فقه التوفيق والخذلان (١)
قال الله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)} [آل عمران: ١٦٠].
وقال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)} [الأنعام: ١٢٥].
وقال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)} [الحشر: ١٩].
النعم كلها من الله وحده.
نعم الطاعات كلها.
ونعم اللذات كلها.
وعلى كل عبد أن يرغب إلى الله، أن يلهمه ذكرها، ويوزعه شكرها، وكما أن النعم منه سبحانه، ومن مجرد فضله، فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه.
والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده، وتخليته بينه وبين نفسه، وإن لم يكشف ذلك عن عبده، فلا سبيل له إلى كشفه عن نفسه، فهو مضطر إلى التضرع والابتهال إلى ربه، ليدفع عنه أسبابها، حتى لا تصدر منه.
وإذا وقعت كذلك بحكم القدر، فهو كذلك مضطر إلى الدعاء والتضرع إلى ربه، ليدفع عنه عقوباتها.
فلا ينفك العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة، ولا فلاح له إلا بها:
الشكر.
.
وطلب العافية.
والتوبة النصوح.
ومدار ذلك على الرغبة والرهبة، وليسا بيد العبد، بل بيد مقلب القلوب، ومصرفها كيف يشاء.
فإن وفق عبده أقبل بقلبه إليه، وملأه رغبة ورهبة، فصار من السعداء.
وإن خذله تركه ونفسه ونسيه، ولم يأخذ بقلبه إليه، فصار من الأشياء.
وللتوفيق والخذلان أسباب وهي:
أهلية المحل وعدمها، فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الاستعداد والقبول أعظم تفاوت.
فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحيوان، والنوعان متفاوتان في القبول.
فالحيوان الناطق يقبل ما لا يقبله البهيم، وهو متفاوت في القبول أعظم تفاوت.
وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول أعظم تفاوت، لكنه أقل من النوع الإنساني.
فإذا كان المحل قابلاً للنعمة.
بحيث يعرفها.
ويعرف قدرها وخطرها.
ويشكر المنعم بها.
ويثني عليه بها.
ويعظمه عليها، ويعلم أنها من محض الجود.
وعين المنَّة.
من غير أن يكون هو مستحقاً لها.
بل هي لله وحده، ومنه وبه وحده، فوحده بنعمته إخلاصاً، وصرفها في محبته شكراً.
وشهدها من محض جوده سبحانه، وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجزاً وضعفاً وتفريطاً.
وعلم أن الله إن أدامها عليه فذلك محض فضله وصدقته وإحسانه.
وإن سلبه إياها قهراً فهو أهل لذلك مستحق له.
وكلما زاده الله من نعمه، ازداد ذلاً له وانكساراً، وقياماً بشكره، وخشية له سبحانه أن يسلبه إياها لعدم توفيقه شكرها، كما سلب نعمته من لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها.
فإن لم يشكر نعمته سبحانه، وقابلها بضد ما يليق أن يقابل به سبحانه، سلبه إياها ولا بدَّ كما قال عزَّ وجلَّ: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)} [الأنعام: ٥٣].
وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة، بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي، وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال سبحانه عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)} [القصص: ٧٨].
والواجب أن يقول كما قال سليمان - صلى الله عليه وسلم - لما أوتي الملك: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)} [النمل: ٤٠].
والمؤمن يرى كل نعمة من ربه هو المالك لها، وهو المتفضل بها، منَّ بها على عبده من غير استحقاق منه، بل هي صدقة تصدق بها على عبده، وله أن لا يتصدق بها، وله أن يسلبها.
فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئاً هو له يستحقه عليه، فإذا لم يشهد ذلك رأى فيه أنه أهلاً ومستحقاً، فأعجبته نفسه وطغت بالنعمة، وعلت بها واستطالت على غيرها، فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)} [هود: ٩، ١٠].
وإذا علم الله هذا من قلب عبد.
يأس وكفر عند الضراء.
وفرح وفخر عند النعماء.
وكلاهما فتنة وبلاء.
وذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه.
فإن محله غير قابل لها، ولا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)} [الأنفال: ٢٢ - ٢٣].
فأسباب الخذلان من النفس وفيها.
وأسباب التوفيق من جعل الله سبحانه لها قابلة للنعمة.
فأسباب التوفيق منه ومن فضله، وهو الخالق لهذه وهذه، كما خلق سبحانه أجزاء الأرض، هذه قابلة للنبات، وهذه غير قابلة، وخلق الشجر، هذه قابلة للثمرة، وهذه لا تقبلها.
وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانها، والزنبور غير قابل لذلك.
وخلق سبحانه الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره، ومحبته وتوحيده، وإجلاله وتعظيمه، ونصح عباده.
وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك، بل قابلة لضده، وهو الحكيم العليم.
فكل خير فأصله توفيق الله للعبد.
وكل شر فأصله خذلانه لعبده.
فالتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك.
والخذلان أن يخلى بينك وبين نفسك.
وإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد، فمفتاحه الدعاء والافتقار، وصدق اللجوء والرغبة والرهبة، وحسن التوجه إليه.
فمتى أعطى الله العبد هذا المفتاح، فقد أراد أن يفتح له أبواب الخير والبركات.
ومتى أضله عن المفتاح، بقي باب الخير مرتجاً عليه، فهو واقف دونه.
وعلى قدر نية العبد وهمته ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة تنزل من الله على عباده بقدر همهم ورغبتهم ورهبتهم.
والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك.
والله بصير بالعباد.
وهو الحكيم العليم.
يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به.
ويضع الخذلان في مواضعه اللائقة به.
وما أُتي من أتي إلا من قِبل إضاعته الشكر والافتقار والدعاء.
وما ظفر من ظفر بتوفيق الله وعونه إلا بقيامه بالشكر والافتقار والدعاء.
وملاك ذلك كله الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
وقد ضل أكثر الخلق عن باب التوفيق:
إما لاشتغالهم بالنعمة عن شكر المنعم بها.
أو رغبتهم في العلم وتركهم العمل.
أو المسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة.
أو الاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بأفعالهم.
أو إدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها.
أو إقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها.
أو الاهتمام بالعادات والتقاليد وترك السنن والآداب.
مختارات

