الخزانة الرابعة..
حكم بيع التقسيط:
بيع التقسيط صورة من بيع النسيئة، وهو جائز، فبيع النسيئة مؤجل لأجل واحد، وبيع التقسيط مؤجل لآجال متعددة.
وهذه أهم أحكام بيع التقسيط:
أولاً: يجوز للبنك أو المصرف التجاري أن يشتري سلعًا من سيارات أو عقارات ونحوها، ثم يبيعها على الناس بالنقد أو التأجيل، ولا يجوز لمشريها أن يبيعها على من أشتراها منه، لأن ذلك من بيع العينة المحرمة شرعًا، بل يبيعها إن شاء على غيره.
ثانيًا: تجوز الزيادة في ثمن السلعة لأجل التأجيل أو التقسيط، كأن يبيعه سلعة قيمتها حالَّة بمائة وبمائة، وعشرين مؤجلة لأجل واحد، أو آجال محددة، بشرط ألا تكون الزيادة فاحشة، أو يستغل حاجة المضطرين من الناس.
ثالثًا: البيع إلى أجل أو بالتقسيط، يكون مستحباً إذا قصد به الرفق بالمشتري، فلا يزيد في الثمن لأجل الأجل، وبذلك يثاب فيه البائع على إحسانه إلى غيره، ويكون مباحًا إذا قصد به الربح والمعاوضة، فيزيد في الثمن لأجل الأجل، ويسدد على أقساط معلومة لآجال معلومة.
رابعًا: لا يجوز للبائع أن يأخذ من المشتري زيادة على الدين إذا تأخر في دفع الأقساط؛ لأن ذلك من الربا المحرم، لكن له رهن المبيع حتى يستوفي دينه من المشتري.
خامسًا: لا يصح اشتراط حلول الأقساط الباقية، إن تأخر المشتري عن السداد في الوقت المحدد، ولا يجوز أن يفرض البائع نسبة ربوية على المبلغ الذي عجز عن سداده المشتري؛ بل يجب أن ينظر إلى ميسرة إن كان معسرًا كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
[حكم العقود المحرمة]
العقود الشرعية لازمة يجب الوفاء بها، أما العقود المحرمة، سواء كانت ربوية، أو تجارية، أو عقود نكاح، فهي عقود فاسدة يجب فسخها، سواء كانت فاسدة في الأصل، أو طرأ عليها الفساد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟».
أخرجه مسلم.
• حكم المحاقلة:
المحاقلة: هي بيع الحب المشتد في سنبله بحب من جنسه كيلاً، وهي لا تجوز؛ لأنها جمعت محظورين الجهالة في المقدار والجودة، والربا، لعدم انضباط التساوي.
• حكم المزابنة:
المزابنة: هي أن يباع ثمر النخل على رؤوسه بالتمر كيلا، وهي لا تجوز كالمحاقلة.
عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ.
أخرجه البخاري.
• حكم بيع العرايا:
لا يجوز شراء التمر بالرطب على رؤوس النخل، لما فيه من الغرر والربا، إلا أنه رُخص في بيع العرايا للحاجة، بأن يخرص الرطب في النخل، ثم يعطيه قدره من التمر القديم، بشرط ألا تزيد على خمسة أوسق، مع التقابض في مجلس العقد.
عن جابر ﵁ قال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا العَرَايَا».
متفق عليه.
• حكم بيع أعضاء الإنسان:
لا يجوز بيع العضو أو الجزء من الإنسان قبل الموت أو بعده، ومن أضطر إلى عضو ميت ولم يحصل عليه إلا بثمن، جاز الدفع للضرورة، وحَرُم على الآخذ، وإن وهبه بعد الموت للمضطر، وأعطى مكافأةً قبل الموت، فلا بأس بأخذها، والورع ترك ذلك.
ولا يجوز بيع الدم لعلاجٍ ولا غيره؛ فإن احتاجه لعلاج ولم يحصل عليه إلا بعوض جاز له أخذه بعوض، وحرم أخذ العوض على بادله.
• معنى الغرر:
الغرر: هو ما طوي عن الإنسان علمه، وخفي عليه باطنه، من معدوم، أو مجهول، أو معجوزٍ عنه، أو غير مقدورٍ عليه.
• حكم بيع الغرر والميسر:
الغرر والميسر والقمار من المعاملات الخطرة المدمرة المحرمة، أفقرت بيوتًا تجارية كبرى، وسببت ثراء قومٍ بلا جهد، وفقر آخرين بالباطل، وكانت سبباً في الانتحار، والعداوة، والبغضاء، وهذا كله من عمل الشيطان الذي غرَّ به اليهود، ومن وافقهم في المعاملات الربوية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
[مفاسد بيع الغرر]
بيوع الغرر تجُّرُ مفسدتين كبيرتين:
الأولى: أكل أموال الناس بالباطل، فأحدهما إما غارم بلا غنم، أو غانم بلا غرم، لأنها رهان ومقامرة.
