الخزانة الخامسة..
• حكم هدي التطوع:
أولاً: يُسن للحاج القادر الاستكثار من الهدي لفقراء الحرم وغيرهم.
عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا».
أخرجه مسلم.
ثانيًا: يُسن للمعتمر أن يسوق الهدي من بلده أو من بلد الحل ويهديه لفقراء الحرم وغيرهم.
عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيُّ ﵌ الهَدْيَ، وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ».
أخرجه البخاري.
ثالثًا: يُسن للمقيم في بلده أن يبعث الهدي إلى الحرم.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ أَشْعَرْهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِل».
متفقٌ عليه.
[الثاني: الأضحية]
• الأضحية هي ما يذبح في أيام الأضحى من الإبل والبقر والغنم تقربًا إلى الله تعالى.
• حكم الأضحية:
الأضحية سُنَّةٌ مؤكدة على كل مسلمٍ حيٍ قادر عليها.
وتُسن الأضحية عن الحي وتجوز عن الميت تبعًا لا استقلالًا إلا من أوصى بذلك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ١ - ٢].
• وقت ذبح الأضحية:
يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد إلى أخر أيام التشريق، فأيام ذبح الأضحية أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، كما هو الحال في ذبح الهدي، ويُستحب أن يأكل من الأضحية، ويُهدي منها، ويتصدق على الفقراء.
وللأضحية فضلٌ عظيم لما فيها من التقرب إلى الله ﷿، والتوسعة على الأهل، ونفع الفقراء، وصلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب والجيران.
• شروط الهدي والأضحية:
يشترط في الهدي والأضحية ما يلي:
الأول: لا يجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة إلا ما كان من الإبل ثني له خمس سنين فأكثر، ومن البقر ثني له سنتان فأكثر، ومن الضأن جذع له ستة أشهر فأكثر، ومن المعز ثني له سنة فأكثر، وإذا تَعَيَّنَت الأضحية لم يجز بيعها، ولا هبتها، إلا أن يبدلها بخير منها.
الثاني: يجب أن تكون الأضحية أو العقيقة أو الهدي من بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبر شرعًا، وأن تكون سليمة من العيوب، وأفضلها أسمنها وأغلاها وأنفسها عند أهلها.
و تجزئ الشاة عن واحد، والبدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ويجزئ أن يُضحي بشاةٍ أو بدنةٍ أو بقرةٍ عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات، ويستحب للحاج الموسر الإكثار من ذبح الهدي اقتداءً بالنبي ﵌، وإكرامًا لحجاج بيت الله الحرام، ومواساةً لفقراء الحرم، وكسبًا للأجر والثواب.
• ما يحرم على من أراد أن يضحي:
يحرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره و بشره أو ظفره شيئاً في العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة، فإن فعل شيئا من ذلك استغفر الله ولا فدية عليه.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النبي ﵌ قال: «إذا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أحدكم أَنْ يُضَحِّيَ فلا يَمَسَّ من شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شيئًا».
أخرجه مسلم.
• ما لا يجزئ من الهدي و الأضاحي:
إذا ذبح المسلم الهدي أو الأضحية ونحوهما من ذبائح القُرب، ولم يعلم بمرضها إلا بعد الذبح، فإنها لا تجزئ لفوات المقصود منها.
ومقطوعة الإلية أو بعضها، ومجبوبة السنام، والعمياء، ومقطوعة الساق، كلها لا تجزئ في الهدي والأضحية ونحوهما من ذبائح القُرَب.
عن البراء بن عازب ﵁ أنه سمع النبي ﵌ يقول: «أَرْبَعَةٌ لا يَجْزِينَ فِي الأَضَاحِي، العَورَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لاتُنْقِي».
أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح.
• أفضل الهدي والأضاحي:
الأفضل في الهدي والأضحية بدنة كاملة، ثم بقرة كاملة، ثم شاة، ثم سُبع بدنة أو بقرة، أما العقيقة فلا تجزئ البدنة أو البقرة أو الشاة إلا عن واحد، والشاة أفضل من البدنة؛ لأنها التي وردت في السُنَّة، والذَّكَر أفضل.
عن أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﵌ بِكَبْشَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا».
متفقٌ عليه.
١١ - فقه نوازل الحج والعمرة
• حكم التصاريح والتأشيرات:
تصاريح وتأشيرات الحج والعمرة، وتحديد نسب الحجاج، كل ذلك لتنظيم أداء هذه العبادة العظيمة بيسر وسهولة، لا لمنعها وتقييدها، وذلك شرط لوجوب الحج على المسلم كالزاد والراحلة، ومن منع من الحج بسببها، فلا ينيب غيره مكانه.
ويحرم بيع تصاريح الحج أو تأشيراته، ولا يجوز استخدامها إلا لمن أعطيت له، ولا يجوز التحايل على أنظمة الحج بجواز أو تصريح أو تأشيرة مزورة، لما في ذلك كله من مخالفة ولي الأمر والكذب وفتح باب الفوضى والخلل الأمني، والكسب الحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
• حكم تحديد نسبة الحجاج:
الأصل استحباب المتابعة بين الحج والعمرة، ويستحب تكرار العمرة في العام الواحد مرارًا؛ لأن الأصل في العبادات غير المؤقتة استحباب تكرارها، كصلاة التطوع، وصوم التطوع، وعمرة التطوع.
