خطر الشرك (٤)
والمشرك إنما يتخذ معبوداً من دون الله لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من أربع:
إما مالك لما يريده عابده منه.
فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك.
فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً.
فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده كما قال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: ٢٢، ٢٣].
فما أعجب حال المشرك، لقد استكبر عن الانقياد للرسل بزعمه أنهم بشر، ورضي أن يعبد ويدعو الشجر والحجر، واستكبر عن الإخلاص للملك الرحمن الديان، ورضي بعبادة من ضره أقرب من نفعه من الأصنام، طاعة لأعدى أعدائه الشيطان: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)} [الأحقاف: ٥، ٦].
ومن السفاهة والحماقة أن يتخذ الناس آلهة من دون الله، يعبدونها ويحبونها، ويرجونها ويخافونها، ويتقربون إليها، وهي غافلة عنهم لا تسمع ولا تعقل.
فماذا خلقت هذه الآلهة، وماذا صنعت؟ {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)} [الأعراف: ١٩١].
وهذا الكون قائم معروض على الأنظار والقلوب فماذا لهم فيه؟
وأي قسم من أقسامه أنشأوه؟.
وأي جزء من أجزائه شاركوا في بنائه.
والله سبحانه يلقن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليواجه الكفار بشهادة كتاب الكون المفتوح، الكتاب الذي لا يقبل الجدل والمغالطة فيقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)} [الأحقاف: ٤].
فهذه الأوثان والأصنام التي تعبدونها من دون الله ماذا عملت؟
هل خلقت من أجرام السموات والأرض شيئاً؟
هل خلقوا جبالاً؟.
هل أجروا أنهاراً؟.
هل خلقوا حيواناً؟.
هل أنبتوا أشجاراً؟.
هل أرسلوا رياحاً؟.
هل أنزلوا غيثاً؟.
هل كان منهم معاونة على خلق شيء من ذلك؟.
كلا.
وكلا.
فهذه الأنداد لا تملك نفعاً ولا ضراً، فهي عاجزة ضعيفة، وعبادة العاجز الضعيف الذليل قبيحة باطلة لا تليق بعاقل.
فهذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تستحق شيئاً من العبادة: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)} [الحج: ٤٦].
فتلك المعبودات من دون الله لم تخلق شيئاً فكيف تُعبد؟
وليس هناك كتاب إلهي يقر هذا الشرك، أو بقية علم يقر خرافة هذه الآلهة التي تعبد من دون الله؟
فما أحسن العقل والفهم والبصيرة، وما أقبح الجهل والتقليد والتعصب؟ {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)} [الأنعام: ٧١].
وعقائد المشركين في مكة مختلفة:
فمنهم من يعبد الملائكة.
ومنهم من يعبد الجن.
ومنهم من يعبد الشمس والقمر.
ومنهم من يعبد الأصنام المختلفة.
وكل يعمل على شاكلته.
وكان أقل عقائدهم انحرافاً من يقولون عن هذه الآلهة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: ٣].
ومن العجيب حقاً أننا لو عرضنا على أحد المسلمين صنماً من الذهب، وقلنا هذا يأتي بالرزق والأولاد؟
لقال: أعوذ بالله هذا شرك.
فإذا حولناه إلى نقود ذهبية وجئنا به إليه، قال هذا المسلم: احفظوه، فإنه قاضي الحاجات، المغني عن الناس، فارج الكربات، ومغيث اللهفات.
فبلسانه يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وبيده يمسك النقود الذهبية، كما يمسك الغريق بحبل النجاة.
وبقلبه يتعلق بها ويرى فيها قضاء حاجاته من دون الله.
وهذا هو الشرك الخفي الذي يقول الله عنه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)} [يوسف: ١٠٦].
إن أي فكرة وأي عقيدة وأي شخصية.
إنما تحيا وتعمل وتؤثر بمقدار ما تحمل من قوة كامنة وسلطان قاهر.
وهذه القوة تتوقف على مقدار ما فيها من الحق الذي أمر الله به.
وعندئذ يمنحها الله القوة والسلطان المؤثرين في هذا الوجود، وإلا فهي زائفة باطلة ضعيفة واهية مهما بدا فيها من قوة وانتفاش.
والمشركون في أنحاء الأرض يشركون مع الله آلهة أخرى في صور شتى.
ويقوم الشرك ابتداءً على إعطاء غير الله سبحانه شيئاً من خصائص الإلهية ومظاهرها، ظلماً وعدواناً.
وفي مقدمة ذلك حق التشريع للعباد في شئون حياتهم كلها.
وحق الاستعلاء على العباد، وإلزامهم بالطاعة لتلك التشريعات.
ثم تأتي مسألة تشريع العبادات الشعائرية للبشر، وكل ذلك ظلم للعباد.
فإن الله الواحد خلق هذا الكون لينتسب إلى خالقه الواحد.
وخلق هذه الخلائق لتقر له بالعبودية وحده لا شريك له.
ولتتلقى منه الشريعة والأخلاق والآداب بلا منازع.
ولتعبده وحده بلا أنداد.
فكل ما خرج عن قاعدة التوحيد في معناها الشامل فهو زائف باطل مناقض للحق، ومن ثم فهو واهٍ هزيل، لا يحمل قوة ولا سلطاناً، ولا يملك أن يؤثر في مجرى الحياة، وكيف يؤثر وهو لا يملك عناصر الحياة ولا حق الحياة؟.
وما دام المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً، فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء، وهم أبداً في رعب وخواء: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)} [آل عمران: ١٥١].
وفطرة الله التي فطر الناس عليها تعرف ربها، وتلجأ إلى إلهها الحق في ساعة الشدة.
فالهول والكرب الذي ترتعد له الفرائص ليس مؤجلاً دائماً إلى يوم القيامة، فالناس في الدنيا يصادفون ويواجهون الهول والكرب في ظلمات البر والبحر، فلا يتوجهون عند الكرب إلا إلى الله، ولا ينجيهم من الكرب إلا الله، ولكنهم يعودون إلى ما كانوا فيه من الشرك عند اليسر والرخاء: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)} [الأنعام: ٦٣، ٦٤].
إن الفطرة عند الشدائد تلفظ كل شيء من دون الله، وتطرح كل شيء، وتتعرى من كل شيء، وتتوجه إلى بارئها وفاطرها، وتتجه إلى الإله الحق بلا شريك، ولا تلتفت لشيء سواه.
لأنها تدرك حينئذ سخافة فكرة الشرك، وتدرك انعدام الشريك.
والانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما ينشأ من الجهل والحماقة.
والجهل من الجهالة ضد المعرفة، والجهل من الحماقة ضد العقل.
مختارات

