فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام
فهذه فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇ هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾، وقال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والعبرة ما يُعتبر به، ويعبر منه إلى معانٍ وأحكام نافعة، وتوجيهات إلى الخيرات، وتحذير من المهلكات.
فمن ذلك: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ وفيها آيات وعبر منوّعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنّة، ومن ذلّ إلى عزّ، ومن رقّ إلى ملك، ومن فُرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن وتَرَحٍ إلى سرور وفرح، ومن رخاء إلى جَدْب، ومن جدبٍ إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكارٍ إلى إقرار، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة، فتبارك مَنْ قصَّها فأحسنها، ووضّحها وبيّنها.
ومنها: أن فيها أصولًا لعلم تعبير الرؤيا؛ فإنَّ علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله مَنْ يشاء من عباده، منهم مَنْ بناه على حُسْن الفهم، والعبور من الألفاظ والمحسوسات والمعنويات، أو ما يناسبها بحسب حال الرائي، وبحسب الوقت والحال المتعلقة بالرؤيا.
وقد أثنى الله على يوسف ﵊ بعلمه بتأويل الأحاديث؛ تأويل أحاديث الأحكام الشرعية، والأحاديث المتعلقة بتعبير الرؤيا، والفرق بين الأحلام التي هي أضغاث أحلام لا تأويل لها، مثل ما يراه من يفكر ويطيل تأمُّله لبعض الأمور، فإنه كثيرًا ما يرى في منامه من جنس ما يُفكّر به في يقظته، فهذا النوع الغالب عليه أنه أضغاث أحلام لا تعبير له، وكذلك نوع آخر ما يُلقيهِ الشيطان على روح النائم من المرائي الكاذبة والمعاني المتخبّطةِ، فهذه أيضًا لا تعبير لها، ولا ينبغي للعاقل أن يشغل بها فكره، بل ينبغي له أن يُلهى عنها.
وأما الرؤيا الصحيحة فهي إلهامات يُلهمها الله للروح عند تجرُّدها عن البدن وقت النوم، أو أمثال مضروبة يضربها المَلَك للإنسان ليفهم بها ما يناسبها، وقد يرى الشيء على حقيقته ويكون تعبيره هو ما رآه في منامه؛ فيوسف ﵇أعطاه الله من العلم ما يميّز به بين المرائي الصحيحة والباطلة، والحق والباطل منها، وهذه القصة فيها الدلالة على تعبير الرؤيا من وجوه؛ أحدها: رؤيا يوسف التي قصَّها على أبيه يعقوب ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، ففسَّرها يعقوب ﵇ بغاياتها، وما تؤول إليه، وبوسائلها التي تتقدّم عليها، ففسَّر الشمس والقمر بأبي يوسف وأمه، والكواكب الأحد عشر بإخوته، وأن الحال سيكون مآلها أن الجميع لَيَسْجدون ليوسف ويخضعون له، ولهذا لما حصل الاجتماع ودخل أبوه وأمه وإخوته مصر ورفع أبويه على العرش خرَّ الجميع له سُجَّدًا، وقال يوسف متذكّرًا ذلك التعبير والتفسير: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهذا أمر عظيم اتَّصل بيوسف في الحال أن يكون مُعَظَّمًا تعظيمًا بليغًا عند أبويه وإخوته، وكذلك عند الناس.
وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدّمات لا تحصل إلا بها، وهو العلم الكثير العظيم، والعمل الصالح، والإخلاص، والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق الخلق، فلهذا قال سبحانه في ذِكْر السبب الموصل لهذه الغاية الجليلة:﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦]، يعني:لا بد أن يُتِمَّ الله عليك نعمته بتعليم العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والاجتباء من الله، وحصول الأخلاق الجميلة والمقامات الجليلة، فيُبَشِّره بحصول هذه الأمور، ثم بالوصول إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.
فإنَّ رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين وجه المناسبة فيها: أنَّ هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء زينة للأرض وجمال، وبهم يُهْتَدَى في الظُّلمات كما يُهْتَدَى بهذه الأنوار، ولأنَّ الأصل أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع؛ فمن المناسب أن يكون الأصلُ أعظمَ نورًا وجِرْمًا لما هو فرعٌ عنه، فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.
