خطر الشرك (٢)
والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان:
قوم نوح.
وقوم إبراهيم.
فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم دعوا الله عندها، ثم عبدوها من دون الله.
وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر.
وكل هؤلاء إنما يعبدون الجن، فإن الشياطين تخاطبهم وتعينهم على أشياء، وتتصور لهم بصور الآدميين، فيرونهم بأعينهم.
والجن كالإنس فيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والمنافق والفاسق.
والشياطين من الجن يوالون وينفعون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان من الآدميين: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)} [سبأ: ٤٠، ٤١].
فنوح - صلى الله عليه وسلم - أول من غير الشرك الأرضي، وهو عبادة أهل الأرض للأصنام، وإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أول من غير الشرك السماوي، وهو عبادة قومه للكواكب والنجوم.
وكلما ضعف الإيمان ضعف اليقين على الله، ثم حصل الشرك، فيبعث الله نبياً يرد الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حتى ختمهم ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع أهل الأرض إلى يوم القيامة بالإسلام الذي يقوم على أصلين:
شهادة أن لا إله إلا الله.
.
وشهادة أن محمداً رسول الله.
ومعناها: عبادة الله وحده لا شريك له، على طريقة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، في كل شأن من شئون الحياة، وامتثال أوامره سبحانه في جميع الأحوال، وتحقيق العبودية لله في كل أمر:
في العبادات.
والمعاملات.
والمعاشرات.
والأخلاق.
فعبادة الأصنام لا تعني فقط الصور الساذجة التي كان يزاولها العرب في الجاهلية مجسمة في أحجار أو أشجار، أو حيوان أو طير، أو نجم أو كوكب، أو أرواح أو نار.
فهذه الصور لا تستغرق الشرك كله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله، فلا بدَّ من معرفة معنى الأصنام.
فالشرك بمعناه المطلق يتمثل في كل حالة لا يكون فيها الحكم لله.
فالإنسان الذي يتوجه إلى الله معتقداً بألوهيته، ثم يدين لله في الوضوء والصلاة والصيام وسائر الشعائر، بينما هو في الوقت ذاته يدين في معاملاته ومعاشراته وطريقة حياته لغير الله، ويدين في قيمه وأخلاقه، وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر، فهذا العبد إنما يزاول الشرك في أخص حقيقته، ويجعل مع الله شريكاً يطيعه.
فلهؤلاء الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة كما قال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
فالإسلام هو توحيد الله في جميع الأحوال، وطاعته وحده في كل أمر وفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه.
لم يأت الإسلام بتحطيم الأصنام الحجرية والخشبية فحسب، بل جاء ليُعبد الله وحده لا شريك له، وليكون الدين كله لله:
في كل أمر.
وفي كل هيئة.
وفي كل صورة.
وفي كل بلد.
وفي كل زمان.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)} [البقرة: ٢٠٨].
والشرك قسمان:
أحدها: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو نوعان:
الأول: شرك التعطيل، وهو جحد الرب، وهو أقبح أنواع الشرك كقول فرعون:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)} [الشعراء: ٢٣].
الثاني: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته، ولم يجحد ربوبيته كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة، ومنه شرك عباد الأصنام والكواكب الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر.
القسم الثاني: الشرك في العبادة، وهذا الشرك دون الأول، فإنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته.
فيعمل لحظ نفسه تارة.
ولطلب الدنيا تارة.
ولطلب الرفعة تارة.
فلله من عمله نصيب.
ولنفسه نصيب.
وللشيطان نصيب.
وللخلق نصيب.
وهذا حال أكثر الناس، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فالرياء كله شرك، والتوحيد ضد الشرك.
فالواجب علينا كما أفردنا الله بالربوبية.
أن نفرده بالألوهية.
ونفرده بالعبودية: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)} [الأنعام: ١٠٢].
وهذا الشرك مبطل للعمل كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم (١).
والشرك في العبادة يبطل ثواب العمل وهو قسمان:
شرك أكبر.
وشرك أصغر.
فالشرك الأكبر: هو صرف العبادة أو بعضها لغير الله كدعاء غير الله، والذبح لغير الله.
وسؤال غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله كنزول الغيث، وشفاء المرضى ونحو ذلك.
ومن الشرك الأكبر الشرك بالله في المحبة والتعظيم، والطاعة والتأله، والخضوع والتذلل، والخوف والتوكل.
فمن أحب مخلوقاً أو عظمه، كما يحب الله ويعظمه، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
ومن أطاع العلماء والأمراء، والرؤساء والحكام، في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم شركاء لله في التشريع والتحليل والتحريم، وذلك كله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله كما قال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)} [التوبة: ٣١].
ومن خاف غير الله من وثن أو صنم أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو إنس أن يضره أو يصيبه بما يكره فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها، فمن صرفه لغير الله، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر كما قال سبحانه: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)} [آل عمران: ١٧٥].
ومن توكل على غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالتوكل على الموتى والغائبين ونحوهم في دفع المضار، وتحصيل المنافع والأرزاق والأولاد، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر كما قال سبحانه: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)} [المائدة: ٢٣].
ويتبع هذا الشرك الشرك بالله:
في الأقوال.
والأعمال.
والإرادات والنيات.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٨٥).
مختارات

