فقه الإيمان بالقضاء والقدر (٧)
ومع التقدير والتدبير القدرة الإلهية التي تفعل أعظم الأحداث بأيسر الإشارات: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)} [القمر: ٥٠].
وبأيسر الكلمات: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)} [يس: ٨٢].
إنها إشارة واحدة.
أو كلمة واحدة.
يتم بها كل أمر.
الجليل والصغير سواء.
وليس هنالك كبير ولا صغير أمام قدرة الله.
فهو الكبير وحده.
وما سواه صغير.
إنما ذلك تقدير البشر للأشياء.
وليس هناك زمن ولا ما يعادل لمح البصر، إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر، فالزمن إن هو إلا تصور بشري، ولا وجود له في حساب الله المطلق من هذه التصورات المحدودة.
فسبحان الملك الجبار، الواحد القهار، الخالق البارئ، الذي يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء بكلمة واحدة:
واحدة تنشئ هذا الوجود العظيم الهائل.
وواحدة تبدل فيه وتغير.
وواحدة تذهب به كما يشاء الله.
وواحدة تحيي كل حي.
وواحدة تذهب به هنا وهناك.
وواحدة ترده إلى الموت.
وواحدة تبعثه في صورة من الصور.
وواحدة تصعق الخلائق جميعاً.
وواحدة تبعثهم جميعاً.
وواحدة تجمعهم ليوم الحشر والحساب.
واحدة لا تحتاج إلى جهد.
ولا تحتاج إلى زمن.
واحدة من الرب تفعل كل شيء.
ومعها التقدير.
وكل أمر معها مقدر ميسور: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)} [القمر: ٤٩، ٥٠].
وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون، قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وقوم شعيب، فهل من يتذكر ويعتبر؟.
وكل حدث.
وكل عمل.
وكل تدمير.
مكتوب مرقوم: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)} [القمر: ٥١ - ٥٣].
فما أعظم الله، وما أعظم قدرته، وما أوسع ملكه، وما أشمل تدبيره، وما أعظم بطشه بمن عصاه.
إن هذا الفضاء الشاسع الرهيب مملوء بالكواكب والنجوم، لا يختل مدار نجم فيه بمقدار شعرة، ولا يختل حساب السير والتوازن والتناسق في حجم ولا حركة: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)} [يس: ٤٠].
فسبحان: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)} [الأعلى: ٢، ٣].
وسبحان الذي خلق الخلق، ويدبر الأمر في السموات والأرض، ولا يشغله شأن عن شأن، ينفذ أقداره وتدابيره في خلقه، في أوقاتها التي اقتضتها حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، وأحكامه القدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)} [الرحمن: ٢٩].
إن هذا الوجود الكبير الذي لا تعرف له حدود، ما نبصره وما لا نبصره، العالم العلوي، والعالم السفلي، كل منوط بقدر الله سبحانه، متعلق بمشيئته، وهو قائم بتدبيره سبحانه الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم.
وهذا التدبير يتناول الوجود كله جملة، ويتناول كل فرد فيه على حدة، ويتناول كل عضو، ويتناول كل خلية، ويتناول كل ذرة، ويعطي كل شيء خلقه كما يعطيه وظيفته.
ثم يراقبه وهو يؤدي وظيفته: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)} [الأحزاب: ٥٢].
هذا التدبير والتصريف، وهذه المراقبة والمتابعة، التي تتبع كل ما ينبت وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب ويابس، وكل حيوان وطائر.
تدبير يتبع الطيور في جوها.
ويتبع الأسماك في بحارها.
ويتبع الحيوانات في أرضها.
والديدان في مساربها.
والحشرات في مخابئها.
والوحوش في أوكارها.
ويتبع كل بيضة.
وكل فرخ.
وكل جناح.
وكل ريشة.
وكل خلية في جسم حي.
وصاحب الخلق والتدبير والتصريف لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)} [لقمان: ١٦].
ومن هذا شأن العباد وأعمالهم، من ملائكة في السماء، ومن إنس وجن في الأرض.
يسمع سبحانه كلامهم.
ويبصر أفعالهم.
ويعلم أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.
فسبحان من خلق هذه الخلائق، وتولى أمرها بالتصريف والتدبير، وأحاط بها كلها فلا يخفى عليه شيء منها.
إن هذا الكون العظيم من الدقة والتقدير بحيث لا يقع فيه حادث إلا وهو مقرر قبل خلقه، محسوب زمان وقوعه، ومكان حدوثه، وحجم ذلك الحدث.
لا مكان فيه للمصادفة، ولا شيء فيه جزاف.
وقبل خلق الأرض، وقبل خلق الأنفس، كان في علم الله الشامل الكامل الدقيق كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٢، ٢٣].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السموات وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» أخرجه مسلم (١).
والله بكل شيء عليم، وفي علم الله لا شيء ماض، ولا شيء حاضر، ولا شيء قادم، فتلك الفواصل الزمنية إنما هي معالم لنا نحن أبناء الفناء، نرى بها حدود الأشياء، فنحن لا ندرك الأشياء بغير حدود تميزها، حدود من الزمان، وحدود من المكان، وحدود من الأحجام.
أما الله سبحانه فهو كامل الذات والصفات، وهو الحق الذي يطلع جملةً على هذا الوجود بلا حدود ولا قيود، ولا يند عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)} [الملك: ١٤].
وهذا الكون وما يقع فيه من أحداث وأطوار منذ نشأته إلى نهايته، كائن في علم الله جملة، لا حدود فيه ولا فواصل من زمان أو مكان.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٥٣).
مختارات

