خطر الشرك (٣)
فالشرك بالله في الأقوال كالحلف بغير الله، وقول الإنسان: ما شاء الله وشئت، أو مالي إلا الله وأنت، أو أنا متوكل على الله وعليك، أو أنا في حسب الله وحسبك، أو هذا من الله ومنك، أو هذا من بركات الله وبركاتك ونحو ذلك.
والشرك بالله في الأعمال كالسجود لغير الله، والطواف بغير بيته، والسجود للقبور، والطواف عليها، وتقبيلها واستلامها ونحو ذلك.
والشرك بالله في الإرادات والنيات بحر لا ساحل له، وقلّ من يسلم منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، وهذا حال أكثر الخلق كما قال سبحانه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)} [يوسف: ١٠٦].
فالسجود والعبادة، والتوكل والإنابة، والخوف والرجاء، والمحبة والطاعة والتوبة والدعاء، كله محض حق الله تعالى الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه: من ملك مقرب أو نبي مرسل فضلاً عن غيرهم: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠].
وحقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق، والتشبيه للمخلوق به، فالمشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية من التفرد بملك النفع والضر، والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل بالله وحده.
فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، فضلاً أن يملكها لغيره، شبيهاً لمن له الخلق والأمر كله، وبيده كل شيء، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
وهذا من أقبح التشبيه، حيث شبه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات.
ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له، والتعظيم والإجلال كله له، والخوف والخشية والرجاء كله له، والدعاء والمحبة والطاعة كلها له سبحانه.
فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا ندَّ له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم فإن الله لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)} [النساء: ١١٦].
ومن خصائص الإلهية العبودية وهي: غاية الحب لله، مع غاية التعظيم له، والذل له.
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه وتعظيمه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه سبحانه.
ومن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، وصرف له ما لا يستحقه.
وأما التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى مدحه وتعظيمه، والخضوع له، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته.
وما عبد أحد غير الله من الملائكة والكواكب.
والأصنام والأوثان، إلا وقعت عبادته للشيطان كما قال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)} [يس: ٦٠، ٦١].
وقال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لأبيه: {يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)} [مريم: ٤٤].
والله عزَّ وجلَّ كما أنه لا يرضى أن يكون معه آلهة أخرى يخلقون ويرزقون ويدبرون.
فإنه لا يرضى كذلك أن يكون معه آلهة أخرى يشرعون ويحللون ويحرمون.
ولا يرضى كذلك أن يكون معه آلهة أخرى يعبدون من دون الله.
فالشرك الأكبر:
مخرج من الملة.
ومحبط لجميع الأعمال.
مبيح للدم والمال.
وصاحبه مخلد في النار.
والشرك الأصغر:
ينقص التوحيد.
لكنه لا يخرج من الملة.
وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر.
يعاقب عليه صاحبه.
ولا يخلد في النار خلود الكفار.
والشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، لكن الشرك الأصغر يحبط العمل الذي قارنه، كأن يعمل عملاً لله يريد به ثناء الناس عليه، كأن يحسن صلاته أو يتصدق أو يصوم أو يذكر الله لأجل أن يراه الناس، أو يسمعونه أو يمدحونه.
فهذا الرياء إذا خالط العمل أبطله.
ومن الشرك الأصغر الحلف بغير الله، وقول الإنسان ما شاء الله وشئت، أو لولا الله وفلان، ونحو ذلك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» أخرجه أحمد وأبو داود (١).
والشرك الأصغر قد يكون أكبرَ على حسب ما يكون في قلب صاحبه، فيجب الحذر من الشرك مطلقاً، الأكبر والأصغر، فالشرك ظلم عظيم لا يغفره الله.
والشرك نوعان:
شرك جلي.
وشرك خفي
فالجلي ما سبق ذكره، والخفي لا يكاد يسلم منه أحد، مثل أن يحب مع الله غيره، وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وأكثر الأمة واقعون فيه كما قال سبحانه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)} [يوسف: ١٠٦].
فمن نقصت محبته لله أحب غيره، إذ لو كملت محبته لله لم يحب سواه، وكلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلَّت، وكلما ضعفت محبته لله كثرت محبوباته من المخلوقات وانتشرت.
وإذا كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وكلما نقص خوفه من ربه زاد خوفه من غيره.
وإذا كمل رجاء العبد في مولاه لم يرج أحداً سواه، وإذا نقص رجاؤه وضعف وقف بباب المخلوق ورجاه، وذل لغير مولاه.
ومن توكل على ربه كفاه، واستغنى به عمن سواه، وإذا نقص توكله توجه إلى المخلوق، واتكأ على عاجز مثله.
فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد يسلم منه أحد إلا من عصم الله سبحانه.
وكثيراً ما يقرن الناس بين الرياء والعجب.
فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس.
وهذا حال المستكبر:
فمن حقق (إياك نعبد) خرج من الرياء.
ومن حقق (وإياك نستعين) خرج من العجب.
فاللهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة: ٦، ٧].
واتخاذ الوسائط بين الله وخلقه قبيح عقلاً وشرعاً، فإن الوسائط بين الملوك والناس على أحد وجوه ثلاثة:
الأول: إما لإخبار الملوك عن أحوال الناس بما لا يعرفونه، والله عزَّ وجلَّ يعلم السر وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع لكل شيء، البصير بكل شيء، العليم بكل شيء، فلا يحتاج لذلك.
الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلضعفه وعجزه يتخذ أعواناً وأنصاراً.
والله سبحانه هو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل كلهم محتاجون إليه.
الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركه من خارج.
فإذا خاطب الملك من ينصحه أو يعظمه، أو يرجوه أو يخافه، تحركت همة الملك وإرادته لقضاء حوائج رعيته، وقبل شفاعتهم بإذنه وبدون إذنه، لحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة جزاء لإحسانهم إليه.
والله عزَّ وجلَّ لا يرجو أحداً ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني سبحانه، وهو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل شيء إنما يكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الملك وكل ما سواه عبيد: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)} [يونس: ١٨].
وقال الله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)} [مريم: ٩٣].
(١) صحيح: أخرجه أحمد برقم (٢٣٥٤)، انظر السلسلة الصحيحة رقم (١٣٧).
وأخرجه أبو داود برقم (٤٩٨٠) واللفظ له، صحيح سنن أبي داود رقم (٤١٦٦).
مختارات