ومن المناسبة أنَّ الشمس لفظٌ مؤنثٌ، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكَّرات؛ فكانت لأبيه وإخوته.
ومن المناسبة أنَّ الساجد معظمُ مُحترم للمسجود له، والمسجودُ له معظم مُحترم؛ فلذلك دلَّ ذلك على أن يوسف يكون معظَّمًا محترمًا عند أبويه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبًى مُفَضَّلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك،ولذلك قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.
وفي ضمن هذا التعبير من يعقوب ليوسف بشارةٌ له، وتسهيل لما سيناله من المشقات والكروب مع إخوته وفي السجن، فإن مَنْ عَلِمَ أن المكاره والمشقَّات تُفْضِي إلى الخير والراحات تَسلَّى، وهانت عليه مشقَّتُها، وسهلت عليه وطأتها، وحصل بذلك من اللطف والرَّوْح شيء عظيم،وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهذا من مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تُنال إلا بالوسائل الجليلة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦].
ومن فوائد هذا التعبير لرؤيا يوسف بشارة عظيمة ليعقوب وأم يوسف وإخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير؛ فيعقوب ﵇ من أكابر الأنبياء وأفاضل الأصفياء، وأمَّله لها من الخير والصلاح والرفعة في الدنيا والآخرة، حيث شُبّهت بالشمس أو بالقمر؛ على اختلاف القولين، وإخوة يوسف وإن كان قد جرى منهم في حق أبيهم وأخيهم من الأذية والعقوق والقطيعة ما جرى، ولكنَّ أباهم وأخاهم عَفَوْا عنهم، واستغفروا الله تعالى أرحم الراحمين، فالشمس والقمر والنجوم تضمَّنت النور والارتفاع، ولكنها متفاوتة في نورها بحسب التفاوت بين الأبَوَيْنِ وبين الإخوة.
فالحاصل أن هذه الرؤيا تضمَّنت ما حصل ليوسف ﵇ من خير الدنيا والآخرة، والمقامات العظيمة، والوسائل والمِنَن التي أوردتها هذه الأمور، وما حصل لأبَوَيْه وإخوته من مشاركته في خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.
وأما رؤيا الفَتَيَيْنِ حيث: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، فتلطَّفوا ليوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما لما شاهدا من إحسانه للأشياء، وإحسانه إلى الخلق، ففسَّر رؤيا مَنْ رأى أنه يعصر خمرًا أنه ينجو من سجنه، ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيده، فيعصر له العنب الذي يُؤَوَّل إلى الخمر، وفسَّر رؤيا الآخر بأنه يُقتل ثم يُصْلَب، فتأكل الطير من رأسه.
فالأول: رؤياه جاءت على وجه الحقيقة، والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال، وأنه يُقْتَل، ومع قتله يُصْلَب ولا يُدْفَن حتى تأكل الطيور من رأسه، وهذا من الفهم العجيب، والغوص إلى المعاني الدقيقة.
وذلك أن العادة أن المقتول يُدْفَن في الحال، ولا تتمكَّن السباع والطيور من الأكل منه، ففهم أن هذا سيُقْتَل ولا يُدْفَن سريعًا حتى يصل إلى هذه الحال، وفي هذا من فضيحته وخزيه وسوء مصيره الدنيوي ما تَقْشَعِرُّ منه الجلود، وحيث علم أن هذه الرؤيا صحيحة لا بد من وقوعها، قال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]، وهذا من كمال علمه للتعبير الذي لا يُعبّر عن ظنّ وتَوهُّم، وإنما يعبّر عن علم ويقين، وأما المناسبة في ذلك أن الطيور لا تقرب الحي، وإنما تتناول الميت إذا لم يكن عنده أحد، وهذا إنما يكون بعد قتله وصلبه.