الثانية: العداوة والبغضاء بين المتابعين، إلى جانب الحقد والتناحر، والصد عن ذكر الله، وعن الواجبات الشرعية:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
[٢ - كتاب الخيار]
الخيار: هو طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ.
• حكمة مشروعية الخيار:
الخيار في البيع من محاسن الإسلام، إذ قد يقع البيع بغتة من غير تفكير ولا تأمل، ولا نظر في القيمة، فيندم المتبايعان أو أحدهما، من أجل ذلك أعطى الإسلام فرصة للتروِّي تسمى الخيار، يتمكن المتبايعان إثناءها من اختيار ما يصلح وما يناسب، من إمضاء البيع أو فسخه.
عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أوْ قال: حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
متفق عليه.
• أقسام الخيار:
للخيار عدة أقسام وهذه أشهرها:
الأول: خيار المجلس، ويثبت في البيع، والصلح، والإجارة، وغيرها من المعاوضات التي يقصد منها المال، وهو حقٌ للمتبايعين معًا.
ومدته: من حين العقد إلى التفرق بالأبدان، وإن أسقطاه سقط، وإن أسقطه أحدهما بقى خيار الآخر، فإن تفرقا لزم البيع، وتحرم الفرقة من المجلس خشية أن يستقيله.
الثاني: خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة، فيصح ولو طالت.
ومدته: من حين العقد إلى أن تنتهي المدة المشروطة، وإذا مضت مدة الخيار، ولم يفسخ المشترط المبيع لزم البيع، وإن قطعاً الخيار أثناء المدة بطل، لأن الحق لهما.
الثالث: خيار الخلاف في السلعة أو الثمن، كما لو اختلفا في قدر الثمن أو عين المبيع أو صفته، ولم تكن بينة، فالقول قول البائع مع يمينه، ويخير المشتري بين القبول أو الفسخ.
الرابع: خيار العيب، وهو ما ينقص قيمة المبيع، فإذا أشترى سلعة بها عيب لم يعلم به قبل الشراء، فهو بالخيار؛ إما أن يردها ويأخذ الثمن، أو يمسكها، ويأخذ أرش العيب، فتقوَّم السلعة سليمة، ثم تقوَّم معيبة، ويأخذ الفرق بينهما، وإن اختلفا عند من حدث العيب كعرج وفساد طعام، فقول بائع مع يمينه، أو يترادان السلعتان والثمن.
• حكم رد البضاعة بعد استلامها:
البضاعة إذا استلمها المشتري واستعملها، فلا يحق له إرجاعها إلى البائع، إلا إذا كانت معيبة، ولا يجوز للبائع أن يشترط على المشتري أن البضاعة بعد أخذها لا ترد ولا تستبدل، لما في ذلك من حرمان المشتري من حق الخيار إذا كانت السلعة معيبة، أو في البيع غبنٌ فاحش.
وإذا اتفق البائع مع المشتري على رد البضاعة إن شاء، لكن بشرط أن يشتري منه غيرها، فهذا الشرط باطل.
الخامس: خيار الغبن، وهو أن يُغبن البائع أو المشتري في السلعة غبناً يخرج عن العادة والعرف، وهو محرم؛ فإذا غُبن الإنسان فهو بالخيار بين الإمساك والفسخ، كمن انخدع بمن يتلقى الركبان، أو بزيادة الناجش الذي لا يريد الشراء، وكان يجهل القيمة، ولا يحسن المماكسة في البيع، فهذا له الخيار.
السادس: خيار التدليس، وهو أن يُظهر البائع السلعة بمظهر مرغوب فيه وهي خالية منه، مثل إبقاء اللبن في الضرع عند البيع، ليوهمه بكثرة اللبن لهذه الشاة ونحو ذلك.
وهذا الفعل محرم، فإذا وقع ذلك، فالمشتري بالخيار بين الإمساك أو الفسخ، فإذا حلبها ثم ردها، رد معها صاعاً من تمر عوضاً عن اللبن.
السابع: خيار الخيانة، فإذا كان الثمن خلاف الواقع، أو بان أقل مما أخبر به فللمشتري الخيار بين الإمساك وأخذ الفرق، أو الفسخ كما لو أشترى كتابًا بمائة، فجاءه رجل وقال: بعنيه برأس ماله، فقال: رأس ماله مائة وخمسون، فباعه عليه، ثم تبين كذب البائع، فللمشتري الخيار، ويثبت هذا الخيار في التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة، وغيرها، ولابد في جميعها من معرفة البائع والمشتري رأس المال.
الثامن: خيار الإعسار، فإذا ظهر أن المشتري معسر أو مماطل، فللبائع الفسخ إن شاء حفاظًا على ماله.
التاسع: خيار الرؤية، وهو أن يشتري شيئاً لم يره، ويشترط أن له الخيار إذا رأه، فهذا بالخيار إذا رآه إن شاء أخذ المبيع بالثمن، وإن شاء رده: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
***
مختارات
