3. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
A
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. قال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينيه.
حكى عبد الله بن وهب أن سفيان بن عبد الله قال: قال الخضر لموسى عليهما السلام: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم يا موسى، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ما تحشو في وعائك.
قال بعض الحكماء: خير العلماء من لا يقل ولا يمل. قال بعض العلماء: كل علم كثر على المستمع ولم يطاوعه الفهم ازداد القلب به عمى. وإنما ينفع سمع الاذان، إذا قوي فهم القلوب في الابدان
ربما كان لبعض السلاطين رغبة في العلم لفضيلة نفسه، وكرم طبعه فلا يجعل ذلك ذريعة في الانبساط عنده، والادلال عليه، بل يعطى ما يستحقه بسلطانه وعلو يده. فإن للسلطان حق الطاعة والاعظام، وللعالم حق القبول والاكرام. ثم لا ينبغي أن يبتدئه الا بعد الاستدعاء، ولا يزيده على قدر الاكتفاء، فربما أحب بعض العلماء إظهار علمه للسلطان فأكثره فصار ذلك ذريعة إلى ملل ومفضيا إلى بعده، فإن السلطان متقسم الافكار مستوعب الزمان، فليس له في العلم فراغ المنقطعين إليه ولا صبر المنفردين به.
قد حكى الاصمعي رحمه الله قال: قال لي الرشيد: يا عبد الملك أنت أعلم منا ونحن أعقل منك لا تعلمنا في ملاء، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال فإذا بلغت من الجواب حد الاستحقاق فلا تزد الا أن يستدعى ذلك منك، وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم، وبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم. وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة لا مخرج التعليم والافادة؛ لأن لتأخير التعلم خجلة تقصير يجل السلطان عنها، فإن ظهر منه خطأ أو زلل في قول أو عمل لم يجاهره بالرد وعرض باستدراك زلله، وإصلاح خلله.
حكي أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي: كم عطاؤك؟ قال: ألفين. قال: لحنت. قال لما ترك أمير المؤمنين الاعراب كرهت أن أعرب كلامي عليه. ثم ليحذر اتباعه فيما يجانب الدين ويضاد الحق موافقة لرأيه ومتابعة لهواه، فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة فضلوا، وأضلوا مع سوء العاقبة وقبح الاثار.
قال بعض البلغاء: من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة. ومن آنسه قراءة القرآن، لم توحشه مفارقة الاخوان. وقال بعض العلماء: لا سمير كالعلم، ولا ظهير كالحلم.
من آداب العلماء: أن يقصدوا وجه الله بتعليم من علموا ويطلبوا ثوابه بإرشاد من أرشدوا، من غير أن يعتاضوا عليه عوضا، ولا يلتمسوا عليه رزقا. قال الله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} قال أبو العالية: لا تأخذوا عليه أجرا وهو مكتوب عندهم في الكتاب الاول يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا.
من آداب العلماء: نصح من علموه والرفق بهم، وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في رفدهم، ومعونتهم، فإن ذلك أعظم لأجرهم، وأسنى لذكرهم، وأنشر لعلومهم، وأرسخ لمعلومهم.
من آداب العلماء: أن لا يعنفوا متعلما، ولا يحقروا ناشئا، ولا يستصغروا مبتدئا فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم.
من آداب العلماء: أن لا يمنعوا طالبا ولا يؤيسوا متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم، واستمرار ذلك مفض إلى انقراض العلم بانقراضهم.
اعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف الخلق متعبداته، وألزمهم مفترضاته، وبعث إليهم رسله وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم، ولا من ضرورة قادته إلى تعبدهم، وإنما قصد نفعهم تفضلا منه عليهم كما تفضل بما لا يحصى عدا من نعمه. بل النعمة فيما تعبدهم به أعظم؛ لأن نفع ما سوى المتعبدات مختص بالدنيا العاجلة، ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والاخرة، وما جمع نفع الدنيا والاخرة كان أعظم نعمة وأكثر تفضلا. وجعل ما تعبدهم به مأخوذا من عقل متبوع، وشرع مسموع فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل؛ لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل، والعقل لا يتبع فيما يمنع منه الشرع.
