فقه الإيمان بالقضاء والقدر (٨)
ومعرفة القلب بهذه المقادير التي قدرها الله يسكب فيه الطمأنينة والسكون عند استقبال الأحداث خيرها وشرها:
فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً، وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تستطار به، وتفقد الاتزان عند السراء، فكل شيء لا يكون إلا بأمر الله ومشيئته: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٣].
إن الإنسان ضعيف، يجزع وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير.
فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به وتمر بغيره والأرض كلها ذرات في جسم كبير، هو هذا الوجود، وأن هذه الذرات كائنة في موضعها، في الصنع الكامل الدقيق، لازم بعضها البعض، وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون.
حين يستقر هذا في تصور الإنسان وشعوره فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء.
فلا يأسى على فائت أسىً يؤلمه ويزلزله، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله.
ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية ورضى، رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون.
وهذه درجة عالية قد لا يستطيعها ولا يصل إليها إلا القليلون من البشر.
فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله، وذكره بهذه وبتلك.
ولن يجد أحد طعم الأيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أن ما كان لا بد أن يكون.
ومن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه ويفعل ما أمره الله به فهو حسبه وكافيه، لأنه الغني القوي العزيز، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخير طلبه إلى الوقت المناسب له، فأمر الله لا بد من نفوذه، ولكنْ له وقت مقدر لا يتعداه ولا يقصر عنه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)} [الطلاق: ٢، ٣].
وكل ما يفعله الله ويقضيه ويقدره على خلقه فيه مصالح وحكم:
فما يفعله سبحانه من المعروف والإحسان دال على رحمته.
وما يفعله من البطش والانتقام دال على غضبه.
وما يفعله من اللطف وا لإكرام دال على محبته.
وما يفعله من الإهانة والخذلان دال على بغضه ومقته.
وما يفعله بمخلوقاته من النقص ثم الكمال، والحياة بعد الموت، دال على وقوع المعاد.
وخلق الله لا يبدله أحد، فما جبل الله الناس عليه من الفطرة لا يبدل كما قال سبحانه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)} [الروم: ٣٠].
وما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه، ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور، بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدل سيئاته بالحسنات، وحسناته بالسيئات كما قال سبحانه: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)} [النمل: ١٠، ١١].
وقال الله سبحانه: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)} [البقرة: ١٠٨].
وهذا التبديل كله بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، فإن ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا يبدله.
بخلاف تبديل الكفر بالإيمان، والإيمان بالكفر، فإنه يبدله كثيراً، والعبد قادر على تبديله بإقدار الرب له على ذلك كما قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)} [الفرقان: ٧٠].
وقال سبحانه في تبديل العباد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)} [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟».
ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم:٣٠]، متفق عليه (١).
وهو سبحانه الذي له الخلق والأمر وحده، فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدراً وشرعاً.
ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي فيطيعه الأبرار، ويعصيه الفجار.
والأمران غير متلازمين، فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه، وقد يشرع سبحانه ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره، ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفى الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر.
وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي فيما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي.
والقضاء في كتاب الله نوعان:
أحدها: كوني قدري كقوله سبحانه: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)} [سبأ: ١٤].
الثاني: ديني شرعي كقوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣].
والله تبارك وتعالى خلق الإنسان وخلق صفاته وأفعاله، ويسر هذا لليسرى ويسر هذا للعسرى، وذلك بحسب ما يعمله العبد من الطاعات والمعاصي كما قال سبحانه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)} [الليل: ٥ - ١٠].
فالتيسير لليسرى يكون بثلاثة أمور:
أحدها: إعطاء العبد ما أمر به، وسمحت به طبيعته بإعطائه من نفسه الإيمان والطاعة، والإخلاص والتوبة، والحمد والشكر، وإعطاؤه الإحسان والنفع بماله وبدنه.
فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان لنفسها ولغيرها.
فهي بمنزلة العين التي يشرب الناس منها، ويسقون زروعهم ودوابهم منها، فهي ميسرة لذلك.
وهكذا الإنسان المبارك ميسر للنفع حيث حل، فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١٣٥٩)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٥٨).
مختارات

