فقه النعم والمصائب (١١)
وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه مشاهد:
الأول: مشهد القدر، وأن ما جرى عليه بمشيئة الله وقدره، لا يمكن دفعه، فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم، وانقطاع الأمطار.
فإن الكل أوجبته مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: مشهد الصبر، فيشهده ويشهد وجوبه، وحسن عاقبته، وجزاء أهله، وما يترتب عليه من الغبطة والسرور، ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه الله ذلك ندامة.
الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم، فإن ذلك يورث من الحلاوة والطمأنينة والسكينة ما ليس في الانتقام، ومن عفا وصفح عمن أساء إليه غفر الله له.
الرابع: مشهد الرضا، وهو فوق مشهد العفو والصفح، وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، خاصة إن كان ما أصيب به سببه القيام لله.
وهذا شأن كل محب صادق، يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره، ومتى تسخط وتشكى منه، كان ذلك دليلاً على كذبه في محبته.
الخامس: مشهد الإحسان، وهو أرفع مما قبله، وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان، فيحسن إليه كما أساء هو إليه.
ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه، وأنه قد أهدى إليه حسناته، فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك، فهذا المسكين قد وهبك حسناته، فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها.
ويهونه عليك أيضاً علمك بأن الجزاء من جنس العمل، فإذا عفوت عمن أساء إليك فهكذا يفعل معك المحسن العزيز القادر بك في إساءتك، يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك.
السادس: مشهد السلامة وبرد القلب، وهذا مشهد شريف لمن عرفه، وذاق حلاوته، وهو أن لا يشغل قلبه وسره بما ناله من الأذى، وطلب الثأر، وشفاء نفسه.
بل يفرغ نفسه من ذلك، ويرى أن سلامته من ذلك أنفع له، وأطيب وألذ، فإن القلب إذا اشتغل بشيء، فاته ما هو أهم عنده منه فيكون مغبوناً.
السابع: مشهد الأمن، فإذا ترك الإنسان المقابلة والانتقام، أمن ما هو شر من ذلك، وإذا انتقم واقعه الخوف ولا بد، فإن ذلك يزرع العداوة، فإذا غفر ولم ينتقم أمن من تولد العداوة وزيادتها، وعفوه وحلمه، يكسر عنه شوكة عدوه، ويكف من جزعه.
الثامن: مشهد الجهاد، وهو أن يشهد تولد أذى الناس له، من جهاده في سبيل الله، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن وهو الجنة.
فإذا أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة، ليستحق ثمنها، فلا حق له على من آذاها، فإنه قد وجب أجره على الله، والله يتولى الدفاع عنها.
فمن قام لله، حتى أوذي في الله حرم عليه الانتقام كما قال لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)} [لقمان: ١٧].
التاسع: مشهد النعمة، وهو أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوماً يترقب النصر، ولم يجعله ظالماً يترقب المقت والأخذ.
ويشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه، فإنه ما أصاب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه.
وأذى الخلق كلهم لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك، فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته، ومن كان على يديه.
وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك، وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته، فلله در هذه الأنفس الزكية التي وصلت إلى هذا الشعور.
ويشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها، فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر، وسلامة الإسلام والتوحيد أهم من سلامة البدن والمال.
ويشهد كذلك توفية أجر المصائب وثوابها يوم الفقر والفاقة.
والعاقل يعد هذا ذخراً ليوم الفقر والفاقة، ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئاً.
العاشر: مشهد الأسوة الحسنة، وهو مشهد شريف جداً، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة حسنة برسل الله وأنبيائه وأوليائه، وخاصته من خلقه، فإنهم أشد الخلق بلاء، وأشد الخلق ابتلاء بالناس.
وأذى الناس لهم سريع ومتنوع، وكثير ومستمر، خاصة سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - الذي عودي وأوذي، وأخرج وكذب، فما انتقم لنفسه، وإنما أمره الله بالصبر الجميل، والصفح الجميل كما قال سبحانه: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)} [الحجر: ٨٥].
الحادي عشر: مشهد التوحيد.