توجه التكليف إلى من كمل عقله فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فبلغهم رسالته، وألزمهم حجته، وبين لهم شريعته، وتلا عليهم كتابه، فيما أحله وحرمه، وأباحه وحظره، واستحبه وكرهه، وأمر به ونهى عنه، وما وعد به من الثواب لمن أطاعه وأوعد به من العقاب لمن عصاه. فكان وعده ترغيبا، ووعيده ترهيبا؛ لأن الرغبة تبعث على الطاعة، والرهبة تكف عن المعصية، والتكليف يجمع أمرا بطاعة ونهيا عن معصية. ولذلك كان التكليف مقرونا بالرغبة والرهبة، وكان ما تخلل كتابه من قصص الانبياء السالفة، وأخبار القرون الخالية، عظة واعتبارا تقوى معهما الرغبة، وتزداد بهما الرهبة. وكان ذلك من لطفه بنا وتفضله علينا. فالحمد لله الذي نعمه لا تحصى وشكره لا يؤدى.
جعل الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان مجملا، وتفسير ما كان مشكلا، وتحقيق ما كان محتملا؛ ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به ومنزلة التفويض إليه. قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}.
جعل الله إلى العلماء استنباط ما نبه على معانيه، وأشار إلى أصوله بالاجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا بذلك عن غيرهم ويختصوا بثواب اجتهادهم. قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وقال الله تعالى: {وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم} فصار الكتاب أصلا والسنة فرعا واستنباط العلماء إيضاحا وكشفا.
إن الله من رأفته بخلقه وتفضله على عباده أن أقدرهم على ما كلفهم، ورفع الحرج عنهم فيما تعبدهم؛ ليكونوا مع ما قد أعده لهم ناهضين بفعل الطاعات ومجانبة المعاصي. قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا الا وسعها} وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وجعل ما كلفهم ثلاثة أقسام: قسما أمرهم باعتقاده، وقسما أمرهم بفعله، وقسما أمرهم بالكف عنه؛ ليكون اختلاف جهات التكليف أبعث على قبوله، وأعون على فعله، حكمة منه ولطفا.
جعل الله ما أمرهم باعتقاده قسمين: قسما إثباتا، وقسما نفيا. فأما الاثبات فإثبات توحيده، وصفاته، وإثبات بعثته رسله، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. وأما النفي فنفي الصاحبة، والولد، والحاجة، والقبائح أجمع. وهذان القسمان أول ما كلفه العاقل.
جعل الله ما أمرهم بفعله ثلاثة أقسام: قسما على أبدانهم كالصلاة والصيام، وقسما في أموالهم كالزكاة والكفارة، وقسما على أموالهم وأبدانهم كالحج والجهاد، ليسهل عليهم فعله ويخف عنهم أداؤه نظرا منه تعالى لهم، وتفضلا منه عليهم.
جعل الله ما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام: قسما لإحياء نفوسهم وصلاح أبدانهم، كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسموم، وشرب الخمور المؤدية إلى فساد العقل وزواله. وقسما لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغضب، والغلبة، والظلم، والسرف المفضي إلى القطيعة، والبغضاء. وقسما لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزنا ونكاح ذوات المحارم. فكانت نعمته فيما حظره علينا كنعمته فيما أباحه لنا، وتفضله فيما كفنا عنه كتفضله فيما أمرنا به.
من لطيف حكمته سبحانه وتعالى أن جعل لكل عبادة حالتين: حالة كمال وحالة جواز، رفقا منه بخلقه لما سبق في علمه أن فيهم العجل المبادر والبطيء المتثاقل، ومن لا صبر له على أداء الاكمل ليكون ما أخل به من هيئات عبادته غير قادح في فرض، ولا مانع من أجر، فكان ذلك من نعمه علينا وحسن نظره إلينا.
أول ما فرض الله عز وجل بعد تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم عبادات الابدان، وقد قدمها على ما يتعلق بالاموال؛ لأن النفوس على الاموال أشح وبما يتعلق بالابدان أسمح، وذلك الصلاة والصيام. فقدم الصلاة على الصيام؛ لأن الصلاة أسهل فعلا، وأيسر عملا، وجعلها مشتملة على خضوع له وابتهال إليه. فالخضوع له رهبة منه، والابتهال إليه رغبة فيه.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان كلما دخل عليه وقت صلاة اصفر لونه مرة واحمر أخرى فقيل له في ذلك، فقال: أتتني الامانة التي عرضت على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها أنا فلا أدري أأسيء فيها أم أحسن.
