فقه النعم والمصائب (١٠)
والله سبحانه يبتلى عباده حسب إيمانهم بأنواع المصائب، ويبتليهم بشيء يسير من الخوف والجوع، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، لأنه سبحانه لو ابتلاهم بالخوف كله أو ذهاب الأموال كلها، أو الثمرات كلها ونحو ذلك لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.
وهذه الأمور لا بد أن تقع، لأن الله أخبر بها، وقد وقعت وما زالت تقع كما أخبر الله.
فإذا وقعت تلك المصائب انقسم الناس قسمين:
قسم صابرون.
وقسم جازعون.
فالجازع حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها وهو الأجر الذي يناله بالصبر عليها، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكر، وحصل له السخط الدال على نقص الإيمان.
وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب فحبس نفسه عن التسخط قولاً وفعلاً، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظ من المصيبة التي حصلت له، فإن المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقاً لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله فيها، وفاز بالثواب الجزيل، والأجر بغير حساب كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)} [الزمر: ١٠].
وهؤلاء الصابرون إذا أصابتهم مصيبة مما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما يعلمون أنهم مملوكون لله، مدبرون تحت أمره، وليس لهم من أنفسهم شيء.
فإذا تصرف فيهم أرحم الراحمين بشيء، فإنما يتصرف بمماليكه ومخلوقاته، فلا اعتراض عليه، والله أرحم بالعبد من نفسه، فينبغي للعبد الرضا عنه، والشكر له فيما قدر وفعل.
وكل عبد راجع إلى ربه، فإن صبر واحتسب وجد أجره موفراً عنده، وإن جزع وسخط لم يكن حظه إلا السخط وفوات الأجر.
فكون العبد يعلم أنه لله، وكونه راجعاً إليه، من أقوى أسباب الصبر.
وجزاء هؤلاء الصابرين صلوات من ربهم ورحمة وهداية كما قال سبحانه في جميع ما سبق: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فعلى العباد توطين نفوسهم على المصائب قبل وقوعها.
لتخف وتسهل إذا وقعت.
وعليهم معرفة ما تقابل به إذا وقعت وهو الصبر.
ومعرفة ما يعين على الصبر من إدراك العبد أنه لله، وإليه راجع.
ومعرفة ما للصابر من الأجر.
وهو أنه يعطى من الأجر بغير حساب.
ويصلي الله عليه ويرحمه ويرزقه الهداية.
سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وما يصيب العباد من الخير والشر، ومن الحسنات والسيئات، كله بقضاء الله وقدره، فكل حصب وكثرة مال، فهو من عند الله، وكل جدب وقحط وهلاك أموال، فهو من عند الله كما قال سبحانه: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)} [النساء: ٧٨].
وما أصاب الإنسان من الحسنات كالرخاء والخصب، والصحة والسلامة، فمن الله وبفضله ورحمته.
وما أصاب الإنسان من الجهد والبلاء والشدة فهو من الله أيضاً، ولكنه بسبب من نفس الإنسان، بذنب أتاه فعوقب عليه كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)} [النساء: ٧٩].
وما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم، وفيما يحبون ويكون عزيزاً عليهم إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وما يعفو الله عنه أكثر، فإن الله لا يظلم العباد، ولكن العباد أنفسهم يظلمون: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)} [الشورى: ٣٠، ٣١].
وما أصاب المسلمين من المصائب فقد قدره الله وأجراه في اللوح المحفوظ، فعليهم الرضا بقضائه وقدره، والتوكل عليه وحده في جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم كما قال الله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)} [التوبة: ٥١].
وللذنوب عقوبات عاجلة وآجلة:
ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد، ويزين له ترك اتباع الرسول وذلك لفسقه، فمن تولى عن اتباع الحق فتلك عقوبة له على فسقه كما قال سبحانه: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)} [المائدة: ٤٩].
والناس حال المصيبة على أربع مراتب:
الأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، ويضجر مما قدر الله عليه، أو يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، أو يكون بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب ونحوها.
الثانية: الصبر، فيرى أن المصيبة ثقيلة عليه ويكرهها، لكنه يتحمل ذلك ويصبر، ويحميه إيمانه بالله من التسخط.
الثالثة: الرضا، وهو أعلى من ذلك، وهو أن يكون الأمران عنده سواء، إن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها.
فالكل عنده سواء، لتمام رضاه بربه سبحانه وتعالى.
الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، فيكون من عباد الله الشاكرين، فإنه إذا عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، أو رفعة درجاته، أو زيادة حسناته، شكر الله على ذلك.
فللإنسان عند المصائب أربعة مقامات وأربعة أحكام:
الأول: الجزع.
وهو محرم.
الثاني: الصبر.
وهو واجب.
الثالث: الرضا.
وهو مستحب.
الرابع: الشكر.
وهو أحسن وأفضل وأكمل، فإن المصيبة يترتب عليها أجر عظيم وتلك نعمة، وكل نعمة لا بد لها من الشكر، والإنسان إذا لم يأت بخطيئة، وأصابته مصيبة فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، وهذه المصيبة لا تلاقي ذنباً تكفره، لكنها تلاقي قلباً تمحصه، ليصل المرء بصبره إلى أعلى درجات الصابرين.
وفي كل مصيبة وفي كل بلاء خمس فوائد، ينبغي للعبد أن يشكر الله عليها:
الأولى: أن كل مصيبة مهما كانت فالله قادر أن يجعلها أعظم، فليشكر الله إذ لم تكن أعظم، فمن ذهب بعض ماله فليحمد الله أنه لم يذهب كل ماله.
الثانية: أن المصيبة كانت في الدنيا أو النفس، ولم تكن في الدين.
الثالثة: أنها عجلت في الدنيا، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخف، ومصيبة الآخرة دائمة لاذعة وقاسية.
الرابعة: أن هذه المصيبة مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من وصولها إليه، فقد وصلت واسترا ح منها، فهي نعمة، فليرض بذلك ويشكر الله عليها، لينال أجر ذلك.
الخامسة: أن ثواب المصيبة أكثر منها كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)} [الزمر: ١٠].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه (١).
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٦٤١) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٥٧٣).
مختارات