وهو أجل المشاهد وأرفعها، فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له، وحسن معاملته، وإيثار مرضاته، والتقرب إليه، وقرة العين به، واطمأن إليه، وسكن إليه، وفوض إليه أموره كلها، ورضي به، وتوكل عليه، وخافه ورجاه، فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة، فضلاً عن أن يشتغل قلبه وفكره بطلب الانتقام والمقابلة.
ومن امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها، فإنه لا يلتفت إلى ما دونها: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
إن نعم الله على عباده لا يمكن ان يحصيها أحد، وهي نعم لا يمكن لأحد أن يحيط بها كما قال سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
إن الشمس التي تشرق كل صباح هي نعمة من نعم الله التي سخرها لعباده، وهي تشرق كل يوم بإذن ربها وأمره، لتذكر الإنسان بنعمة الله عليه، وتسخيرها له، وكذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الأرض، وكل ما تعطي من عطاء للبشر من ماء ونبات، وحجر ومعدن وغاز.
وكذلك الأنعام التي تدر الألبان.
والإبل والخيل التي يركبها الإنسان، كلها مذللة ومسخرة للإنسان ومنقادة له.
وهذه الطاعة ليست للبشر، ولكن لأمر الله في التسخير للبشر، فالجمل أو الحصان لا يخضع للطفل الصغير خوفاً منه، ولا عن عدم قدرة، ولكنه يخضع له، لأن الله أمره أن يخضع له.
وحتى يذكرنا الله بهذه النعمة، خلق الله بعض الحيوانات ولم يجعلها مذللة له، بل تركها غير مسخرة له، كالسباع والأسود والثعابين، ونحوها مما يخاف الناس منه.
وهذه الحيوانات ظلت وستظل لا تخضع لبشر، فهو سبحانه وحده الذي سخر ما شاء من خلقه لبعض خلقه، فهي مطيعة في كل زمان ومكان لأمر ربها في هذا التسخير: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)} [لقمان: ٢٠].
والله عزَّ وجلَّ غفور كريم رحيم، يفرح بتوبة العبد إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذي ألهمه إياها، ووفقه لها، وأعانه عليها.
وملأ سبحانه سماواته من ملائكته، واستعملهم في تسبيحه وتقديسه، والاستغفار للمؤمنين في الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم، وطلب وقايتهم من عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)} [غافر: ٧ - ٩].
فما أعظم هذه العناية من الرب جل جلاله.
وما أجمل هذا الإحسان.
وما أعظم نعمه على عباده.
وما أعظم هذه الرحمة.
وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد.
واللطف التام بهم.
ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، وآلائه ونعمه، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يسأل عنهم، ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله.
فيدعو مسيئهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يسأله الشفاء، وفقيرهم إلى أن يسأله الغنى، ومحتاجهم إلى أن يسأله قضاء حاجته، وذلك كل ليلة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١).
فباب النعم والإحسان باب عظيم، يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه، فإن نعمه على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات، وهي
لا تحصى ولا تستقصى.
فهذه محبة للرب الرحيم الكريم، تنشأ من مطالعة المنن والإحسان، ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب فيها، ازدادت محبته لربه وتأكدت.
ولا نهاية لها فيقف القلب عندها، بل كلما ازداد فيها نظراً ازاد فيها اعتباراً وعجزاً عن ضبط القليل منها، فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه.
والله تبارك وتعالى دعا عباده إليه من هذا الباب.
حتى إذا دخلوا فيه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماء والصفات.
الذي إنما يدخل فيه خواص خلقه.
وهو باب المحبين حقاً.
الذي لا يدخل منه غيرهم.
ولا يشبع من معرفته أحد منهم.
فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام، إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة وطاعة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها، وأشدها نقصاً، وأبعدها من كل خير.
فالله قد فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أسمائه وصفاته من خلقه، ومعلوم أنه لا أحد أعظم إحساناً من الله سبحانه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه، وهو الذي لا يحد كماله، ولا يحاط بوصف جلاله وجماله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)} [آل عمران: ٨]
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١١٤٥) واللفظ له، ومسلم برقم (٧٥٨).
مختارات