جعل للصلاة شروطا لازمة من رفع حدث، وإزالة نجس؛ ليستديم النظافة للقاء ربه، والطهارة لأداء فرضه. ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه، من أوامره ونواهيه، ويعتبر إعجاز ألفاظه ومعانيه. ثم علقها بأوقات راتبة، وأزمان مترادفة؛ ليكون ترادف أزمانها وتتابع أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه، فلا تنقطع الرهبة منه ولا الرغبة فيه، وإذا لم تنقطع الرغبة والرهبة استدام صلاح الخلق. وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استيفاؤها على الكمال أو التقصير فيها حال الجواز.
فرض الله تعالى الصيام وقدمه على زكاة الاموال لتعلق الصيام بالابدان. وكان في إيجابه حث على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم لما عاينوه من شدة المجاعة في صومهم. وقد قيل ليوسف - على نبينا وعليه السلام -: أتجوع وأنت على خزائن الارض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. ثم لما في الصوم من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى يسير الطعام والشراب. والمحتاج إلى الشيء ذليل به. وبهذا احتج الله تعالى - على من اتخذ عيسى - على نبينا وعليه السلام - وأمه إلهين من دونه، فقال: {ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}. فجعل احتياجهما إلى الطعام نقصا فيهما عن أن يكونا إلهين.
وصف الحسن البصري نقص الانسان بالطعام والشراب فقال: مسكين ابن آدم محتوم الاجل، مكتوم الامل، مستور العلل. يتكلم بلحم وينظر بشحم، ويسمع بعظم. أسير جوعه، صريع شبعه تؤذيه البقة، وتنتنه العرقة وتقتله الشرقة. لا يملك لنفسه ضرا، ولا نفعا ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا. فانظر إلى لطفه بنا، فيما أوجبه من الصيام علينا.
فرض الله زكوات الاموال وقدمها على فرض الحج؛ لأن في الحج مع إنفاق المال سفرا شاقا، فكانت النفس إلى الزكاة أسرع إجابة منها إلى الحج، فكان في إيجابها مواساة للفقراء، ومعونة لذوي الحاجات، تكفهم عن البغضاء وتمنعهم من التقاطع وتبعثهم على التواصل؛ لأن الامل وصول والراجي هائب، وإذا زال الامل وانقطع الرجاء واشتدت الحاجة وقعت البغضاء واشتد الحسد فحدث التقاطع بين أرباب الاموال والفقهاء، ووقعت العداوة بين ذوي الحاجات والاغنياء، حتى تفضي إلى التغالب على الاموال والتغرير بالنفوس. هذا مع ما في أداء الزكاة من تمرين النفس على السماحة المحمودة ومجانبة الشح المذموم.
فرض الله الحج فكان آخر فروضه؛ لأنه يجمع عملا على بدن وحقا في مال. فجعل فرضه بعد استمرار فروض الابدان وفروض الاموال؛ ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل ما جمع بين النوعين. فكان في إيجابه تذكير ليوم الحشر بمفارقة المال والاهل، وخضوع العزيز والذليل في الوقوف بين يديه، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه، وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه، وندم المذنبين على ما أسلفوه، فقل من حج الا وأحدث توبة من ذنب وإقلاعا من معصية ؛ لأن الندم على الذنوب مانع من الاقدام عليها، والتوبة مكفرة لما سلف منها. فإذا كف عما كان يقدم عليه أنبأ عن صحة توبته، وصحة التوبة تقتضي قبول حجته.
قال الحسن بن علي: نعم الله أكثر من أن تشكر الا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن تغفر الا ما عفا عنه.
قال الله تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال مجاهد: أي يعرفون ما عدد الله عليهم من نعمه وينكرونها بقولهم أنهم ورثوها عن آبائهم واكتسبوها بأفعالهم.
قال بعض صلحاء السلف: قد أصبح بنا من نعم الله تعالى ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري أيهما نشكر، أجميل ما ينشر، أم قبيح ما يستر. فحق على من عرف موضع النعمة أن يقبلها ممتثلا لما كلف منها وقبولها يكون بأدائها، ثم يشكر الله تعالى على ما أنعم من إسدائها. فإن بنا من الحاجة إلى نعمه أكثر مما كلفنا من شكر نعمه.
