الخزانة الثانية..
بم ينعقد البيع؟.
ينعقد البيع بإحدى صفتين:
الأولى: قوليه بأن يقول البائع بعتك أو ملكتك ونحوهما، ويقول المشتري اشتريت أو قبلت ونحوهما مما جرى به العرف.
الثانية: فعلية وهي المعاطاة، كأن يعطيه ريالًا، ثم يأخذ خبزًا، فيعطيه بلا قول ونحو ذلك مما جرى به العرف بالمعاملات اليومية كالسلع المحددة السعر أو غيرها.
• فضل السماحة في البيع والشراء:
ينبغي أن يكون المسلم في المعاملات سهلًا سمحًا، حتى ينال رحمة الله.
عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».
أخرجه البخاري.
• صفة قبض المبيع:
قبض المبيع نوعان:
الأول: قبض حسي، وهو قبض الأموال باليد، أو بالكيل أو الوزن في الطعام وما يكال ويوزن، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض.
الثاني: قبض حكمي وهو التخلية بين المبيع والمشتري، مع التمكين بالتصرف ولو لم يوجد القبض حسيًا، فيقوم مثلا تسليم الشيك للبائع مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود، ويعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال العملة بأخرى، ويكون قبض الشيك المصرفي إذا كان له رصيد قابل للسحب مقام القبض في المجلس.
• أقسام الناس في البيع:
الناس في البيع ثلاثة أقسام:
فمن الناس من يبيع بالعدل، ومنهم من يبيع بالظلم، ومنهم من يبيع بالإحسان.
فالذي يبيع بالعدل هو الذي يعطي الشيء، ويأخذ ثمنه بالعدل، فلا يظلم ولا يظلم، والذي يبيع بالظلم والغرر كالغشاش والكاذب والمرابي ونحوهم، والذي يبيع بالإحسان هو من كان سمحًا في البيع والشراء، ويمهل في القضاء، ويبادر بالوفاء ولا يزيد في الثمن، فهذا أفضل الأقسام، والأول جائز، والثاني محرم لما فيه من أكل لأموال الناس بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».
أخرجه البخاري.
• حكم الشرط في البيع:
كل بيع معلق على شرط، لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، فهو صحيح كأن يشترط البائع سكن الدار شهرًا، أو يشترط المشتري حمل الحطب وتكسيره، أو نظافة المنزل ونحو ذلك.
• حكم التكسب:
يجب على الإنسان أن يجتهد في طلب الرزق الحلال، ليأكل وينفق على أهله، وينفق في سبيل الله، ويستغنى عن سؤال الناس.
وأطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ».
متفق عليه.
• حكم البيع والشراء عن طريق وسائل الاتصال الحديثة:
البيع والشراء يتم بالإيجاب والقبول بين الطرفين، سواء كان في مجلس العقد، أو عن طريق الكتابة الموثقة، أو عن طريق النت بالحاسب الآلي، أو عن طريق الهاتف أو الفاكس، وتنتهي مدة الخيار باستكمال العملية بين الطرفين بالإيجاب والقبول، وينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.
• خطر كثرة الحلف في البيع:
الصدق في البيع والشراء وفي سائر المعاملات، سبب لحصول البركة، والكذب سبب لمحق البركة، وكثرة الحلف في البيع منفقة للسلعة، ممحقة للربح وقد نهي عنه رسول الله ﷺبقوله «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ».
أخرجه مسلم.
أين تصرف الأموال المشتبهة؟.
المشتبهات من الأموال العينية والنقدية، ينبغي صرفها في الأبعد عن منفعة البدن فالأبعد، فأقربها ما دخل في البطن، ثم ما واري الظهر من اللباس، ثم ما عرض من المراكب كالخيل والسيارات ونحوهما، ثم ما يحتاج من العلف والوقود ونحو ذلك.
• حكم التسعير:
التسعير: هو أن تضع الحكومة ثمنًا محددًا للسلعة، بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري وللتسعير حالتان:
الأولى: يحرم التسعير إذا تضمن ظلم الناس أو إكراههم بغير حق بشيء لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم.
الثانية: يجوز التسعير إذا كانت لا تتم مصالح الناس إلا به، كأن يمتنع أصحاب السلع من بيعها إلا بزيادة، مع حاجة الناس إليها، فتسعر بقيمة المثل، لا ضرر ولا ضرار.
• حكم أرباح التجار:
الأصل لا تحديد لأرباح التجار، لأن ذلك يتبع أحوال العرض والطلب كثرة وقلة، لكن ينبغي للتاجر أن يكون سمحًا في بيعه وشرائه، ولا يحتكر السلع، ولا يستغل حاجة الناس، فإذا اقتضت المصلحة العامة تسعير الأشياء، فللإمام أن يسعر ما يحتاجه الناس، بما يحقق صفة العدل، مما يحقق مصلحة البائع والمشتري معًا، بأن يربح البائع، دون مضرة المشتري وذلك كالثلث وما دونه.
• حكم الاحتكار:
الاحتكار: هو شراء السلع التي يحتاجها الناس، وحبسها لتقل بين الناس، فيرتفع سعرها.
والاحتكار حرام، لما فيه من الجشع والطمع، والتضييق على الناس، ومن احتكر فهو خاطئ.
عن معمر بن عبد الله ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».
أخرجه مسلم.