ومن المناسبة في رؤيا الفتيين: أنّه أوّل رؤيا الذي رأى أنَّه يعصرُ خمرًا؛ أنَّ الذي يعصر الخمر في العادة يكون خادمًا لغيره، والعصرُ يُقْصَد لغيره؛ فلذلك أوّله بما يؤول إليه؛ أنَّه يسقي ربَّه، وذلك متضمّن لخروجه من السجن.
وأوّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه بأنَّ جلدة رأسه ولحمه، وما في ذلك من المخّ، أنه هو الذي يحمله، وأنه سيبرز للطيور، بمحلّ تتمكَّن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنَّه سيُقتَل، ويُصلَب بعد موته، فيُبْرَز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.
وأما رؤيا الملك، فإنه رأى سبع بقراتٍ سمان يأكلهن سبع بقراتٍ عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن ويستولي عليهن سبع سنبلات يابسات ضعيفات، فهالته، وجَمَعَ لها كل من يظن فيه المعرفة، فلم يكن عند أحد منهم علم بتعبيرها، وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
وبعد هذا تفطّن الذي خرج من السجن لحالة يوسف، وما هو عليه من العلم العظيم والعلم بالتعبير، وتفطّن لوصيته التي أنساه الشيطان ذِكْر ربه لحكمة قد فصح أمرها، وأنه لا يخرج من السجن إلا بعد اشتهاره، وتميزه العظيم على الناس كلهم بتعبير رؤيا الملك، فطلب هذا الرجل من الملك أن يُرْسِله إلى يوسف، وأنه كفيل بمعرفة تفسيرها، فلما جاء يوسف قال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦]، فإن الملك والناس معه أرسلوني إليك لتفسيرها لهم، وهم بانتظار ذلك متشوقين إليه غاية التشوق، ولهذا قال: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ما ألهم الملك وأزعجه ولاعه.
ففي الحال فسّرها يوسف ﵇، وزادهم مع التفسير حُسْن العمل بها وحُسْن التدبير، فأخبرهم أن البقر السّمَان والسنابل السبع الخضرات هي سنون رخاء وخصب متواليات، تتقدّم على السنين المجدبات، وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جَدْب تليها، وأن بعد هذه السنين المجدبات عامًا فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وأنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة، ويُعدُّوا العدة للسنين الشديدات، فيزرعون زروعًا هائلة أزيد بكثير من المعتاد، ولهذا: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧].
ومن المعلوم أن جميع السنين يزرع الناس، لكنه أراد منهم أن يزرعوا زروعًا كثيرة، ويبذلوا قواهم في كل ما يَقْدِرون عليه، وأنهم يحتاطون في الغلات إذا حصلت بالتحصين والاقتصاد، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، أي: احفظوا الحاصلات من الزرع حِفْظًا تَسْلَم به من الفساد والسوس بأن تبقى في سنابلها، ويقتصدون في هذه المدة مدة الرخاء فلا يُسْرِفوا في الإنفاق، بل يأكلون القليل ويحفظون الكثير.
وإن بعد هذه السنين المخصبات سيأتي سبع سنين مجدبات شديدات تشمل الديار المصرية وما حولها، وإنها تأكل ما قُدّم لها مما حُفظ في سنين الخصب إلا قليلًا مما تُحْصِنون، ووجه المناسبة أنه كما تقدّم أن الرؤيا تعبّر بحال رائيها والمناسبات المتعلقة بها؛ كالرائي لها الملك الذي تتعلق به أركان الرعية وأمورها، ولهذا كانت رؤياه ليست خاصة له، بل تشمل الناس والرعية.
ووجه المناسبة في تفسير البقرات والسنابل بالسنين ظاهر في البقر من وجهين:
أحدهما: أنها هي التي في الغالب يُحْرَث عليها الأرض، والحروث والزروع وتوابعها تبعٌ للسنين في خصبها وجدبها.