إن نحن أدينا حق النعمة في التكليف تفضل بإسداء النعمة من غير جهة التكليف، فلزمت النعمتان ومن لزمته النعمتان فقد أوتي حظ الدنيا والاخرة، وهذا هو السعيد بالاطلاق. وإن قصرنا في أداء ما كلفنا من شكره قصر عنا ما لا تكليف فيه من نعمه، فنفرت النعمتان ومن نفرت عنه النعمتان فقد سلب حظ الدنيا والاخرة، فلم يكن له في الحياة حظ ولا في الموت راحة، وهذا هو الشقي بالاستحقاق.
المحرمات التي يمنع الشرع منها واستقر التكليف، عقلا أو شرعا، بالنهي عنها فتنقسم قسمين. منها ما تكون النفوس داعية إليها، والشهوات باعثة عليها، كالسفاح وشرب الخمر، فقد زجر الله عنها؛ لقوة الباعث عليها، وشدة الميل إليها بنوعين من الزجر: أحدهما: حد عاجل يرتدع به الجريء. والثاني: وعيد آجل يزدجر به التقي. ومنها ما تكون النفوس نافرة منها، والشهوات مصروفة عنها، كأكل الخبائث والمستقذرات وشرب السموم المتلفات، فاقتصر الله في الزجر عنها بالوعيد وحده دون الحد؛ لأن النفوس مستعدة في الزجر عنها، ومصروفة عن ركوب المحظور منها.
أكد الله زواجره بإنكار المنكرين لها فأوجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الامر بالمعروف تأكيدا لأوامره، والنهي عن المنكر تأييدا لزواجره. لأن النفوس الاشرة قد ألهتها الصبوة عن اتباع الاوامر، وأذهلتها الشهوة عن تذكار الزواجر.
قال ابن صباوة: إنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله تعالى أهون من الصبر على عذاب الله تعالى. قال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه.
قال بعض العلماء: أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه، ولم تترك الشبهة يقينه. قال حماد بن زيد: عجبت لمن يحتمي من الاطعمة لمضراتها، كيف لا يحتمي من الذنوب لمعراتها.
قال بعض الصلحاء: أهل الذنوب مرضى القلوب. قيل للفضيل بن عياض رحمه الله: ما أعجب الاشياء؟ فقال: قلب عرف الله عز وجل ثم عصاه.
قال بعض الالباء: يدل بالطاعة العاصي وينسى عظيم المعاصي. قيل لأبي هريرة رضي الله عنه: ما التقوى؟ فقال: أجزت في أرض فيها شوك؟ فقال: نعم. فقال: كيف كنت تصنع؟ فقال: كنت أتوقى. قال: فتوق الخطايا.
قال رجل لابن عباس رضي الله عنه: أيما أحب إليك رجل قليل الذنوب قليل العمل، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: لا أعدل بالسلامة شيئا.
قيل لبعض الزهاد: ما تقول في صلاة الليل؟ فقال: خف الله بالنهار ونم بالليل. سمع بعض الزهاد رجلا يقول لقوم: أهلككم النوم. فقال: بل أهلكتكم اليقظة.
قال ابن عباس رضي الله عنه: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به الراحة، وأما انقطاعك إلي فهو عز لك، فهذان لك وبقيت أنا.
قال بكر بن عبد الله: رحم الله امرأ كان قويا فأعمل قوته في طاعة الله تعالى أو كان ضعيفا فكف عن معصية الله تعالى.
قال مورق العجلي: خير من العجب بالطاعة أن لا يأتي بطاعة. وقال بعض السلف: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدل على ربه، وباك نادم على ذنبه خير من ضاحك معترف بلهوه.
قال الفضيل بن عياض: رهبة المرء من الله تعالى على قدر علمه بالله تعالى. قال مورق العجلي: لان أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح ناعما.
قيل لرابعة العدوية - رحمها الله -: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان شيء فخوفي أن يرد علي عملي.
قال ابن السماك - رحمة الله عليه -: إنا لله فيما مضى ما أعظم فيه الخطر، وإنا لله فيما بقي ما أقل منه الحذر.
حكي أن بعض الزهاد وقف على جمع فنادى بأعلى صوته: يا معشر الاغنياء لكم أقول: استكثروا من الحسنات فإن ذنوبكم كثيرة، ويا معشر الفقراء لكم أقول: أقلوا من الذنوب فإن حسناتكم قليلة.
ينبغي - أحسن الله إليك بالتوفيق - أن لا تضيع صحة جسمك وفراغ وقتك بالتقصير في طاعة ربك، والثقة بسالف عملك. فاجعل الاجتهاد غنيمة صحتك، والعمل فرصة فراغك، فليس كل الزمان مستسعدا ولا ما فات مستدركا، وللفراغ زيغ أو ندم، وللخلوة ميل أو أسف.
