فقه النعم والمصائب (٤)
والرزق يراد به شيئان:أحدهما: ما ينتفع به العبد.
الثاني: ما يملكه العبد من الحلال.
فالأول: هو المذكور بقوله سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)} [هود: ٦].
والثاني: هو المذكور في قوله سبحانه: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)} [المنافقون: ١٠].
والعبد قد يأكل الحلال والحرام، فهو رزق بهذا الاعتبار، لا بالاعتبار الثاني، وما اكتسبه ولم ينتفع به، هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول.
ومن سرق أو أكل الحرام، فليس هذا من الرزق الذي أباحه الله له، ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره.
فكما أن الله كتب ما يعمله العبد من خير وشر، وهو يثيبه على الخير، ويعاقبه على الشر.
فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام، مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام، فكل شيء واقع بمشيئة الله وقدره.
والرزق الذي ضمنه الله لعباده هو لمن يتقيه، بأن يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٢، ٣].
ومن ليس من المتقين ضمن له ما يناسبه، بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا على تفاوت بين هؤلاء، ثم يعاقبه في الآخرة.
والله عزَّ وجلَّ أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته، لم يبحه لمن يستعين به على معصيته، ولذلك كانت أموال الكفار غير مغصوبة، بل مباحة للمؤمنين، وتسمى فيئاً إذا عادت إلى المؤمنين، لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله بها لا من يعصيه كما قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لربه: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)} [البقرة: ١٢٦].
ولما كان مقصود ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق للوصول إلى ذلك إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجة، ومن هنا كان الأكل من الدين كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)} [المؤمنون: ٥١].
فيأكل المرء مقتصداً بسنة، ولا يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المراعي.
لقد أكرم الله الإنسان من بين سائر المخلوقات، وشرف المسلم وأكرمه بالدين على سائر البشر، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، وأباح له جميع الطيبات، وحرم عليه الخبائث، وخلقه، وهداه، واشتراه، وأكرمه بمنهج يسير عليه، وهداه الطريق الموصل إليه، وله بعد موته الجنة والرضا من ربه، فله الحمد والمنَّة على نعمه الظاهرة والباطنة، وعلى إحسانه في الدنيا والآخرة: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)} [لقمان: ٢٠].
وكل ما عند أهل السماء من النعم.
وكل ما عند أهل الأرض من النعم.
وكل ما في الجنات من النعم.
كل ذلك بالنسبة لما في خزائن الله من النعم كقطرة من بحر.
أو ذرة من جبل.
قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)} [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
فسبحانك ما أعظمك، وسبحانك ما أكرمك، وسبحانك ما أرحمك، تفعل ما تشاء، وأنت على كل شيء قدير.
وتبارك اسمك الذي بثثت فيه أرزاق العباد فوجدت.
ووضعته على الأرض فاستقرت.
وعلى السموات فاستقلت.
وعلى الجبال فرست.
وعلى الرياح فتحركت.
وعلى النهار فاستنار.
وعلى الليل فأظلم.
وعلى الشمس فأشرقت.
وعلى الأرض فأنبتت.
وعلى اللسان فتكلم.
وعلى العين فأبصرت.
وعلى الأذن فسمعت.
وعلى المريض فشفي.
وعلى الجاهل فعلم: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)} [الرحمن: ٧٨].
سبحانك أنت الكريم الرحمن.
وأنت القوي العزيز.
وأنت الخلاق العليم.
كم وحياً أوحيته إلى أنبيائك ورسلك رحمة بعبادك؟، وكم قضاء قضيته؟، وكم رزقاً أنزلته؟.
وكم ضالاً هديته؟.
وكم فقيراً أغنيته؟.
وكم مريضاً شفيته؟.
وكم سائلاً أعطيته؟.
وكم ذنباً غفرته؟.
وكم هماً فرجته؟.
وكم كرباً نفسته؟.
وكم عسيراً يسرته؟.
وكم داعياً أجبته؟.
فلك الحمد والشكر كثيراً، كما تنعم وترحم كثيراً.
ولك الحمد والشكر حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد في الآخرة والأولى.
خلقتنا.
ورزقتنا.
وهديتنا.
وعافيتنا.
ورحمتنا.
وأكرمتنا: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السموات وَالأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أحَقُّ مَا قال الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللَّهُمَّ! لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ» أخرجه مسلم (٢).
ألا ما أعظم نعم الله على عباده، وما أرأفه بهم، وما أشد عنايته بأمورهم، وما ألطف تدبيره لما يصلحهم: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)} [الحج: ٦٥].
لقد خلقك الله ورزقك وعافاك وهداك.
وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك.
وعصم مالك بقطع يد من سرقه.
وأباح لك الميتة عند الضرورة سداً لرمقك.
وزجرك عما يضرك بحد عاجل ووعيد آجل.
وأسقط شطر الصلاة في السفر عنك رحمة بك.
وأنزل عليك الكتب.
وأرسل إليك الرسل.
وأطعمك وسقاك.
وألبسك وكساك.
وأسكنك الديار.
وأركبك المراكب.
ورزقك الأموال والأولاد.
وزودك بالسمع والبصر والعقل.
وأمرك بالعمل الصالح.
ووعدك على ذلك الجنة.
أما يليق بهذا المنعم العظيم الذي هذه بعض نعمه أن توقره؟.
وتعظم شعائره؟.
وتطيع أوامره؟.
وتجتنب زواجره؟.
وتحذر من عدوه؟.
أيحسن بك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك عنه مقبلاً؟، ولما أمرك تاركاً؟.
وعن داعيه معرضاً، ولداعي عدوه مطيعاً؟.
ما أفحش تلاعب الشيطان بالإنسان، بينما هو بحضرة الحق، والملائكة سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات، إلى أن يوجد مع البهائم عاكفاً على الشهوات.
أو يوجد ساجداً لصورة في حجر.
أو لشجرة من الشجر.
أو لشمس أو قمر.
أو لحيوان أو بشر.
لا يليق بهذ الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات أن يُرى إلا عابداً لله في دار التكليف، ومجاوراً له في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)} [المائدة: ٧٦].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٤٧٧).
مختارات

