فقه الإيمان بالله (١٦)
والإيمان هو النور الذي تخرج به البشرية من الظلمات إلى النور بإذن ربهم على أيدي الأنبياء والرسل كما قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)} [إبراهيم: ١].
إن الجاهلية كلها ظلمات.
ظلمات الوهم والخرافة.
ظلمات الإوضاع والعادات.
ظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة.
ظلمات الأخلاق السيئة.
ظلمات القهر والظلم.
ظلمات الرعب والخوف.
ولا بدَّ من إخراج البشرية من هذه الظلمات، إلى نور الإيمان الذي يكشف هذه الظلمات.
يكشفها في عالم النفس.
وفي عالم القلب.
وفي عالم الفكر.
ثم يكشفها في واقع الحياة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو فضل على العالمين: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)} [المائدة: ١٥، ١٦].
إن الإيمان بالله نور يشرق في القلب، وتشرق به أعضاء الإنسان كلها، وتشرق به النفس، ثترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش الشهوات والأوهام، ولا ضباب الخرافات والأطماع.
ومتى رأت الطريق واضحاً سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب، ولا تتردد ولا تحتار.
والإيمان بالله نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم إخوة متساوون، تربط بينهم آصرة واحدة، يدينون كلهم لله دون سواه، وهم مع الكون ومن فيه في أمن وسلام، وعدل وإحسان، وراحة واطمئنان، فالله الذي خلق الكون، وهو الذي يدبره بأمره، ودينه الذي يحكم الوجود، وشريعته التي تحكم الحياة، فالنور المشرق في ذات النفس هو النور المشرق في ذات الكون.
والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ولا تخطئ التصور ولا تخطئ السلوك، فهي على صراط مستقيم فأنى تضل؟.
{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)} [آل عمران: ١٠١].
أما الذين نقضوا عند الله من بعد ما أكده على أيدي رسله، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والنقض، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.
فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام، ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي والصد عن سبيل الله.
فأي جرم فوق هذا؟، وأي ضلال بعد هذا؟.
وماذا ينتظر هؤلاء من اللعنة والعقوبة؟.
{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)} [الرعد: ٢٥].
إن استحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان، ويتعارض مع الاستقامة على الصراط، وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة.
لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلاً، ويراعى فيه وجه الله.
والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، باستعمارها والاستفادة من خيراتها، فلا تعطيل للحياة في الإسلام انتظاراً للآخرة.
ولكن تعمير الحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله والاستعانة بها على أداء أعمال الآخرة هذا هو الإسلام.
أما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلا يصلون إلى غاياتهم في ظل نور الإيمان بالله، ومن ثم يستأثرون بثروات الأرض، ويكسبون الحرام والخبيث، ويستغلون الناس ويغشونهم ويستعبدونهم.
ولا يمكنهم الحصول على هذا في ظل نور الإيمان، وفي ظل الاستقامة على هداه، ومن ثم يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً، لا استقامة فيها ولا عدالة.
وحين يفلح هؤلاء في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله فعندئذ فقط يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشوا وأن يخدعوا، وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم بذلك الحصول على ما يبغونه من النهب والفساد والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس لغير الله.
وكم لله من حكمة في ابتلاء هؤلاء بهؤلاء؟.
وتسليط هؤلاء على هؤلاء؟.
وقد توعد الله هؤلاء الكفار بقوله سبحانه: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)} [إبراهيم: ٢، ٣].
مختارات