والوجه الثاني: البقر من المواشي التي سِمنها وعَجَفها تَبَعٌ للسنين أيضًا، فإذا أخصبت سمنت، وإذا أجدبت عَجِفت وهَزَلَتْ، وكذلك السنابل تزهو الزروع وتكمل وتنمو مع كثرة الماء والسنين المخصبات، وتضعف وتيبس مع السنين المجدبات، فكانت رؤياه في البقرة والسنابل من أوصاف السنين وآثارها، ومِن ذِكْر الوسائل والغايات، فالحرث للأراضي وسيلة، ونمو الزرع وحصول السمن في المواشي هو الغاية من ذلك والمقصود.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، أي: يحصل للناس فيه غيث مُغيث تُعيد الأراضي خصبها، ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع، فدلَّ هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يُزيل شدتها ويرفع جدبها، ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يُبقي في الأرض من آثار الخضر والنبات والزروع ونحوها لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم، وهذا ظاهر جدًّا، أخذه من رؤيا الملك.
ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم تذكر هذا المعنى مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف ﵇ جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه، بل هو والله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضًا ظاهر من السياق، فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحًا لرؤيا الملك.
ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها، وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف، وعلى الملك، وعلى الناس، فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يُعدُّوا لها عدتها، فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية وعلى ما جاورها.
فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق، ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية، وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها، حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر، واحتاج يوسف أن يُقدّر للجميع، ويوزّع عليهم توزيعًا عادلًا، فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم، وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه من السجن، وتقريب الملك له من اختصاصه به، وتمكينه من ﴿الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، وهذا من إحسانه، والله لا يضيع أجر المحسنين، ومع هذا الفضل، وفضل الله أعظم من ذلك، يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره، ويختصه ويجمع له خير الدنيا والآخرة.
ومنها: ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ، حيث قصّ على قومه هذه القصة الطويلة وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دَارَسَ أحدًا يراه قومه بين أظهرهم صباحًا ومساءً، وهو أمّيٌّ لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة حيث قصَّها على الوجه المطابق، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾، كما ذكر الله هذا المعنى في قصة موسى وغيره من الأنبياء؛ لأن الغيوب نوعان: أمور سابقة قد اندرس علمها، نبّأه الله بها، وأمور مستقبلة قد نبّأه الله بها قبل أن تقع فوقعت، ولا تزال تقع شيئًا بعد شيء مطابقةً لما أخبر به ﷺ في كتاب الله وفي سنة رسوله، وكلها براهين على رسالته.
ومنها: أنه ينبغي البُعْد عن أسباب الشر، وكتمان ما تُخْشَى مضرّته، والحث على التحرز منه؛ لقول يعقوب ليوسف:﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وما فيها من التأكيد عليهم في حفظه حين أرسله معهم، ثم عند إرسال أخيه بنيامين بعد ذلك أخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، فالإنسان مأمور بالاحتراز، فإن نفع فذاك، وإلا لم يَلُم العبد نفسه.
ومنها: أنه يجوز ذِكْر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره؛ لقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.
ومنها: أنّ نعمة الله على العبد نعمةٌ على مَنْ يتعلَّق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنَّه ربما شملتهم، وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوبُ في تفسيره لرؤيا يوسف:﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾، ولما تمَّت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوبَ من العزِّ والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف.
ومنها: أنَّ العدل مطلوبٌ في كل الأمور، لا في معاملة السلطان رَعِيَّتَه، ولا فيما دونه، حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبَّة والإيثار وغيره، وأنَّ في الإخلال بذلك يختلُّ عليه الأمر، وتفسُد الأحوال، ولهذا لما قدَّم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم، وعلى أبيهم وأخيهم.
ومنها: أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يُخْفِي ذلك مهما أمكنه، وألاّ يُفَضِّله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيءٍ من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرِّهم به، واتفاقهم فيما بينهم، ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمرٍ وخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه، وهذا صريح جدًّا؛ أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تمييزه بالمحبة، ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع، وهم يعلمون أنه لا يحل لهم، ولكنهم قالوا: افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده، وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون ولو أضمر أنه سيتوب منه، فالذنب يجب اجتنابه، فإذا وقع وجبت التوبة منه.
ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدّره عليه من الفُرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعةً لمقاماته في الدنيا والآخرة، وليكون للنعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير، والثناء على الله بها، وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجليلة.
