فقه الإيمان بالقضاء والقدر (٩)
أما التيسير للعسرى فيكون بثلاثة أسباب إذا فعلها العبد كما قال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)} [الليل: ٨ - ١٠].
فمن عطل قوة الإدراك والإعطاء عن فعل ما أمر به، واستغنى بترك تقوى ربه فعطل قوة الانكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه، وكذب بالحسنى فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه يسره الله للعسرى.
فحال بينه وبين الإيمان بالله ورسوله، فعسر عليه أن يعطى خيراً، وتيسر له فعل الشر الذي يؤدي به إلى العذاب، وهو الخلة العسرى، والخير يؤدي إلى اليسرى وهي الجنة.
والتيسير للعسرى يكون بأمرين:
أحدهما: ان يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشر على قلبه ونيته، ولسانه وجوارحه.
الثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه، فليس له بعد ذلك إلا العسرى وهي النار.
ولا يمكن للعبد أن يستغني عن ربه طرفة عين، فالمتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه، ولم يتعرض لسخطه وغضبه بارتكاب ما نهاه عنه.
فمن احتاج إلى أحد اتقى غضبه، واجتنب ما يكرهه، وفعل ما يحبه ويؤثره.
أما من استغنى عن ربه، فاستكبر عن طاعة ربه، وفعل ما يغضبه، فإنه سيعذبه في الدنيا والآخرة، ويلقى العسر والشدة في الدنيا والآخرة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ، إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ».
ثُمَّ قَرَأ: «{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}» متفق عليه (١).
والله عزَّ وجلَّ هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر، وخلق خلقه قسمين:
أهل سعادة فيسرهم لليسرى.
وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى.
واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها، هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها.
وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له، كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما.
بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك، ومن جعل محل المسك والرجيع واحداً فهو من أسفه السفهاء.
والقدر السابق من الله على عباده لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، فالعبد إنما ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه، ومكن منه، وهيئ له.
فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب.
وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه.
ومن قدر الله أن يرزقه الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح.
ومن قدر الله له أن يكون أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه.
ومن عطل العمل، اتكالاً على القدر السابق، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب، اتكالاً على ما قدر له، وهل يفعل هذا من له مسكة من عقل؟.
وقد فطر الله تبارك وتعالى الإنسان والحيوان على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية.
فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية، فهو سبحانه رب الدنيا والآخرة، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد.
الكتب.
وأمر العباد ونهيهم.
وثوابهم وعقابهم.
وإكرام من يستحق الإكرام.
وإهانة من يستحق الإهانة.
كما تستلزم حياة الملك وعلمه، وقدرته وإرادته، وسائر صفات كماله.
إن شعور المؤمن وتذكره دائماً، بأنه يمضي مع قدر الله في طاعة الله، لتحقيق مراد الله، وما يحبه الله.
وعلمه بأن الله خلق هذا الكون، وقدر ما يجري فيه من الحركات والسكنات، والحسنات والسيئات.
وإيمانه بأن الأمور كلها بيد الله.
حلوها ومرها.
خيرها وشرها.
ذلك كله يسكب في روحه وقلبه الطمأنينة والسلام والأمن والاستقرار، والمضي في الطريق بلا حيرة ولا قلق، ولا سخط على العقبات والمشاق، بلا قنوط من عون الله ومدده، وبلا خوف من ضلال القصد، أو ضياع الجزاء: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)} [الرعد: ٢٨].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٤٩٤٩) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٤٧).
مختارات