قال عمر بن الخطاب: الراحة للرجال غفلة وللنساء غلمة. قال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة، فالفراغ مفسدة.
قال بعض الحكماء: إياكم والخلوات فإنها تفسد العقول، وتعقد المحلول. قال بعض البلغاء: لا تمض يومك في غير منفعة، ولا تضع مالك في غير صنعة. فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع، والمال أقل من أن يصرف في غير الصنائع. والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره، وينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره.
اعلم أن للإنسان فيما كلف من عباداته ثلاث أحوال: إحداها أن يستوفيها من غير تقصير فيها ولا زيادة عليها. والثانية: أن يقصر فيها. والثالثة: أن يزيد عليها.
حكي أن إسرائيل بن محمد القاضي قال: لقيني مجنون كان في الخرابات فقال: يا إسرائيل خف الله خوفا يشغلك عن الرجاء فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه.
قيل لمحمد بن واسع رحمه الله: الا تبكي؟ فقال: تلك حلية الامنين. حكي أن أبا حازم الاعرج أخبر سليمان بن عبد الملك بوعيد الله للمذنبين، فقال سليمان: أين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل كتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب - رضى الله عنه -: أما بعد فإن الانسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلته من دنياك فرحا، ولا لما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول الامل، فكأن قد والسلام.
قال الحسن البصري رحمه الله: ما أطال عبد الامل، الا أساء العمل. قال رجل لبعض الزهاد بالبصرة: ألك حاجة ببغداد؟ قال: ما أحب أن أبسط أملي إلى أن تذهب إلى بغداد وتجيء.
قال بعض الحكماء: الجاهل يعتمد على أمله، والعاقل يعتمد على عمله. قال بعض البلغاء: الامل كالسراب غر من رآه، وخاب من رجاه.
قال أبو حازم الاعرج: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت. قال بعض البلغاء: زائد الامهال رائد الاهمال.
قال الله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}. قال جميع أهل التأويل: معنى قوله {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} أي لا يرائي بعمله أحدا، فجعل الرياء شركا؛ لأنه جعل ما يقصد به وجه الله تعالى مقصودا به غير الله تعالى.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى، في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}. قال: لا تجهر بها رياء، ولا تخافت بها حياء.
كان سفيان بن عيينة رحمه الله يتأول قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}. أن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى، والاحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وكان غيره يقول: العدل شهادة أن لا إله الا الله، والاحسان الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله في سره وجهره، وإيتاء ذي القربى صلة الارحام، وينهى عن الفحشاء يعني الزنا، والمنكر القبائح، والبغي الكبر والظلم. وليس يخرج الرياء بالاعمال من هذا التأويل أيضا؛ لأنه من جملة القبائح.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا تعمل شيئا من الخير رياء ولا تتركه حياء. وقال بعض العلماء: كل حسنة لم يرد بها وجه الله تعالى فعلتها قبح الرياء، وثمرتها سوء الجزاء. وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به.
حكي أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم. فقال: يا أبا عبد الله، سألتك عن مسألة فأجبت عن مسألتين.
استحسن الناس من الاشعث بن قيس قوله، وقد خفف صلاته مرة، فقال بعض أهل المسجد: خففت صلاتك جدا. فقال: إنه لم يخالطها رياء. فتخلص من تنقيصهم بنفي الرياء عن نفسه، ورفع التصنع في صلاته. وقد كان النكار لولا ذلك متوجها عليه واللوم لاحقا به.
مر أبو أمامة ببعض المساجد فإذا رجل يصلي وهو يبكي فقال له: أنت أنت لو كان هذا في بيتك. فلم ير ذلك منه حسنا؛ لأنه اتهمه بالرياء، ولعله كان بريئا منه، فكيف بمن صار الرياء أغلب صفاته، وأشهر سماته، مع أنه آثم فيما عمل.
قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: عظني فقال: لا أرضى نفسي لك واعظا؛ لأني أجلس بين الغني والفقير فأميل على الفقير وأوسع للغني، ولأن طاعة الله تعالى في العمل لوجهه لا لغيره.
قالت العرب: لولا الوئام لهلك الانام. أي لولا أن الناس يرى بعضهم بعضا فيقتدي بهم في الخير لهلكوا. قال بعض البلغاء: من خير الاختيار صحبة الاخيار.