• حكم التورق:
التورق: هو أن يشتري الإنسان سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها نقدًا على غير البائع بثمن أقل مما اشتراها به، وإذا احتاج الإنسان إلى نقد، ولم يجد من يقرضه، فيجوز عند الحاجة أن يشتري سلعة إلى أجل، ثم يبيعها على غير الأول، وينتفع بثمنها، والبعد عن ذلك ورعًا هو الأفضل.
• حكم بيع العربون:
بيع العربون: هو بيع السلعة، مع دفع المشتري مبلغًا من المال إلى البائع، على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من ثمنها، وإن تركها فالمبلغ المدفوع الذي هو العربون للبائع، وهذا البيع جائز إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدد.
• حكم الغش:
الغش: هو كتمان الحقيقة، والكذب على الناس بإخفاء عيوب السلعة عنهم، والغش محرم في كل شيء ومع كل أحد، وفي أي معاملة، فهو محرم في المعاملات كلها، ومحرم في الأعمال المهنية، ومحرم في الصناعات، ومحرم في العقود والبيوع وغيرها، لما فيه من الكذب والخداع، والإضرار بالناس، ولما يسببه من التشاحن والتناحر، والتقاطع والتدابر.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
أخرجه مسلم.
• حكم الإقالة:
الإقالة: هي فسخ العقد، ورجوع كل من المتعاقدين بما كان له.
والإقالة سنة للنادم من بائع ومشتر، وهي سنة في حق المقيل، مباحة في حق المستقيل، وتشرع الإقالة إذا ندم أحد المتبايعين، أو زالت حاجاته للسلعة، أو لم يقدر على الثمن أو نحو ذلك من الأسباب.
والإقالة من معروف المسلم على أخيه إذا احتاج إليها، وقد رغب فيها النبي ﷺ بقوله: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح.
• حكم التعامل مع الكفار:
تجوز معاملة الكفار في الزراعة والصناعة والتجارة والبناء ونحو ذلك، لا يتنافى مع الشرع، من ربا أو غش أو محرم.
ويجوز البيع والشراء من كل مسلم وكافر، في كل ما هو مباح شرعا.
عن أبي عبد الرحمن ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها فقال ﷺ «بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً».
متفق عليه.
• حكم الشرط الجزائي:
الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود بين الناس، شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، فهو جائز لإتمام العقد في وقته، وفيه سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق العباد، ما لم يكن هناك عذر شرعي فيكون عذره مسقط لوجوبه، وإن كان الشرط كثيرًا عرفًا فيجب الرجوع إلى العدل والإنصاف، حسب ما فات من منفعة، أو لحق من مضرة عند الحاكم.
• حكم العمل في الوظائف المحرمة:
التكسب المشروع عبادة الله ﷿، والمؤمن طيب بإيمانه، فلا يليق به أن يعمل فيما يسخط الله في الأماكن والوظائف الخبيثة المحرمة كالعمل في البنوك الربوية، أو الشركات المحرمة، أو أماكن الغناء والرقص والتصوير، أو أماكن صنع الخمور وشربها وبيعها، وبيوت الدعارة والفنادق والمطاعم التي تقدم الخمور والخنزير وغير ذلك مما حرم الله ورسوله، لأن ذلك كله كسب خبيث، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، وما عند الله لا يطلب بمعصيته، وما حرم الله شيئاً إلا أغنى عنه، ولما في ذلك من الفساد والإثم والتعاون على العدوان، والتعرض لعقوبة الله بمخالطة الفساق والظلمة.
وأبواب الرزق الحلال أعظم بركة، وأوسع من أبواب الحرام:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
[حكم عمل المسلم عند الكافر]
يجوز للمسلم العمل عند الكافر بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون عمله يحل للمسلم فعله كبناء وحرث وقيادة سيارة ونحوهما مما لا يتنافى مع كرامة المسلم.
الثاني: أن لا يعينهم على ما يعود ضرره على المسلمين من غش أو تجسس ونحوهما.
الثالث: أن لا يكون في العمل إذلال للمسلم، كإعداد وتقديم خمر وخنزير ونحو ذلك.
والأولى أن ينتفع المسلم من المسلم في العمل والحرف ونحو ذلك، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا والنبي ﷺيقول «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ».
أخرجه مسلم.
ويجوز أن يستأجر المسلم كافرًا عند الحاجة: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦].
وعن عائشة ﵁ قالت: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ».
أخرجه البخاري.
• حكم عقود المناقصات:
المناقصة عكس المزايدة، فالمزايدة طلب بيع، والمناقصة طلب شراء أو توريد، فالمناقصة أن يعرض راغب الشراء سواء كان فردًا أو شركة أو حكومة طلبه لشراء سلعة، أو تنفيذ مشروع، ليزدحم الناس على أداء العمل وهذا العقد جائز، لما فيه من المنفعة للطرفين، سواء كان عقد على عمل الصيانة فقط، أو على العمل وتوريد المواد وتركيبها، لكن بشرط أن يكون العمل والأجر والمواد والمدة، كلها معلومة معينة، قطعًا للنزاع بين الطرفين وعلى الطرفين الوفاء بما ورد في العقد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وإذا باع التاجر بناية أو سيارة أو آلة كثلاجة مثلا، والتزم بصيانتها مدة معلومة، فهذا جائز لما فيه من مصلحة الطرفين، وليس فيه غرر أو جهالة.
• حكم بيع المشاع:
إذا باع أحد مشاعاً بينه وبين غيره كأرض، صح في نصيبه بقسطه، وإن أجازه شريكه صح في الكل، وللمشتري الخيار إن جهل الحال.
***
مختارات
