فقه الشهوات واللذات (١)
قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)} [آل عمران: ١٤].
وقال الله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)} [الزخرف: ٧٠، ٧١].
الشهوة واللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي، فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيراً من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل وأنفع، أو أعقبت ألماً حصوله أعظم من ألم فواتها.
ومتى عرف العاقل التفاوت بين اللذتين والألمين هان عليه ترك الأدنى لتحصيل الأعلى، واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما.
وإذا تقرر هذا:
فلذة الآخرة أعظم وأدوم.
ولذة الدنيا أصغر وأقصر.
والآخرة خير من الأولى كما قال سبحانه: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)} [آل عمران: ١٥].
وألم الدنيا أخف وأقصر.
وألم الآخرة أشد وأبقى كما قال سبحانه: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)} [الرعد: ٣٤].
وإذا قوي اليقين وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب.
والصبر على الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة:
فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة.
وإما أن تقطع لذة أكمل منها.
وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة.
وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه.
وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه.
وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة.
وإما أن تجلب هماً وغماً، وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة.
وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة.
وإما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً.
وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة.
وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول.
فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق.
والشهوات في الدنيا موجودة، لكن الدنيا ليست محل قضاء الشهوات، فإن محل قضاء الشهوات وتكميلها في الآخرة.
ولو جمعنا ما في الدنيا كلها ما كفى لقضاء شهوة رجل واحد، لكن في الدنيا المطلوب تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، وكل ما يحب الله من الصفات، ويوم القيامة فيه تكميل ما يحب المخلوق من الشهوات واللذات.
فالدنيا محل قضاء الضرورات، وليست محل تكميل الشهوات.
وقد خلق الله بطن الأم لتكميل أعضاء الإنسان وجوارحه.
وخلق الدنيا لتكميل الإيمان والأعمال الصالحة.
وخلق الآخرة لتكميل شهوات الإنسان.
وتحقيق القسط والعدل.
وإبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا من النعيم.
وأغلب شهوات الإنسان وأظهرها ثلاث:
شهوة بطنه.
وشهوة فرجه.
وشهوة لسانه.
ثم الغضب الذي هو كالجندي لحماية الشهوات، ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا، ولم يتمكن منها إلا بالمال والجاه، وإذا طلب المال والجاه وحصلهما، حدث فيه الكبر والعجب، وحب الرياسة.
وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأساً، وتمسك من الدين بما فيه الرياسة، وغلب عليه الغرور، وثقلت عليه الأوامر، وهانت عليه المعاصي.
وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ أصناف الشهوات بقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)} [آل عمران: ١٤].
فذكر سبحانه أربعة أصناف من المال، كل نوع يتمول به صنف من الناس:
أما الذهب والفضة فيتمول بهما التجار.
وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك.
وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي.
وأما الحرث فيتمول بها أهل المزارع.
فتكون فتنة كل صنف، في النوع الذي يتمول به، أما النساء والبنون ففتنة للجميع.
والإنسان مبتلى في هذه الحياة فهو يمشي في وادي اللذات، ويسبح في بحر الشهوات، ولقطع هذا الوادي وعبور هذا البحر لا بد من الإيمان الذي يحجزه عن محارم الله، ويدفعه لطاعة الله، حتى يصل إلى الجنة بسلام، فإن لم يكن معه إيمان غرق في هذا البحر وهلك وشقي شقاوة الأبد.
وكل شهوة ولذة محرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها أو فعلها، مثمرة للألم حال انقضائها، موجبة للعقوبة حال اشتهارها: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)} [مريم: ٥٩].
فعلينا أن نحسب كم مشينا في متطلبات الدنيا والشهوات؟.
وكم مشينا في متطلبات الآخرة، وتحقيق أحكام الله؟.
وكم مشينا في مراد الله، وكم مشينا في مراد النفس؟.
وكم طاعة فعلناها، وكم معصية اقترفناها؟.
نفعل ذلك في الدنيا قبل نشر الصحف ونصب الموازين، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)} [الحشر: ١٨].
مختارات

