، غيَّر أكثر المسلمين مكان الاجتماع، وغيَّروا موضوع الاجتماع، وغيروا أعمال الاجتماع.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كان المسجد مكان اجتماعهم، وموضوع الاجتماع الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، وتعلم الدين، ومواساة الفقراء، واستقبال الضيوف، وتعلم القرآن والذكر والعبادة ونحو ذلك.
وكان الاجتماع في المسجد لجميع المسلمين أغنياء وفقراء، وسائر الطبقات وأعمال الاجتماع إقامة الدين في أنحاء الأرض، وخروج الناس للدعوة إلى الله، وتعليم الناس أحكام دينهم، وقراءة القرآن، والعمل به، والخروج للجهاد في سبيل الله ونحو ذلك.
واليوم تغيرت الأحوال:
فتغير مكان الاجتماع، فأصعب شيء على المسلم اليوم هو الاجتماع في المسجد، وصار الاجتماع في غير المسجد سهلاً، بل لذيذاً ومحبوباً، كالاجتماع في الفنادق والحدائق، والمطاعم والأسواق، والملاعب وأماكن الترفيه، فضلاً عن أماكن اللهو والفساد.
وتغير موضوع الاجتماع فصار كله للدنيا، وأقيمت الدنيا بأركانها الخمسة على حساب الآخرة.
وأركان الدنيا الخمسة بينها الله بقوله سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)} [الحديد: ٢٠].
فحل المال مكان الإيمان.
وحلت الشهوات مكان الأعمال.
وأعمال الدنيا مكان أعمال الدين.
فقام سوق الدنيا.
وتعطل سوق الدين عند كثير من المسلمين.
فنزلت بهم من الله المحن والشدائد: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)} [مريم: ٥٩].
ومتى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ.
ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله، والاستعداد للقائه، وحل فيه حب المخلوق، والرضا بالحياة الدنيا فاعلم أنه قد خسف به.
ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس بالله إلى الأنس بالخلق، ومن الخلوة مع الله إلى حب الخلوة مع غيره، فاعلم أنك لا تصلح له.
والموجودون الآن من بني آدم أربعة أصناف:
الصنف الأول: مؤمنون بالله، تعلموا الدين، وعملوا بالدين، ودعوا إلى الدين، بنية النبي، وبيقين النبي، وبفكر النبي، وبترتيب النبي، فهؤلاء خير القرون، ونصرة الله معهم، وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم.
الثاني: مؤمنون صالحون، لكنهم لا يقومون بالدعوة، فهم قانعون بالأعمال الصالحة، فالله يعطيهم في الدنيا حياة طيبة بقدر ما عملوا، وفي الآخرة لهم الجنة.
لكن في الدنيا إذا جاءت الأحوال والمصائب فغالباً لا يستطيعون حفظ أنفسهم من الفتن.
الثالث: مسلمون، ولكنهم غارقون في المعاصي والمحرمات.
وهؤلاء مقلدون للكفار، يحبون معاشرتهم، فهم عبيد لهم، ولشهواتهم.
الرابع: كفار ومشركون، وهؤلاء يبقون في الدنيا إلى آجالهم، ولكن إذا آذوا وقاتلوا الصنف الأول، فالله ينصر المؤمنين عليهم، ولو كانوا قليلي العدد والعدة.
والمطلوب جهد الصنف الأول على الصنف الثاني، ليأتي عندهم مع الصلاح الإصلاح.
وعلى الصنف الثالث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترغيب والترهيب.
ليغيروا حياتهم من الاقتداء بالكفار، إلى الاقتداء بالأنبياء والصحابة في الدعوة والعبادة والاستقامة، وعلى الصنف الرابع بالدعوة إلى الله، وعرض الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يهتدون.
والله عزَّ وجلَّ هو العزيز الحكيم الذي يأمر بالعدل والإحسان، عم بعدله عموم عباده، وخص من شاء منهم بفضله وإحسانه.
ولو أن ملكاً أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولاً، وكتب معه كتاباً يعلمهم فيه أن العدو مصبحهم عن قريب، ومخرب البلد، ومهلك من فيها، وأرسل إليهم أموالاً ومراكب وزاداً وعدة وأدلة، وقال: ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة لتنجوا.
ثم قال لجماعة من مماليكه اذهبوا إلى فلان فخذوا بيده، واحملوه ولا تذروه يقعد، واذهبوا إلى فلان وفلان كذلك، وذروا من عداهم فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي، فذهب خواص الملك إلى من أمروا بحملهم، فحملوهم إلى الملك، واجتاح العدو من بقى في المدينة، وقتلهم وأسر من أسر، فلا يعد الملك ظالماً لهؤلاء؟
بل هو عادل فيهم، لأنه حذرهم، وبين لهم سبيل النجاة.
نعم خص أولئك بإحسانه وعنايته وحرمها من عداهم، إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه بل: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)} [الحديد: ٢١].
والله تبارك وتعالى هو الذي جعل في قلوب عباده المؤمنين محبته والإيمان به، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان، وذلك محض فضله ومنته عليهم، حيث لم يكلهم إلى أنفسهم؟
بل تولى سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلاً منه ونعمة.
والله عليم بمواقع فضله، ومن يصلح له، ومن لا يصلح له، حكيم بجعله في مواضعه كما قال سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)} [الحجرات: ٧ - ٨].
والتوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد، بأن يجعله قادراً على فعل ما يرضيه، مريداً له محباً له مؤثراً له على غيره، ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه إليه، وهذا مجرد فضله، والعبد محل له.
فلم تكن محبتكم للإيمان، وإرادتكم له، وتزيينه في قلوبكم منكم، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك.
والذي حبب إليكم الإيمان، أعلم بمصالح عباده منكم، وأنتم لولا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان.
مختارات