وإذا اشتد الزحام على الحج والعمرة، فلولي الأمر أن يحدد للناس نسبة يتمكن معها من يريدون الحج أو العمرة من أداء نسكهم بيسر وسهولة، وأمن وطمأنينة.
ولولي الأمر أن يحدد مدة الحج لمن سبق له الحج بمدة تخفف الزحام بما يحقق المصلحة، كخمس سنوات مثلًا، ويستثنى من ذلك العلماء والدعاة والأطباء والجنود ونحوهم ممن يقوموا على رعاية الحجاج وإرشادهم وحفظهم، ويجب على الأفراد، وحكام وشعوب الدول الإسلامية التعاون مع ولي الأمر في تحقيق تلك المصالح العامة للمسلمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
• حكم حملات الحج والعمرة:
يجوز للمؤسسات والشركات الإعلان عن حملات الحج والعمرة بضوابطها الشرعية، ويجوز للدولة طلب ضمان بنكي لحملات الحج لتضمن للحجاج حقوقهم، وأداء نسكهم حسب الاتفاق معهم.
قال النبي ﷺ: «والمُؤمِنُون عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».
أخرجه الترمذي.
ويشرع للعلماء والدعاة مرافقة حملات الحج والعمرة لتوعية الحاج بأحكام المناسك، وإرشادهم في أمور دينهم، ومن أعطي منهم مالًا أو غيره بدون شرط فله أخذه، ولا ينبغي للمسلم الذي يريد الأجر والثواب أن يحج في الحملات الباهظة الثمن؛ لما فيها من الإسراف والتباهي ومخالفة هدي النبي ﷺ وأصحابه من إظهار الافتقار والتواضع لربهم في أداء هذه الشعيرة العظيمة.
• حكم الحج مع الجهات الحكومية:
يجوز الحج على نفقة تلك الجهات الحكومية لجميع الموظفين المكلفين بالعمل في الحج من تلك الجهات، ومن دعته تلك الجهات للحج من الدعاة والعلماء والأطباء وغيرهم، ومن أذنوا له من الناس، ومن شارك في خدمة الحجاج من الجنود والأطباء والموظفين والعمال وغيرهم، ومن أراد الحج فرده ولم يأذن له مرجعه أو كفيله، فإن كان حجه لا يؤثر على عمله أدنى تأثير، فيجوز له الحج بدون إذن مرجعه أو كفيله، وإن كان حجه سيؤثر على أداء عمله، فلا يجوز له الحج إلا بإذن مرجعه، لمنافاته العقد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
ومن أحرم بالحج وهو مكلف بالعمل في الحج، فإن أذن له مرجعه، أتم نسكه، وقام بعمله، وإن لم يأذن له فإن كان مشترطًا أن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل، ولا هدي عليه، وإن لم يكن اشترط ذبح هدي المحصر،ثم يحلق ويحل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن كلف بعمل في موسم الحج، وأراد الحج، ولا يدري أيؤذن له بالحج أم لا؟، فلا يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أذن له أحرم من المكان الذي حصل فيه الإذن.
• حكم سفر المرأة للحج والعمرة:
لا يجوز للمرأة السفر إلى الحج أو العمرة أو غيرهما بدون محرم، سواء كانت داعية أو طبيبة أو خادمة أو غيرها، وسواء كانت كبيرة أو صغيرة.
ومن كانت عنده مريضة أو خادمة، وأرادت أن تسافر للحج أو غيره، ولم يكن لها محرم، تمكث عنده أو في مكان تأمن فيه على نفسها، ولا يمكن أن تبقى وحدها، وهو مضطر لها، فهذه ضرورة يجوز له أن يسافر بها مع أهله، دفعًا لأعلى المفسدتين بفعل أقلهما إثمًا:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
• نوازل المواقيت:
مواقيت الحج والعمرة هي: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق.
أما جدة فهي داخل حدود المواقيت، فلا يجوز لأحد أن يحرم منها إلا أهلها ومن أنشأ النية فيها من القادمين إليها.
ومن تجاوز الميقات وأحرم بعده، لأنه لا يحمل تصريح الحج، فحجه صحيح، لكنه غير مبرور، وفعله حرام؛ لتعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات، ومخالفة ولي الأمر، ومن حج بدون تصريح، ثم أحرم بالحج، ثم أكره على نزع الإحرام، فنزعه ولبس الثوب، ثم لما تجاوز النقاط الأمنية لبس إحرامه، فهذا قد أحرم بقلبه، ولبس الثوب على بدنه، فنسكه صحيح؛ لكنه ناقص غير مبرور، وهو آثم بمخالفة ولي الأمر، وعليه فدية لبس المخيط.
ومن أحرم بحج أو بعمرة ثم مُنع من أداء نسكه بأي مانع، فإن كان مشترطًا أن محلي حيث حبستني، حل ولا شيء عليه، وإن لم يكن مشترطًا فهو محصر يذبح هدي الإحصار، ثم يحلق ثم يحل، فإن لم يجد الهدي أو لم يقدر على الهدي، حلق ثم حل ولا شيء عليه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
***
مختارات