ومنها: أن آيات الله إنَّما ينتفع بها السائل المستهدي الذي قصده معرفة الحق واتباعه؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، أما الغافلون المعرضون أو المعارضون المعاندون فإنه يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فالنظر في آيات الله المتلوّة وآيات الله الكونية ينفع من قصده الحق، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وكم في القرآن تقييد الانتفاع بهذا القيد، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣].
ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، وأنَّ الذنب الواحد يستتبع ذنوبًا متعددة، ولا يتمُّ لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدَّم الذي فيه، وفي إتيانهم عشاءً يبكون، ولا تستبعد أنَّه قد كَثُرَ البحث فيها في تلك المدَّة، بل لعلَّ ذلك اتَّصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث حصل من الإخبار بالكذب والافتراء ما حصل، وهذا شؤمُ الذنب وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة.
ومنها: أنه لا ينبغي أن يغترَّ بمجرد صورة القرائن، ولما أتت إلى شُرَيح امرأة مع خصمها أرسلت عينيها بالبكاء، فقال لشريح بعضُ الحاضرين: ما أظن البائسة إلا مظلومة، فقال شريح: ألم تسمع قصة إخوة يوسف إذ أتوا ﴿أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾، هل كانوا مظلومين أو ظالمين؟! فكم حصل بمثل هذه التمويهات من الاغترار وقلب الحقائق، لهذا كان الأذكياء يجعلون كل احتمال على بالهم، وينظرون إلى الأمور من جميع جهاتها ونواحيها.
ومنها: أنَّ العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإنَّ أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدُّعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقّه فالله خير الراحمين، ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء؛لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدلُّ على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيّرة، والكواكب فيها النور والهداية، الذي من صفات الأنبياء، فإنْ لم يكونوا أنبياء فإنَّهم علماء هداة.
ومنها: ما منَّ الله به على يوسف ﵊ من العلم والحلم، ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعَفْوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به، وتمَّ ذلك بأن لا يُثَرِّب عليهم ولا يُعَيِّرَهم به، ثم برُّه العظيم بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق.
ومنها: أن بعض الشرِّ أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإنَّ إخوة يوسف لما اتَّفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضًا، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾؛ كان قوله أحسن منهم وأخفَّ، وبسببه خفَّ عن إخوته الإثم الكبير.
ومنها: أنَّ الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يُعْلَم أنه كان على غير وجه الشرع؛ أنَّه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء، أو خدمةٍ أو انتفاع، أو استعمال؛ فإنَّ يوسف ﵇ باعه إخوته بيعًا حرامًا لا يجوز، ثم ذهبتْ به السيارة إلى مصر، فباعوه بها، وبقي عند سيّده غلامًا رقيقًا، وسمّاه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم.
ومنها: أن الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى العباد سبب يُنال به العلم، وتُنال به خيرات الدنيا والآخرة؛ لقوله:﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، وقوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧]، فجعل الله الإحسان سببًا لنَيْل هذه المراتب العالية.
ومنها: أن النظر إلى الغايات المحبوبة يهوّن المشاق المعترضة في وسائلها، فمتى علم العبد عاقبة الأمر وما يئول إليه من خير الدنيا والآخرة هانت عليه المشقة، وتسلَّى بالغاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، فأوحى إلى يوسف في هذه الحال المزعجة أن الأمر سيكون إلى خير وسعة، وبعد هذه الإهانة الصادرة من إخوتك لك ستكون لك الأثرة عليهم والعاقبة الحميدة، وفي هذا من اللطف والتسلية وتخفيف البلاء ما هو من أعظم نِعَم الله على العبد، ولهذا المعنى الجليل يذكّر الله عباده عند المشاق والأمور المزعجة ما يترتب على ذلك من الثواب والخير والطمع في فضله، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يُخشى منهنَّ الفتنة، والحذر أيضًا من المحبَّة التي يُخشى ضررها؛ فإنَّ امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسف، وحبّها الشديد له، الذي ما تركها حتّى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسُجن بسببها مدة طويلة.
مختارات