قيل: الناس في الخير أربعة: منهم من يفعله ابتداء، ومنهم من يفعله اقتداء، ومنهم من يتركه استحسانا، ومنهم من يتركه حرمانا. فمن فعله ابتداء فهو كريم، ومن فعله اقتداء فهو حكيم، ومن تركه استحسانا فهو رديء، ومن تركه حرمانا فهو شقي. ثم لما يفعله من الزيادة حالتان: إحداهما: أن يكون مقتصدا فيها، وقادرا على الدوام عليها. فهي أفضل الحالتين، وأعلى المنزلتين. عليها انقرض أخيار السلف، وتتبعهم فيها فضلاء الخلف.
قال عبد الله بن المبارك: قلت لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي الله فيه فهو يوم عيد. انظر إلى هذا القول منه وإن لم يكن من مقاصد الطاعة ما أبلغه في حب الطاعة، وأحثه على بذل الاستطاعة.
خرج بعض الزهاد في يوم عيد في هيئة رثة فقيل له: لم تخرج في مثل هذا اليوم في مثل هذه الهيئة الناس متزينون؟ فقال: ما يتزين لله تعالى بمثل طاعته.
اعلم - جعل الله العلم حاكما لك وعليك، والحق قائدا لك وإليك - أن الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة. وليس لوصلها دوام ولا من فراقها بد، فرض نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها، وعلى فراقها لتأمن فجعاتها.
قال علي بن أبي طالب: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها، وكن أحذر ما تكون لها وأنت آنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه، وإن سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش.
قال بعض البلغاء: الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلي محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى.
قال بعض الحكماء: انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، ولا تتأملها تأمل العاشق الوامق بها.
قال علي كرم الله وجهه يصف الدنيا: أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها أمن ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته.
قال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة الامكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك.
قال وهب بن منبه: مثل الدنيا والاخرة مثل ضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الاخرى. قال عبد الحميد: الدنيا منازل، فراحل ونازل.
قال بعض الحكماء: الدنيا إما نقمة نازلة، وإما نعمة زائلة. قيل في منثور الحكم: من الدنيا على الدنيا دليل.
قال علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، فإن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع. يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، وينهى الناس ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض الطالحين وهو منهم.
قال بعض العلماء: إن الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكير، شديدة المكر، دائمة الغدر، فاقطع أسباب الهوى عن قلبك، واجعل أبعد أملك بقية يومك، وكن كأنك ترى ثواب أعمالك.
قال الحسن البصري: الدنيا كلها غم فما كان منها من سرور فهو ريح. قال بعض الحكماء: الدنيا إما مصيبة موجعة، وإما منية مفجعة.
قال بعض البلغاء: من نكد الدنيا أن لا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة، تصلح جانبا بإفساد جانب، وتسر صاحبا بمساءة صاحب، فالركون إليها خطر، والثقة بها غرر.
قال بعض الحكماء: الدنيا مرتجعة الهبة والدهر حسود لا يأتي على شيء الا غيره ولمن عاش حاجة لا تنقضي ولما بلغ مزدك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه نبذها وقال: هذا سرور، لولا أنه غرور، ونعيم، لولا أنه عديم، وملك، لولا أنه هلك، وغناء، لولا أنه فناء، وجسيم، لولا أنه ذميم، ومحمود، لولا أنه مفقود، وغنى، لولا أنه منى، وارتفاع، لولا أنه اتضاع، وعلاء، لولا أنه بلاء، وحسن، لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد.
قال بعض الحكماء: قد ملك الدنيا غير واحد، من راغب وزاهد، فلا الراغب فيها استبقت، ولا عن الزاهد فيها كفت.
قال أبو العتاهية: هي الدار دار الاذى والقذى ودار الفناء ودار الغير فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر أيا من يؤمل طول الخلود وطول الخلود عليه ضرر إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر.
قال بعض البلغاء: زد من طول أملك في قصير عملك، فإن الدنيا ظل الغمام، وحلم النيام، فمن عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق، وحرم التوفيق.
قال بعض الحكماء: لا يؤمننك إقبال الدنيا عليك من إدبارها عنك، ولا دولة لك من إذالة منك. قال آخر: ما مضى من الدنيا كما لم يكن، وما بقي منها كما قد مضى.
