فقه خلق الأسباب (١)
قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)} [الكهف: ٨٣، ٨٤].
وقال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)} [الزمر: ٦٢].
الله تبارك وتعالى خالق كل شيء، وما نصبه من الأسباب في خلقه وأمره وأحكامه، وثوابه وعقابه، فذلك مظهر أسمائه وصفاته، ومظهر حكمته ونعمه، ومظهر قدرته وعزته.
إذ ظهور هذه الأسماء والصفات تستلزم محال وتعلقات تتعلق بها، ويظهر فيها آثارها، فصفة الخلق والرزق، والرحمة والإحسان تستلزم وجود مخلوق ومرزوق، ومرحوم ومحسن إليه.
وهذا الكون العظيم كما هو محل الخلق والأمر، ومظهر الأسماء والصفات، فهو بجميع ما فيه شواهد وأدلة وآيات دعا الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على وجود الخالق جل جلاله.
والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع، على علمه وحكمته، ورحمته وإحسانه.
والاعتبار بما تضمنته من العقوبات، على عدله، وأنه يغضب ويسخط، ويكره ويمقت من عصاه.
والاعتبار بما تضمنته من المثوبات والإكرام، على أنه يحب ويرضى ويفرح بأهل طاعته.
وذلك موجب كماله، وكمال أسمائه وصفاته، وبها عرف الخلق ربهم وإلههم، وعظمة أسمائه وصفاته.
والأسباب والوسائط لم يخلقها الله سبحانه عن حاجة منه إليها، ولا يتوقف كماله المقدس عليها، فلم يتكثر بها من قلة، ولم يتعزز بها من ذلة، ولم يتقوَّ بها من ضعف.
بل اقتضى كماله المطلق أن يفعل ما يشاء، ويحكم ويتصرف، ويأمر ويدبر كما يشاء، وأن يحمد ويعبد، ويعرف ويذكر، ويعرف الخلق صفات كماله، ونعوت جلاله وجماله.
ولذلك خلق سبحانه خلقاً يعصونه ويخالفون أمره، وذلك لتعرف ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمال مغفرته وعفوه، وحلمه وإمهاله من عصاه.
ثم أقبل سبحانه بقلوب من شاء منهم إليه، فظهر كرمه في قبول توبته، وبره ولطفه في العود إليه بعد الإعراض عنه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» أخرجه مسلم (١).
فخلق العبد المغفور له، وتقدير الذنب الذي يغفر، والتوبة التي يغفر بها، هو نفس مقتضى العزة والحكمة، وموجب الأسماء الحسنى والصفات العلا.
والله سبحانه كل وقت يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقتها لها، ويظهرها بأسبابها التي سببها لها، ويخصها بمحالها من الأعيان والأمكنة التي عينها لها.
والدين هو إثبات الأسباب.
والوقوف معها.
والنظر إليها.
والله تعالى أمرنا بالوقوف بها بمعنى أننا نثبت الحكم إذا وجدت، وننفيه إذا عدمت، ونستدل بها على حكمه الكوني.
وهل يستطيع حيوان أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب، فتنفسه بها، وتحركه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهداه بها، وسعادته بها، وشقاؤه بالإعراض عنها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)} [البقرة: ١٧٢].
فالأسباب التي خلقها الله هي محل الأمر والنهي.
والثواب والعقاب.
والفلاح والخسران.
وبالأسباب عُرف الله.
وبها عُبد الله.
وبها أطيع الله.
وبها تقرب إليه المتقربون.
وبها نال أولياؤه رضاه وجواره.
ولكن الأسباب ليست مستقلة بالإحداث والتأثير، وليست أرباباً من دون الله، فلا تستقل بشيء من دون الله.
بل الله خالق الأسباب ومسبباتها:
فقد خلق سبحانه النار وجعل فيها قوة الحرارة والإحراق.
وخلق الماء وجعل فيه قوة مروية.
وخلق الطعام وجعل فيه قوة مشبعة.
وخلق الدواء وجعل فيه قوة مذهبة للداء.
وخلق العين وجعل فيها قوة باصرة.
وخلق الأذن وجعل فيها قوة سامعة.
وخلق الحديد وجعل فيه قوة قاطعة.
وهكذا.
فنقف مع الأسباب حيث أمرنا أن نقف معها، وندور معها حيث دارت، مع النظر إلى من أزمتها بيده.
ونلتفت إليها التفات العبد المأمور بتنفيذ ما أمر به، فهي مأمورة مدبرة، ونرعاها حق رعايتها، وننظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إياها، ولا نتجاوز بها حدها.
والله سبحانه يرزق العباد تارة بالأسباب، وتارة بدون الأسباب.
فالرزق بالأسباب عام للمسلم والكافر، والرزق بدون الأسباب خاص بالمؤمنين كما في قصة مريم: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)} [آل عمران: ٣٧].
والله يرزقنا الجنة بسبب الإيمان والأعمال الصالحة، وهذه أسباب.
والله خالق هذا.
وخالق هذا.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٤٩).
مختارات

