فقه خلق الأسباب (٢)
والأحوال من فقر ومرض ونحوهما لا تتغير بالأسباب، بل تتغير بالإيمان والأعمال الصالحة.
وإن تغيرت أحياناً بالأسباب فهي ابتلاء للمؤمن، هل يركن إليها ولا يلجأ إلى الله؟.
وهي كذلك اطمئنان للكافر فهو لا يعرف غيرها.
فالكفار يتفكرون لتغيير أحوالهم من الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصحة بالأسباب، وإذا جاءت عليهم أحوال سيئة يتفكرون لتغييرها بالأموال والأسباب.
وتغيير الأحوال بالأسباب جهد فرعون.
أما جهد الأنبياء فهو تغيير الأحوال بالإيمان والأعمال الصالحة لا بالأسباب، بل بأمر الله وسنته فهو مالك الملك، وبيده كل شيء كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: ١١].
وقال الله سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)} [البقرة: ٤٥].
فالفقر والمرض أحوال لا نتوجه لحلها إلى الأسباب فقط، بل نتقي ونحذر، ونتوجه إلى الله أولاً بالإيمان والأعمال التي ترضيه، ثم هو سبحانه يغير الأحوال بقدرته.
فهو وحده القادر على تغيير الأحوال:
إما بالأسباب كما هو معلوم.
أو بدون الأسباب فيقول للشيء كن فيكون كما رزق مريم طعاماً بلا شجر، وابناً بلا ذكر.
أو بضد الأسباب كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وكما جعل البحر سبباً لنجاة موسى في التابوت، وحين كان مع بني إسرائيل.
فلا نتوجه إلى الأسباب في حل المشاكل، وتغيير الأحوال، بل نتوجه إلى الله، ونفعل ما يرضيه، وننظر ما هو أمر الله في حال الفقر أو الجوع أو المرض أو الخوف فنفعله كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والله سبحانه خالق الأسباب التي يتم بها ما أراد، كما جعل المطر سبباً للإنبات.
والدواء سبباً لذهاب الداء.
ووطء المرأة سبباً للحمل.
والنار سبباً للإحراق.
والأكل سبباً لذهاب الجوع.
والماء سبباً لذهاب العطش.
والسكين سبباً للقطع.
كما جعل سبحانه الدعاء سبباً لما يحصل للمدعو له أو المدعو عليه.
وسؤال العلماء سبباً لزوال الجهل.
وطاعة الله سبباً لرضاه.
ومعصية الله سبباً لسخطه وانتقامه.
فالأسباب المأذون فيها شرعاً والمأمور بها والمنصوص عليها لا تنكر، لكن لا نتكل عليها، فنفعلها ولا نتوكل عليها، إذ في إنكارها نقص في العقل، وفي الاتكال عليها شرك في الدين.
وكل من الاتكال عليها، والإنكار لها، منتفٍ شرعاً وعقلاً.
فالواجب الإيمان بها وفعلها، وعدم التوكل إلا على الله وحده.
كما قال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)} [الفرقان: ٥٨].
ومن سنة الله أن من اعتمد على غير الله من الملك والمال والأسباب، أعطاه الله إياه، وخذله من جهته فـ: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)} [الإسراء: ٢٢].
ومن سنته كذلك جعل الأسباب في أيدي أعداء الله، لأن أعداء الله اعتمادهم على غير الله من الأسباب كالملك والمال والسلاح ونحوها.
ومن سنته كذلك إعطاء الفقر والمسكنة لأنبياء الله وأتباعهم، لأن اعتمادهم على الله، ليس على الملك والمال والأساب كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)} [الملك: ٢٩].
فاعتماد المؤمنين في كل شيء على الله، واعتماد الكفار على الأسباب، والأسباب بدون الإيمان سبب للهلاك كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
والكفار يستعملون هذه الأسباب التي أعطاهم الله في عداوة المؤمنين وإيذائهم، والله سبحانه يأمر المؤمنين بالصبر عليهم، والله قادر أن يهلكهم بالحر او البرد أو بالحجارة أو يحرقهم بالنار أو يغرقهم بالماء، أو يخسف بهم الأرض أو بغير ذلك.
وكانت مثل هذه الأحوال في مكة، فقد أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه، وظلموا وعذبوا، وفي كلها أمرهم الله بالصبر، وتحمل الأذى والدعوة والرحمة كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)} [الروم: ٦٠].
وهذا الصبر ليس بسبب الضعف، بل ليلقي في قلوب المؤمنين والدعاة الشفقة والرحمة على الناس أكثر من شفقة الأم على ولدها، الذي يؤذيها فترحمه، لأنها تعلم ما لا يعلم.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يتفكر ويعمل لهداية الناس، وأعداؤه يتفكرون ويعملون للقضاء عليه.
همُّ الرسول وفكره في هدايتهم.
وفكرهم وهمهم لجهلهم لقتله، وشتان بينهما.
فقلبه - صلى الله عليه وسلم - مملوء رحمةً وإيماناً وعلماً، وقلوبهم مملوءة غلظةً وكفراً وجهلاً وظلماً.
وكلما زادوا في أذاه ازداد رحمةً لهم وشفقةً عليهم، ولم تأت في قلبه عاطفة الانتقام لنفسه.
وإذا كان الله معنا لم نهزم ولم نغلب كما قال سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)} [الروم: ٤٧].
ولكن ليس معنى هذا ترك الأسباب المادية البتة، بل لا بد من الأخد بالأسباب المأمور بها، لأننا في دار الأسباب، والله أمر بها وأذن، وسخرها لنا لنستعملها في طاعته، وفيما ينفعنا ولا يضرنا كما قال الله سبحانه لنبيه نوحٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: ٣٧].
وقال لداود: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)} [الأنبياء: ٨٠].
وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بين درعين، ولبس المغفر على رأسه يوم الفتح، وأكل الطعام، وشرب الماء والحليب.
وغير ذلك.
وقال سبحانه لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)} [الجمعة: ١٠].
مختارات

